“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(22) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(22) تابع
عبد الغني منتصر
الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور
المبحث الخامس: الأمة العابرة للحدود”تفكيك سايكس بيكو وجدانياً”
1- سيكولوجية “الإنسان المنهاجي” مقابل “المواطن القطري”
لقد راهن مشروع “سايكس بيكو” لقرنٍ من الزمان على صناعة “المواطن القطري”؛ ذلك الإنسان الذي يُعرف نفسه من خلال حدودٍ رسمها الغرب، ويرى أنَّ دائرته الوجدانية والمسؤولية تنتهي عند “نقطة التفتيش” الحدودية. إلا أنَّ زلزال “طوفان الأقصى” أعلن رسمياً موت هذا النموذج، وميلاد “الإنسان المنهاجي”؛ وهو الإنسان العابر للحدود بوعيه، الذي يستمد هويته من “النص الوحياوي” لا من “الجواز الوطني”. إنَّ سيكولوجية هذا الإنسان الجديد تقوم على فكرة أنَّ “المسافة صفر” ليست مسافة مكانية بين المقاوم والدبابة فحسب، بل هي مسافة نفسية صِفرية بين المسلم في طنجة والمسلم في غزة؛ فما يصيب أحدهما يقع بالضرورة على الآخر، محققاً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
إنَّ تحليل هذا التحول السيكولوجي يكشف عن تفكك مفهوم “الانتماء المصلحي الضيق”؛ فبينما كان “المواطن القطري” يُقاد عبر إيهامه بأنَّ أمنه ورخاءه يكمنان في عزلته عن قضايا الأمة، جاء “الإنسان المنهاجي” ليدرك أنَّ أمنه يبدأ من تحرر “الثغر الأعظم” في فلسطين. لقد حدثت في وجدان الأمة عملية “هجرة نفسية” جماعية من أسر الخريطة إلى رحابة الأمة؛ حيث أصبح الشاب المغربي أو المشرقي يشعر بـ “مسؤولية شرعية وقانونية” تجاه غزة تفوق شعوره بالالتزام للقوانين القطرية التي تُكبله. هذا التغيير في “بنية الولاء” هو الذي أرعب المنظومة الدولية، لأنه يعني أنَّ الأمة لم تعد تقاد بـ “سيكولوجية القطيع” المحصور في حظيرة الحدود، بل بـ “سيكولوجية الجسد الواحد” الذي يرفض التجزئة.
إنَّ الفرق الجوهري في هذه السيكولوجية الجديدة هو الانتقال من “الهوية الجامدة” إلى “الهوية الفاعلة”؛ فالمواطن القطري كان “هويةً سكونية” تُعرف بالأرض والطين، أما الإنسان المنهاجي فهو “هويةٌ حركية” تُعرف بالفعل والموقف. لقد أعادت غزة صياغة مفهوم “الدار”؛ فلم تعد الدار هي الأربعة جدران التي يسكنها الفرد، بل أصبحت “دار الإسلام” هي بيته الكبير، وأصبح كل طفلٍ يُستشهد تحت ركام غزة هو “ابنه” الذي لم تلده صُلبه، بل ولده “رحم العقيدة”. هذا التحول السيكولوجي هو الذي أسقط “قدسية الحدود” في القلوب، وحولها من “ثوابت وطنية” إلى “عوائق استعمارية” ينتظر الجميع لحظة انصهارها.
وبناءً على ذلك، فإنَّ “الإنسان المنهاجي” هو النواة الحقيقية لأي نهضة قادمة؛ لأنه الوحيد القادر على تجاوز “فخاخ التفتيت”. إنَّ تفكيك إرث سايكس بيكو في الوجدان الشعبي يعني أننا أصبحنا أمام أمةٍ “لا تقرأ الخرائط” حين يتعلق الأمر بالدين والمقدس، بل تقرأ “كتاب الله” الذي جعل من المسجد الحرام والمسجد الأقصى بوصلةً واحدة. إنَّ ميلاد هذا الإنسان هو الانتصار الأكبر الذي حققته غزة؛ فلئن نجح العدو في تدمير الحجر، فقد فشل فشلاً ذريعاً في حبس الروح داخل “الزجاجة القطرية”. إننا اليوم أمام فيضٍ شعبي يرى أنَّ التحرير الحقيقي يبدأ من تحرير “تعريف الذات”، وأنَّ القوة لا تكون إلا في “التئام الشمل”، لتصبح الحدود مجرد خطوط وهمية أمام زحف الأمة نحو غايتها الكبرى.
2- سقوط “الأمن القومي الضيق” وبروز “الأمن العقدي الشامل”
لسنوات طويلة، استثمر إرث “سايكس بيكو” في تسويق كذبة كبرى مفادها أنَّ لكل دولةٍ “أمناً قومياً” مستقلاً يبدأ وينتهي عند حدودها الجغرافية، مما خلق حالة من “الأنوية الوطنية” التي جعلت العواصم تراقب ذبح غزة وكأنها حدثٌ في كوكبٍ آخر. غير أنَّ “طوفان الأقصى” جاء ليثبت أنَّ أمن الرباط، والقاهرة، وبغداد ليس معزولاً عن أمن القدس، بل هو مرتهنٌ به. لقد سقط مفهوم “الأمن القومي الضيق” ليبرز محله “الأمن العقدي الشامل”؛ وهو اليقين بأنَّ أي اختراقٍ صهيوني لقلب الأمة في فلسطين هو تهديدٌ وجودي لسيادة كل عاصمة مسلمة. إنَّ غزة اليوم لا تدافع عن أمتارٍ من الطين، بل هي “خط الدفاع الأول” عن كرامة وسيادة الأمة بأسرها.
إنَّ فقه “الأمن الشامل” يكشف زيف مقولة “بلدي أولاً” عندما تُستخدم كذريعة للخذلان؛ فقد أدركت الشعوب أنَّ العدو الذي يحاصر غزة هو ذاته الذي يسعى لخنق اقتصاد المغرب، وتجفيف منابع النيل، وتفتيت وحدة العراق. إنَّ غزة قد قامت بـ “تأميم المخاطر”؛ حيث جعلت كل مسلمٍ يدرك أنَّ سقوط المقاومة في فلسطين يعني بالضرورة سقوط “المناعة الحضارية” للأمة، وفتح الباب لاستعبادٍ شامل لا يستثني أحداً. هذا التحول من “أمن الحدود” إلى “أمن العقيدة” هو الذي جعل المتظاهر في المغرب يشعر أنَّ قنبلة تسقط على غزة هي اعتداءٌ مباشر على أمنه الشخصي، لأنَّ المعتدي واحد، والمستهدف هو “منهاج السيادة” الذي تحمله الأمة.
إنَّ بروز “الأمن العقدي الشامل” يعني الانتقال من “الدفاع السلبي” إلى “الردع التكاملي”؛ حيث لا يُقاس أمن الدولة بمدى انغلاقها، بل بمدى اشتباكها مع قضايا أمتها. لقد فضحت غزة حقيقة أنَّ “الأمن القومي” الذي لا يضع القدس في مركزه هو أمنٌ هش وتابع للاستعمار. إنَّ المنهاج الجديد يفرض صياغة “عقيدة أمنية عابرة للحدود”، تعتبر أنَّ القوة العسكرية والسياسية لأي بلد إسلامي هي ملكٌ مشاع لحماية “ثغور الأمة”. إنَّ السيادة الحقيقية لا تتحقق في ظل وجود خنجرٍ صهيوني في خاصرة المشرق، ومن هنا أصبح “تفكيك الكيان” هو المطلب الأول للأمن القومي في المغرب والمحيط والخليج على حد سواء.
وبناءً على ذلك، فإنَّ “الأمن العقدي الشامل” هو الذي سيقود الأمة نحو “الوحدة الإستراتيجية”. إنَّ سقوط جدران “الأمن الضيق” في الوجدان الشعبي هو التمهيد الضروري لسقوطها على الخارطة. لقد أصبح المواطن العربي يدرك أنَّ “الاستقرار الزائف” تحت ظل الهيمنة هو قمة الانكشاف الأمني، وأنَّ “الرباط والاشتباك” هو ذروة الأمان. إنَّ غزة هي التي أعادت تعريف “العدو” و”الصديق” بعيداً عن تصنيفات المخابرات الدولية، لتضع الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية: إما أمنٌ شامل تحت راية المنهاج، أو تمزقٌ قطري تحت سوط الاستعمار. إنَّ “وعد الآخرة” هو الوعد بالأمن المطلق الذي لا يتحقق إلا باجتماع كلمة الأمة على قلب رجلٍ واحد في مواجهة “الفتنة الكبرى”، تصديقاً للوعد الحق: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
3- “اللغة والمصطلح”: كيف وحدت غزة القاموس الشعبي للأمة؟
لقد عمل إرث “سايكس بيكو” على تعزيز “اللهجات المحلية” والخصوصيات الثقافية الضيقة ليجعل من كل قطرٍ “جزيرة لغوية” منعزلة، تبتعد تدريجياً عن لغة الوحي والهم المشترك. إلا أنَّ “طوفان الأقصى” أحدث “ثورةً لسانية” كبرى؛ حيث أسقطت غزة مصطلحات الهزيمة والتبعية (مثل “النزاع”، “عملية السلام”، “الطرف الآخر”)، واستبدلتها بـ “قاموس العزة” الذي أصبح اللغة الأم لكل أطفال الأمة من طنجة إلى جاكرتا. لقد توحدت الأمة حول مصطلحات (المقاومة، الاستشهاد، المسافة صفر، النفير، العهد والوفاء)؛ مما خلق “كتلةً وجدانية لسانية” لا تعترف بخرائط التقسيم، محققةً قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾. فالغرض من الاختلاف هو التعارف على مائدة الحق، لا التباعد في وديان القومية.
إنَّ فقه “لغة الطوفان” يكشف كيف تحولت جملٌ بسيطة مثل “يا روح الروح” أو “باي باي يا حبيبي” إلى “أيقونات عالمية” تتجاوز حاجز اللغة والترجمة، لتصبح لغةً إنسانية عالمية تقودها غزة. لقد أصبحت “لهجة غزة” المحملة بالصبر واليقين هي “اللهجة القيادية” للأمة؛ فحين يتحدث “الملثم”، ينصت المغرب والمشرق بقلبٍ واحد، وتختفي الفوارق اللسانية أمام جلال الموقف. هذا التوحد حول المصطلح يعني أنَّ الأمة قد استعادت “وحدة المفاهيم”؛ فالحق أصبح واحداً، والباطل أصبح واحداً، والعدو أصبح له اسمٌ واحد لا يقبل التأويل. إنَّ لغة غزة هي التي رممت “الشخصية المسلمة” وجعلتها تعتز بهويتها الأصلية بعيداً عن “الرطانة الغربية”.
إنَّ سيادة “قاموس المنهاج” في الوجدان الشعبي تعني سقوط “الهيمنة الثقافية” التي حاولت فرض مصطلحات “التعايش الزائف” مع المحتل. لقد أعادت غزة للكلمة “بأسها”؛ فكلمة “جهاد” التي حاول العالم تجريمها، أصبحت اليوم هي “أيقونة الخلاص” في وعي الشعوب. إنَّ هذا التوحد اللغوي هو التمهيد الضروري لـ “الوحدة السياسية”؛ فمن يتحدث لغةً واحدة، ويحمل هماً واحداً، ويستخدم قاموساً واحداً، لا يمكن أن تفرقه حدودٌ ورقية. إننا أمام “انبعاثٍ لغوي” يربط بلاغة القرآن بواقع الميدان، ليصبح المصطلح سلاحاً لا يقل ضراوة عن الصاروخ في دك حصون التجزئة، كما قال عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. وغزة هي أصل هذه الكلمة التي فرعت في سماء الأمة بأسرها.
وبناءً على ذلك، فإنَّ تفكيك سايكس بيكو لسانياً هو الضمانة لبقاء الوعي حياً في الأجيال القادمة. إنَّ “اللغة المنهاجية” التي صاغتها دماء الشهداء هي العهد الجديد الذي يربط بين المسلم ومقدسه؛ فلا يستطيع إعلامٌ مأجور أو سياسةٌ منبطحة أن تغير تعريف “الخيانة” أو “البطولة” في عقل طفلٍ تربى على “بيانات الطوفان”. إنَّ لغة غزة هي “العروة الوثقى” التي جمعت شتات القلوب، وجعلت من الأمة “بنياناً مرصوصاً” في الكلمة والموقف، لتستمر مسيرة التحرير بلسانٍ عربيٍ مبين، وقلبٍ مؤمنٍ يقين، تصديقاً لقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾.
4. “التمرد الشعبي على الجغرافيا”: الهجرات الروحية والمادية نحو الثغر
لقد نجح إرث “سايكس بيكو” لعقودٍ في تحويل الحدود من مجرد “خطوط إدارية” إلى “أسوار نفسية” مُقدسة، صُورت للشعوب على أنها حدود الوجود والعدم. إلا أنَّ “منهاج غزة” أطلق شرارة “التمرد الشعبي على الجغرافيا”؛ فلم يعد المواطن في المغرب أو الأردن أو مصر يرى في تلك الأسلاك الشائكة حمايةً له، بل صار يراها “عوائق مؤقتة” تحول بينه وبين واجبه الوجودي في الرباط. إنَّ ما شهدناه من زحفٍ روحي، ومحاولات نفير مادي، واحتشاد الملايين على “نقاط التماس” الرمزية، هو إعلانٌ رسمي بسقوط “شرعية الحدود” في الوجدان الشعبي. لقد أصبحت الحدود في نظر الأمة “جدران سجن” يُراد هدمها، لا “حدود وطن” يُراد حمايتها، استجابةً لنداء الفطرة والوحي: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
إنَّ فقه “التمرد الجغرافي” يكشف عن ظاهرة “الهجرة الروحية نحو الثغر”؛ حيث أصبح الفرد يعيش بجسده في مدن المغرب أو المشرق، بينما تسكن روحه في خنادق غزة. هذا “الاغتراب عن القطرية” هو قمة الوعي بالمنهاج؛ إذ لم تعد الأرض هي التي تُحدد الهوية، بل “القضية” هي التي تُحدد الانتماء. لقد تحولت الحدود في العقل الجمعي من “مقدسات وطنية” إلى “تركات استعمارية” تخدم أمن الكيان الصهيوني وحده. هذا التمرد تجلى في شعارات الشعوب التي هتفت: “يا غزة لبينا النداء”، وهو هتافٌ يكسر “الجغرافيا السياسية” ليقيم مكانها “الجغرافيا الإيمانية” التي لا تعترف إلا بـ “دار الإسلام” الكبرى، محققاً قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
إنَّ هذا التمرد الشعبي يفرض معادلةً جديدة على الأنظمة والقوى الدولية؛ فالأمة التي لم تعد تؤمن بالحدود هي أمةٌ “غير قابلة للاحتواء”. لقد سقطت هيبة “جدار سايكس بيكو” يوم أن آمن الطفل في أقصى المغرب أنَّ تحرير الأقصى يبدأ بخطوةٍ نحو الشرق. إنَّ “الهجرات الروحية” هي التمهيد الضروري لـ “الزحف المادي الكبير”؛ فعندما تسقط الحدود في القلوب، يصبح سقوطها على الأرض مسألة وقتٍ وسياق. إنَّ غزة قد حولت “الثغر” من مكانٍ معزول إلى “مركز جذبٍ كوني”، تتقزم أمامه كل العواصم والحدود المصطنعة. هذا التوجه الشعبي هو القوة الكامنة التي سترسم “خارطة ما بعد الطوفان”؛ خارطةٌ لا مكان فيها للأسلاك الشائكة التي تفرق بين المرء وأخيه.
وبناءً على ذلك، فإنَّ التمرد على الجغرافيا هو ذروة “الانعتاق من التبعية”. إنَّ الشعوب التي أدركت أنَّ حدودها هي “حدود كرامتها” لن تقبل بالبقاء داخل “الزنازين القطرية” إلى الأبد. إنَّ “منهاج غزة” يعلمنا أنَّ الحقوق لا تُنال بالوقوف خلف الحدود، بل بـ “اقتحام العقبة”. إنَّ لحظة التئام الشمل قد اقتربت في الوجدان قبل الميدان، وما هذه الهبات الشعبية إلا “تمارين يقين” ليومٍ تلتقي فيه الجموع عند أبواب القدس، مهللةً ومكبرة، لا تسأل عن تأشيرة دخول سوى “شهادة أن لا إله إلا الله”.
4- ما بعد سايكس بيكو: إرهاصات “الولايات الإسلامية المتحدة”
إنَّ المتأمل في مآلات “طوفان الأقصى” يدرك أنَّ الأمة لم تعد تقبل بالعودة إلى “مربع القطرية” الذي ساد قبل السابع من أكتوبر؛ فقد وُلد من رحم المعركة تصورٌ جديد لـ “كيانٍ سيادي جامع”، يمكن وصفه بـ “الولايات الإسلامية المتحدة”. هذا الكيان ليس استنساخاً لنماذج غربية، بل هو تجسيدٌ لمنطق “تكامل الوظائف”؛ حيث لا تلغي الوحدةُ الخصوصيات، بل تصهرها في بوتقة “المنهاج”. في هذا المنظور، يصبح المغرب العربي هو (قاعدة الإمداد والعمق الإستراتيجي)، والمشرق هو (ساحة الاشتباك ومركز القيادة)، وتتحول ممرات الأمة ومضايقها إلى (شرايين سيادية مشتركة). إنَّ هذا المشروع ليس حلماً شاعرياً، بل هو “ضرورة وجودية” تفرضها تحديات البقاء.
إنَّ في رؤية “ما بعد سايكس بيكو” يقتضي التحول نحو “السيادة التشاركية”؛ فغزة قد علمتنا أنَّ القوة لا تُقاس بمساحة الأرض، بل بمدى “اتصال الثغور”. إنَّ إرهاصات هذا النظام الجديد تتبدى في “وحدة الساحات” الوجدانية والميدانية التي ظهرت إبان الطوفان، حيث سقطت “السيادة الوطنية” الزائفة أمام “السيادة الإسلامية” العليا. إنَّ التحرر من إرث التقسيم يعني بناء “مؤسسات عابرة للحدود” في الاقتصاد، والإعلام، والدفاع؛ مؤسسات لا تعترف بختم “سايكس بيكو”، بل تعترف بختم “المنهاج”. هذا التكامل هو الذي سيجعل من الأمة “قطباً كونياً” يملك وزنه الإستراتيجي بين الأمم، محققاً قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
إنَّ “الولايات الإسلامية المتحدة” تقوم على “وحدة الموقف والمنهاج” قبل وحدة العملة والحدود؛ فهي تبدأ بـ “سوقٍ مشتركة للوعي” تنتهي بـ “جيشٍ واحد للفتح”. لقد أثبت الطوفان أنَّ الجغرافيا التي مزقها المستعمر يمكن أن يوصلها “دم الشهيد” في لحظةٍ واحدة. إننا نستشرف زمناً تُدار فيه شؤون الأمة بمنطق “الخلافة الراشدة الثانية” التي تتسع للجميع، وتقيم العدل، وتحرس الثغور بقوة اليقين. إنَّ ما بعد سايكس بيكو هو عصر “الرجل المريض” (النظام الدولي القديم) وبزوغ “الأمة الشابة” التي استعادت روحها من خنادق غزة. إنَّ الجغرافيا القادمة هي جغرافيا “وعد الآخرة”، حيث تلتقي شعوب المغرب والمشرق في فضاءٍ سيادي واحد، لا يحده إلا “مرضاة الله” و”عزة الإسلام”.
وبناءً على ذلك، فإنَّ هذا المبحث يختم مسيرة البحث بالتأكيد على أنَّ “النصر قاب قوسين أو أدنى” لمن كفر بالحدود وآمن بالمنهاج. إنَّ غزة هي “النموذج المصغر” لتلك الولايات القادمة؛ فهي التي أدارت شؤونها تحت الحصار، وصنعت قوتها من العدم، وحافظت على تماسكها الروحي. إنَّ تعميم “تجربة غزة” على مستوى الأمة هو الطريق نحو “السيادة الكونية”. لقد سقط صنم سايكس بيكو في الوجدان، وما هي إلا “رجفةٌ واحدة” حتى يسقط عن الخارطة، لتشرق شمس الأمة من جديد على عالمٍ يحكمه العدل والتوحيد، تصديقاً لقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.