العشق لفلسطين (قصيدة)
العشق لفلسطين (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
العشق لفلسطين (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
” المعلّقة القدسيّة، عَقدٌ من حروفٍ مُزدانة، نُسجَت على منوالِ العشق لفلسطين، وجُعلت القدسُ فيها مهوى الأفئدة ومطلعَ القصيد، تَشهدُ بأن الأرضَ وسماءها يلتقيان في قدس الأقداس.”
هَل غادَرَ العُشّاقُ مِن مُتَرَدَّمِ * أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ*
دارٌ تَبدَّدَ حُسنُها فَتَكَسَّرَت * فيها المَلامِحُ بينَ دَمعٍ مُظلِمِ*
يا رَبَّةَ الخَدرِ العَفيفِ تَأمَّلي * قَلباً يَذوبُ عَلى جَمالِ مُبَسَّمِ*
ما زِلتُ أذكُرُ وَجهَكِ الوَضّاءَ في * لَيلِ الوِصالِ كَنَجمَةٍ في مُظلِمِ*
يا مَن نَثَرتِ العِطرَ في أنفاسِنا * حَتّى غَدَوتِ كَروحِ طِفلٍ مُترَفِ*
إنّي تَذَكَّرتُ الوِصالَ كَأنَّهُ * مَطَرٌ يُغَسِّلُ جَوفَ أرضٍ مُجدِبِ*
لَم يَترُكِ العُشّاقُ لي مِن قَبلِهِم * سِرّاً أُخَبِّرُ عَنهُ غَيرَ تَأَلُّمِ*
فَأقُولُ يا بَدرَ السَماءِ تَذَكَّري * قَلبَ الفَتى يَحيا بِقُربِ المُنجِمِ*
ما زِلتُ أركُضُ في الفَلاةِ مُفَكِّراً * مُتَسَلِّحاً بِالصَبرِ عَبرَ التَرحُّمِ*
حَتّى تَبيَّنَ أنّ صَبرِي مُرهَقٌ * وَالوَجهُ يَسقُطُ بَينَ دَمعٍ مُلهَمِ*
أَنا الفَتى لَو شَاءَ سَيفي أَشرَقَتْ * شَمسُ المَهابةِ في وُجوهِ الأَعدَمِ*
أَحمِي الحِمى وأذودُ عَن أَوطانِنا * وَأذودُ عن أرضِ الكِرامِ المُسلِمِ*
وَإِذا الرِماحُ تَكَسَّرَت في كَفّنا * قُمنا نُحَطِّمُها بِسَيفٍ مُعظَّمِ*
نَحيا كِراماً، لا نُذَلُّ، ونَنتَهي * مَوتى عِظاماً في طُهُورِ الدَّمْدَمِ*
وَإذا سَألتَ عَن الفُؤادِ تَجِدْهُ في * قُدسِ العُروبةِ نَابِضاً كالمُلهِمِ*
في غَزَّةٍ نَحيا كُماةً أَبطالَهُا * مَهما تَعاظَمَ بَطشُ جَيشٍ ظالِمِ*
أَرضُ الكَرامةِ فِلسطينُ التِي * عانَت، وَما خَضَعَت لِغَدرِ المُجرِمِ*
هِيَ مَعلقةُ الفُؤادِ وَدَمعَتي * وَبَذَلتُ في سُبُلِ الفِدا لم يُظلَمِ*
يا أُمَّتي لا تَجزَعي مِمّا جَرى * إِنَّ الفَتى يَحيا لِمَجدِ الأَعظَمِ*
نُبقي الوِصالَ بِرُمحِنا وَبِسَيفِنا * وَنَعودُ نَرفعُ رايَةً كَالعَلَمِ*
مَن يَركَبِ الخَيلَ العَتاقَ كَأَنَّهُ * بَرقٌ يُقَطِّعُ في الدُّجى وَيُحَطِّمِ*
يَلقَى العَدوَّ كَأنَّهُ في مَهبِها * صَخرٌ يُدَحرَجُ بَينَ نارٍ مُضرِمِ*
نَرمِي العِدا بِسُيوفِنا وَرِماحِنا * وَنَعودُ مِن بَحرِ الوَغى بِتَكَرُّمِ*
ما أَروَعَ الأَبطالَ تَحمِلُ دِرعَها * وَتَخُوضُ في سَيلِ الدِّماءِ المُلطَّمِ*
نَحيا كَمَن شَرِبَ الكَرامةَ كَأسَها * مَهما يَطولُ اللَّيلُ لا نَستَسلِمِ*
نَسقي الوَغى دَمعَ الصِّبا وَفُؤادَنا * فَالقَلبُ يَنبُضُ في رُجومِ التَقدُّمِ*
نَحنُ الَّذينَ إِذا نَزَلتَ بِنَجعِنا * جِئتَ العَظائمَ في وُجوهِ الأَنجُمِ*
نَغزو العِدا وَكَأَنَّ نارَ سُيوفِنا * وَميضُ صَاعِقَةٍ بِليلٍ مُظلِمِ*
نَحمِلُ الفَداءَ لِفِلسطينَ الَّتي * بَذَلَت شُهَداؤُها دِماءَ الأَكرَمِ*
يا قُدسُ يا أَرضَ النُّبُوَّةِ وَالهُدى * يا مَوطِنَ التَّقديسِ، يا مَجدَ الأُممِ*
مَن ذا يُساوِي أَرضَ غَزَّةَ في الوَغى؟ * أَبطالُها نارٌ وَحَجرٌ مُحكَمِ*
مِن صَخرِها تَنبُتُ المَقاوَمَةُ الَّتي * هَزَّت عُروشَ الظُّلمِ بَعدَ التَّحكُّمِ*
يا أُمَّتي قَد قُلتُها مُتَعاهِداً * لَن أَرضَخَ الغاصِبْ وَلَن أَتَهَدَّمِ*
هَذي فِلسطينُ الجَريحةُ بَينَنا * قَسَمٌ يُضِيءُ عُروقَنا في الدَّيمِ*
نُقسِمْ وَقَد سَجَدَت قُلوبُ عُشّاقِها * أَن لا نُفَرِّطَ في تُرابِ المُلهَمِ*
بَيتُ المَقَامِ وَقُبَّةُ الصَّخراءِ في * قَلبٍ يُحِبُّ اللهَ دَربَ التَّقدُّمِ*
أَرواحُنا في كُلِّ شَبرٍ شاهِدٌ * مَن ذا يُمَزِّقُها وَيَمحُو مَعلَمِي؟*
سَتَعودُ يا قُدسُ الجَميلَةُ شامِخاً * يَزهو بِها التَّاريخُ بَعدَ التَّألُّمِ*
وَيَقومُ جَيلٌ في الحُطامِ مُقاوِماً * يُحيي الكَرامَةَ في وُجوهِ الأَيتَمِ*
نُقسِمْ بِآياتِ الكِتابِ وَسُورِهِ * لَن نَرتَضي ذُلّاً وَعَيشَ الأَخزَمِ*
لا يَغُرَّنَّكَ الحَياةُ فَكُلُّها * دارُ الفَناءِ وَوَجهُها مُتَهَدِّمِ*
فَالمَجدُ يَبقى لِلكِرامِ وَإِن هَوى * صَرحُ الطُّغاةِ عَلى صُدورِ الأَظلَمِ*
إِنَّ الكَريمَ إِذا بَذَلْتَ دِماءَهُ * حَيِيَت مَعالِمُهُ بِوَجهٍ مُبتَسِمِ*
وَاللَّيلُ إِن طالَ السُّرَى لا بُدَّ أن * تَأتِي خُطاهُ بِفَجرِ يَومٍ مُنعِمِ*
إِنَّ الكِتابَ هُوَ الدَّليلُ لِمَن مَشى * في الدَّربِ يُضِيءُ القَلبَ بَعدَ التَّظَلُّمِ*
فَإِذا رَأَيتَ الظُّلمَ يَعلو حينَما * فَاذكُر أَنَّ اللهَ أَدرى وَأَحكَمِ*
قَد يَقتُلُ الأَعداءُ أَهلَ بِلادِنا * لَكِن تَبقى الرُّوحُ نَبعَ تَكَرُّمِ*
مَن عاشَ يَطلُبُ عِزَّةً وَكَرامَةً * نالَ السَّعادهَ بَعدَ كُلِّ تَحَطُّمِ*
يا قُدسُ يا أَرضَ المَلاحِمِ وَالهُدى * سَيبُورِقُ النَّصرُ الجَميلُ الأَقحَمِ*
وَتَعودُ أَطيارُ السَّلامِ تُغَنِّي في * صَحنِ المَساجِدِ وَالهَوى المُتَرسِّمِ*
هذا كَلامي في مُعَلَّقَةٍ سَرتْ * مِثلَ الرِّيَاحِ عَلى جَناحِ الأَنسَمِ*
قَد قُلتُها لِفِلسطينَ الغالِيَةِ * وَحَمَلتُها حُبّاً كَدَمعِ الأَكرَمِ*
هِيَ في دِمائي لا أُفَرِّطُ في دَمي * وَأَذودُ عَنها بالسُّيوفِ وَبِالقَلَمِ*
إِن كانَ عَنتَرُ في الزَّمانِ مُعَلَّقاً * فَاليَومَ أُكتِبُ مُعَلَّقَةَ المُلهِمِ*
أَحفادُنا يَقرَأْنَها فِي فَخرِهم * وَيُعيدُها التَّاريخُ بَعدَ تَعَظُّمِ*
قَد طالَ لَيلُ الظُّلمِ حَتّى ظَنَّهُ * قَومٌ يَطولُ وَليسَ يَأتي مَنهَمِ*
لَكِن شُروقُ الشَّمسِ أَقسَمَ أَنَّهُ * لابُدَّ يَظهَرُ بَعدَ كُلِّ تَحَطُّمِ*
يا أُمَّتي صَبرٌ جَميلٌ وَإِنَّهُ * لَفُؤادُكُم زادٌ وَنَبعُ تَكَرُّمِ*
وَإِذا رَأيتُم في الحَياةِ مَصاعِباً * فَاذكُروا فِلسطينَ العَظيمَةَ في الدَّمِ*
وَاذكُروا شُهداءَها الأَبطالَ إِذ * بَذَلوا الحَياةَ لِرَوحِ أَرضٍ مُلهَمِ*
مَن عاشَ دونَ كَرامَةٍ ما قَد عَشَ * وَمَن ارتَضى ذُلّاً فَذاكَ الأَظلَمِ*
وَالمَوتُ في سَاحاتِ نَصرٍ أَشرَفٌ * مِن أَن تَحِيا عَيشَ ذُلٍّ مُظلِمِ*
يا نَفسُ لا تَجزَعي فَإِنَّ مَصيرَنا * لِلقُدسِ يَحيا في دِماءِ الأَكرَمِ*
وَالأَرضُ إِن طالَت مَصائِبُها فَإِن * اللهَ أَدرى بِالحُقوقِ وَأَعلَمِ*
نُقسِمْ بِأَنَّ دِماءَنا أَنهارُها * وَالعَزمُ نارُ الفَتحِ بَعدَ التَّقَدُّمِ*
وَالعَهدُ باقٍ في الصُّدورِ كَأَنَّهُ * قَسَمُ النُّبُوَّةِ في القُلوبِ المُلهَمِ*
يا قُدسُ يا أَرضَ الشَّهيدِ وَأَهلِهِ * سَيعودُ نَصرُكِ شامِخاً لِلعالَمِ*
وَيَعودُ أَذانُ الفَجرِ يَرتَفِعُ الهَوى * فَوقَ القِبابِ كَجَرسِ نَصرٍ مُعلَنِ*
هَذي مُعَلَّقَتي وَعَهدِي أَنَّني * لَن أَستَكينَ لِباطِلٍ مُتَحَكِّمِ*
بَل سَوفَ أَكتُبُ في الكُتُبْ مُخَلَّداً * عَشقَ الفِدا وَمَلاحِمَ المُتَقَدِّمِ*
—