منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قِفا نسألِ الأطلال (قصيدة)

قِفا نسألِ الأطلال (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

قِفا نسألِ الأطلال (قصيدة)

بقلم: أبو علي الصُّبَيْح

قِفا نسألِ الأطلالَ أينَ أحبّتي
وهل يرجعُ المشتاقُ بعدَ ترحُّلِ

وقِفا على رسمِ الديارِ فإنّني
رأيتُ بها عهدي وأوّلَ منزلي

أُسائلُ ريحَ البيدِ عنهم كلّما
سرَتْ بينَ رملٍ في الفلاةِ وجندلِ

فما جاوبتني غيرَ أنَّ هبوبَها
يُهيّجُ في صدري حنينَ الأوائلِ

وقفتُ ودمعُ العينِ يخضلُّ صامتًا
كغيثٍ جرى فوقَ الرياضِ الذوابلِ

أُقلّبُ طرفي في الديارِ كأنّني
أُفتّشُ بينَ الرملِ عن عمرٍ زائلِ

هنا كانتِ النيرانُ تُوقدُ للقرى
وهنا كان صوتُ الحيِّ ملءَ المنازلِ

وهذي بقايا موقدٍ فوقَ رملةٍ
تُحدّثُ عن ضيفٍ كريمِ الشمائلِ

وهذي خُطى خيلٍ تقادمَ عهدُها
ولكنّها باقيةٌ في المخايلِ

أيا دارُ هل مرّتْ عليكِ ركابُهم
وهل خبّروكِ عن فؤادٍ مُقاتلِ

رحلتم فصارَ الليلُ أطولَ ليلةٍ
وصارت نجومُ البيدِ مثلَ السلاسلِ

وأصبحَ قلبي كلّما هبَّ صَباكمُ
يُنازعني شوقًا كبحرٍ متلاطمِ

ذكرتُ ليالي الحيِّ والخيلُ حولنا
وأصواتُ فرسانٍ وصهلُ الأصائلِ

ولي فرسٌ أدهمُ اللونِ سابقٌ
إذا صاحَ داعي الحربِ هزَّ القبائلِ

إذا ما جرى فوقَ الحصى خلتَ وقعَهُ
رعودًا تدكُّ الصخرَ بينَ الجنادلِ

يكرُّ إذا ما الخيلُ ولّتْ كأنّهُ
عقابٌ هوى من شاهقاتِ المعاقلِ

ويفرُّ لكرٍّ لا فرارَ مذلّةٍ
فذاك فرارُ الليثِ قبلَ التقاتلِ

إذا الريحُ جارتْ في السباقِ تجاوزتْ
حوافرُهُ ريحَ الصبا في المراحلِ

أشدُّ عليه والسنانُ أمامَنا
ولا أرتضي ظهرًا سوى ظهرِ صاهلِ

فإنّي ابنُ قومٍ لا يُطأطئُ رأسَهم
وعيدُ عدوٍّ أو كلامُ الأراذلِ

إذا نزلَ الضيفُ الغريبُ بخيمتي
ذبحتُ له من خيرِ سُمرِ الجحافلِ

وأوقدتُ نارَ الحيِّ حتى يراها
غريبٌ أضاعَ الدربَ بينَ المناهلِ

وصببتُ قهوتَنا وهيلُ عبيرِها
يُحيّي رفاقَ الليلِ عندَ المنازلِ

فإنّ الكريمَ الحرَّ يُعرفُ بيتُهُ
بنارٍ تُرى ليلًا وبابٍ لسائلِ

ولا أسألُ الضيفَ الغريبَ قبيلةً
فخبزُ الكريمِ الحقُّ حقُّ النازلِ

وأحمي جواري إنْ ألمَّتْ ملمةٌ
وأحملُ عن جاري ثقالَ النوازلِ

إذا صاحَ مظلومٌ أجبتُ نداءَهُ
ولو كان دربي بينَ ألفِ مقاتلِ

وما كنتُ ممّن يستكينُ لضربةٍ
ولا ممّن استرضى حياةَ الذلائلِ

أعيشُ عزيزًا أو أموتُ مكرّمًا
فلا خيرَ في عيشِ الرجالِ الأذائلِ

وإنّي إذا ما الحربُ كشّرتِ النابَها
لبستُ لها صبري ودرعَ البواسلِ

أشقُّ غبارَ الخيلِ والسيفُ في يدي
وأمضي ولا أُصغي لصوتِ العواذلِ

فكم فارسٍ لاقيتُهُ عندَ حملةٍ
فظنَّ المنايا دونَ حدِّ المناصلِ

وكم ليلةٍ بتنا على الرملِ والظما
ونجمُ السما يرعى خُطا كلِّ راحلِ

وسرنا ووجهُ البدرِ يهدي ركابَنا
إلى حيثُ لا يُهدى سوى بالدلائلِ

وأدركنا صبحَ البيدِ والشمسُ أشرقتْ
على خيلِنا مثلَ الذهبِ السائلِ

فيا خيلُ هُبّي إنَّ يومَكِ حاضرٌ
ودُكّي بوقعِ الحافرِ المتخاذلِ

ويا سيفُ لا تنمْ بغمْدِكَ ساعةً
إذا استنجدَ المظلومُ وسطَ القبائلِ

فإنَّ سيوفَ الحرِّ ليستْ زينةً
ولكنّها عهدٌ لنصرِ الفضائلِ

وما المجدُ ثوبًا يُشترى من أسواقِهم
ولا المجدُ إرثًا من كلامِ الأوائلِ

ولكنّهُ صبرٌ وعزمٌ وموقفٌ
إذا اختلطتْ عندَ الشدائدِ سُبُلِي

وما الرجلُ من قال الرجالُ ابنُ سيّدٍ
ولكنْ فتىً تُثني عليهِ الفعائلِ

فكم من عظيمِ الجدِّ عاشَ مذلّلًا
وكم رفعَتْ أفعالُهُ ابنَ الأراملِ

إذا لم يكنْ للمرءِ فعلٌ يزينُهُ
فلا فخرَ في الأنسابِ بينَ المحافلِ

لساني إذا نادى المكارمَ صادقٌ
وسيفي إذا نادى الوغى غيرُ خاذلِ

وصدري لأسرارِ الصديقِ مقابرٌ
وكفّي لأهلِ الجودِ بحرُ النوافلِ

ولا أشتري ودَّ الرجالِ بفضّةٍ
ولا أبتغي مجدًا بمدحِ المجاملِ

صديقي لهُ نصفُ الرغيفِ إذا جعتُ
ولهُ ظلُّ بيتي في الهجيرِ القاتلِ

وإن خانني يومًا تركتُ طريقَهُ
فلا خيرَ في ودٍّ كثيرِ المداخلِ

وأصفحُ عن زلّاتِ حرٍّ أحبّهُ
ولكنّني لا أنحني للمخاتلِ

وأعرفُ وجوهَ القومِ ساعةَ شدةٍ
ففي الضيقِ تبدو معادنُ الأصائلِ

إذا أقبلتْ دنياكَ كثرَ رفاقُها
وإن أدبرتْ بانَ الصديقُ من الخاذلِ

فلا تغتررْ بالمالِ فالمالُ عابرٌ
وكم هدمَ الأيامُ صرحَ القياصلِ

ولا تغتررْ بالدهرِ إنَّ صروفَهُ
تُديرُ رحاها بينَ عالٍ وسافلِ

رأيتُ الليالي تأكلُ العمرَ خلسةً
وتطوي شبابَ المرءِ طيَّ المراحلِ

وكم ضاحكٍ عندَ المساءِ رأيتُهُ
توسّدَ قبلَ الصبحِ صمتَ الجنادلِ

وكم صاحبِ مالٍ بنى ثمَّ خلّفَتْ
يداهُ الذي قد شيّدَتهُ للأراملِ

فخذْ من زمانِكَ ما يصونُ كرامةً
ودعْ عنكَ دربَ الطامعينَ الجواهلِ

وكنْ كالجبلْ إنْ هبَّ ريحٌ بوجهِهِ
يزيدُ ثباتًا في هبوبِ الزلازلِ

وكنْ كالسحابِ الحرِّ يُمطرُ خيرَهُ
ولا يسألُ الظمآنَ اسمَ القبائلِ

وكنْ كالليوثِ الصيدِ إنْ جدَّ حادثٌ
ولا تكُ مثلَ المستكينِ المماطلِ

فإنَّ الفتى يبقى بطيبِ فعالِهِ
وإن غيّبتْهُ في الترابِ الجنادلِ

وما ماتَ من أبقى المكارمَ بعدَهُ
حديثًا تسيرُ بهِ ركابُ القوافلِ

سيذكرُنا التاريخُ إنْ صدقَتْ لنا
مواقفُنا يومَ اشتدادِ الزلازلِ

ويذكرُ أنَّا ما بعنا كرامةً
ولا صافحتْ أيمانُنا كفَّ باطلِ

وأنّا حملنا الجوعَ دونَ مذلّةٍ
وصنّا جباهَ الحرِّ عن كلِّ سائلِ

وأنّا إذا نادى الوفاءُ تقدّمَتْ
خيولُ الوفا من بينِ كلِّ القبائلِ

فيا دارُ إنْ عادَ الأحبّةُ مرّةً
فقولي لهم: ما خانَ عهدَ الأوائلِ

وقولي: فتى الصحراءِ ما زالَ واقفًا
على العهدِ رغمَ الحادثاتِ الهواطلِ

يُعدُّ نجومَ الليلِ شوقًا إليهمُ
ويحرسُ ذكراهم بعينٍ وابلِ

ويُسرجُ عندَ الفجرِ أدهمَ خيلِهِ
ويمضي إلى العليا بعزمِ الأصائلِ

فإنْ عادَ يومُ الحربِ كنتُ أمامَها
وإنْ جاءَ يومُ السلمِ كنتُ المسالمِ

وإنْ جاءني ضيفٌ فتلكَ موائدِي
وإنْ صاحَ مظلومٌ فأوّلُ واصلِ

سأبقى كما كانتْ رجالُ قبيلتي
عزيزًا، كريمًا، شامخًا في المحافلِ

فلا تسألوا عنّي الديارَ فإنّني
تركتُ جوابي في صهيلِ الأصائلِ

أنا ابنُ الفلاةِ وخيمةُ المجدِ موطني
وفي راحتي عهدُ الرجالِ الأوائلِ

إذا متُّ فليشهدْ ترابُ مواطئي
بأنّي مضيتُ العمرَ غيرَ مبدّلِ

وأنّي حفظتُ الودَّ والعهدَ والقرى
وصنتُ وجوهَ القومِ عن كلِّ باطلِ

وآخرُ عهدي أنَّ مجدَ قبيلتي
سيبقى وإن غابتْ وجوهُ المقاتلِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.