نظرات في العالم الحقيقي الافتراضي
بقلم: لخضر حمادي
قرأت أمس تدوينة لصديق عن العالم الافتراضي والواقع، علق عليها أحدهم بقوله، لقد أصبحنا افتراضيين ويجب أن ننزل للعالم الحقيقي.. وقال آخر، العاجز عن التواصل في العالم الحقيقي أعجز عن التواصل في العالم الافتراضي..
يتأسس هذا النقاش على مسلمة وجود هذين العالمين، وتباينهما، وأولوية أحدهما على الآخر..
لكن دعونا نتساءل. هل فعلا يوجد عالمان، حقيقي وافتراضي؟ ما هي الحدود بين هذين العالمين؟ وإن وجدت فعلا حدود، هل يمكن الاستغناء عن أحدهما لصالح الآخر؟
قد يبدو السؤال غريبا.. لكن هناك مبررات لطرحه وفيما يلي نظرات تحوم حول الموضوع:
1- إذا كان المقصود بالافتراضي، هو العالم غير المحسوس، حيث لا يتعامل البشر مع بعضهم جسدا لجسد، فإنه بهذا الوصف لا ينفك عن طبيعة الإنسان بأي حال من الأحوال، فالإنسان في نفسه وأصل تكوينه أولا “افتراضي” يسافر “نفسيا” في عوالم الفكر والخواطر ويصول ويجول بسرعة لا قياس لها عبر الخيال، سرعة ما يزال عالم التكنولوجيا ولا حتى سينما الخيال لم يدركا منها سوى النزر اليسير.. وإن اكتساب مهارة “التخيل” و”ابدأ والنهاية في عقلك” من شأنه أن يرفع الكفاءة ويطور حياة الإنسان بشكل كبير جدا.
2- إذا كان المقصود بالعالم الحقيقي، الوجود المادي للبشر والأشياء، فإن الدعوة لأن “ننزل إلى العالم الحقيقي” هي اختزال كبير للإنسان وقدراته ومجالاته، وإخلال فظيع برسالته وتغييب لما حباه الله به، وهي لوثة يوشك أن تأتي على الغيب بالتكذيب، وعلى ما وراء المادة وخارج سلطة العقلانية بالتغييب…
3- إن العالم واحد لا يتجزأ، ما دام الإنسان كلا لا يتجزأ، والعالم “الحقيقي”، الذي ينبغي أن ننزل إلى ساحته تنظيما وتطويرا وتطهيرا.. هو الإنسان. جوهره القلب ومظهره الأخلاق.
ثم حيث كنت، كن بصدقك ومحبتك الغير وفعاليتك ورحمتك القلبية وحكمتك العقلية.. في الشارع والمدرسة، في الفيسبوك وتويتر وما يفتح الله من عالم الميتافرس الذي يعد بتلاشي الحدود والجدران. هذا وإلا النفاق والازدواجية أو الانحصار والانزواء..
4- أستحضر اللحظة، قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يحدثه عن منازل الموت ومحطاته وصولا إلى زيارة الملكين وسؤالهما، قال: أويكون معي مثل عقلي الآن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال: إذن أكفيكهما.
5- هذا العقل عن الله، تربية وأخلاقا، لا تحده برازخ ولا تخصم منه أحداث، ولا يتلون أو يتبدل، هو نفسه في جميع العوالم. وأما العقل المنطمس والعياذ بالله، فيتبدل ويتلون بحسب رقابة الناس وسلطة المجتمع.. حتى إذا كانت الصاخة لم يستصحب من دنياه حتى لغوها، يسأل فيجيب: هاه هاه…