(7) اليهود والروح الصهيونية | طباع اليهود ومخاطر التطبيع
الدكتور عبد الحليم أيت أمجوض
(7) اليهود والروح الصهيونية | طباع اليهود ومخاطر التطبيع
الدكتور عبد الحليم أيت أمجوض
(2)صفات اليهود وطباعهم العنصرية | طباع اليهود ومخاطر التطبيع
(3) اليهود وعقيدة الصراع | طباع اليهود ومخاطر التطبيع
(4) عقائد اليهود تجاه العهود والمواثيق | طباع اليهود ومخاطر التطبيع
لقد كان تفاعل النخبة اليهودية في أوروبا مع فلسفة أوروبا ومذاهبها السياسية يجر طائفة منهم إلى الدعوة للاندماج في أوروبا، مع المحافظة على هوية ثقافية متميزة متطهرة من الأساطير والخرافات. وطائفة أخرى كانت تدعو إلى إقامة وطن قومي لليهود، ليتحرر اليهود من الاضطهاد الذي يلاقونه من جراء العداء العالمي للسامية، حتى انتصرت الصهيونية[1] السياسية على يد هرتزل[2] وغيره، فتقمصت المبدأ الاستعماري الذي ساد أوروبا طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين[3].
هذا، ويرجع تاريخ ظهور الصهيونية السياسية اليهودية كأداة إيديولوجية لكسب التأييد الدولي من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين إلى سنة 1896م، حين نشر هرتزل كتابه “الدولة اليهودية”، وقويت الصهيونية السياسية عندما وافق المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقده هرتزل عام 1897م على برنامج بازل الذي كان يدعو إلى إقامة وطن قومي آمن ومعترف به قانونيا لليهود في فلسطين[4].
وموازاة مع النشاط السياسي للحركة الصهيونية كان لليهود شأن كبير في ميدان المال والسياسة، بحيث أصبحوا من علية القوم يخاطبون الحكومات خطاب الأكفاء في المساومة على مصائر الشعوب الملونة، ومنها العرب، وقد طلب هرتزل من الوزير البريطاني الأول بقعة في الممتلكات الإنجليزية، وبهذه الصفة قدمت لليهود أرض فلسطين، فهاجر الصهاينة المقتنعون بالفكرة إلى فلسطين زمان الانتداب الإنجليزي، واستوطنوا الأرض تحت حماية القوات الإنجليزية، مستفيدين في ذلك من دعم المال اليهودي العالمي، وفي الخفاء كانت التنظيمات العسكرية الإرهابية العامل الحاسم في قلع العرب وإنشاء الدولة، وطرد الفلسطينيين إلى المنفى مشردين في الأرض[5].
ولقد كانت الصهيونية في البداية حركة مثالية أسطورية تتغذى بالمخزون التلمودي المشترك بين يهود الشتات الموزعين في الأرض، وكان الحنين إلى أرض فلسطين وإلى المجد الضائع هو العلاقة العاطفية الوحيدة التي تؤلف بين الطوائف اليهودية المنبتة في الآفاق، وكانت الشعائر والطقوس والعصبية العرقية جامعا ومدرسة لإحياء الشعور بالانتماء[6].
إلا أنه، ومع مرور الزمن، ونظرا لاستماتة الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم المحتلة، أصبحت العودة إلى “أرض الميعاد” تشكل كابوسا لأصحاب الأموال والنفوذ خارج أرض فلسطين، بل لغيرهم، فابتكر الصهاينة مصطلحات خاصة بهجرة اليهود إلى فلسطين أضحت هي الأخرى تحمل أعباء إيديولوجية، وعلى نحو أكثر حدة، فهم يطلقون على الهجرة إلى أرض فلسطين كلمة “عالياه”، وهي كلمة عبرية مشتقة من فعل “يعلو”، وهي تعني الصعود إلى السماء، والصعود لقراءة التوراة في المعبد أثناء الصلاة، وقد كانت للعالياه أغراض عديدة ولها إيحاءات عاطفية ودينية، فكانت مثلا تتم بغرض الشفاء من الأمراض وللتخلص من الفقر، كما كان الكهول يهاجرون لاعتقادهم أن الدفن في أرض الميعاد يجلب ثوابا كبيرا، وقد استخدمت الحركة الصهيونية هذا المصطلح الديني وجردته من بعده الإيماني المجازي وأطلقته على حركة الهجرة الصهيونية من شرق أوروبا إلى فلسطين في العصر الحديث، وفي هذا تعمية إيديولوجية، فالعالياه مصطلح ديني يصف أفعالا فردية وأوامر يفترض فيها أنها ربانية ذات قداسة معينة من وجهة نظر من يقوم بها، ولا يمكن إطلاقه على ظاهرة اقتصادية اجتماعية سياسية يتبناها فريق من الصهاينة لا يؤمن معظمهم بالعقيدة اليهودية[7].
حاولت الصهيونية أن تعبر عن الشعور المكبوت بالانتماء والصمود التاريخي والحنين الدائم إلى العودة لـ”أرض الميعاد”، كما حاولت إحداث نقلة نوعية من ذهنية اليهودي الخامل في بلاد الشتات أو الدياسبورا، كما يسمونها، المتجمع حول الأحبار وأسفارهم، الحالم بنزول “الماشيح”، كما يقول العبرانيون، إلى الأرض ليخلص “شعب الله المختار”؛ نقلة من تلك الذهنية إلى ذهنية اليهودي الفاعل المتحرك المنظم، فالصهيونية، إذن، تشخيص عملي لفكرة العودة وإحياء القومية اليهودية التي كانت تدور لآلاف السنين في أذهان يائسة حاقدة محتقرة للعالم محقورة[8].
وبالرغم من سعي الحركة الصهيونية إلى توليد انطباع بأن اليهود في حالة شوق دائم وولع أزلي للعودة إلى صهيون الحبيبة، فإن إحصاءات الهجرة تؤكد غير ذلك: إذ لا يتجاوز عدد اليهود الذين استوطنوا في فلسطين في الفترة بين عامي 1882م و1932م، 174 ألفا؛ 30 ألفا منهم استوطنوا في فلسطين لأسباب دينية قبل بداية الاستيطان الصهيوني، وهذا يعني أنه خلال 50 سنة كان يهاجر إلى فلسطين 2500 يهودي كل عام من مجموع يهود العالم الذي بلغ آنذاك 16 مليونا، وفي الفترة ما بين 1882م و1914م غادر روسية أربعة ملايين يهودي لم يتوجه منهم إلا 90 ألفا إلى فلسطين، فأين هذا الشوق الأزلي الدائم للعودة لأرض الميعاد؟[9].
والنمط نفسه يستمر بعد إعلان الدولة، فالهجرة لم تتم إلا في القليل النادر لأسباب إيديولوجية، فيهود البلاد العربية لم يهاجروا حبا في صهيون، وإنما بحثا عن حراك اجتماعي، كما أن الأثرياء وذوي الخبرات الخاصة هاجروا إلى أوروبا، كما هاجر كل يهود الجزائر إلى فرنسا لأنهم كانوا يحملون الجنسية الفرنسية، ومما يزيد من توهية ادعاءات الصهيونية بشوق يهود العالم إلى الهجرة والاستيطان في أرض الميعاد، ما تتحدث عنه اليوم وسائل الإعلام الصهيونية والغربية من تفاقم الهجرة العكسية من الكيان الصهيوني، وهو ما حلا للبعض تسميته بـالهروب من هذا الكيان، فقد نشرت جريدة هآرتس مقالا طويلا، بتاريخ 24 غشت 2001م، بعنوان: “طريق الهروب”؛ ترسم فيه صورة تفصيلية للمناخ العام الجديد في المستوطن الصهيوني الذي أصبحت فيه ظاهرة النزوح مقبولة اجتماعيا، ففي استطلاع للرأي أبدت أقلية فقط من الإسرائيليين لا تتجاوز 37 في المئة موقفا سلبيا تجاه الإسرائيليين النازحين، بينما أبدى 63 في المئة موقفا إيجابيا[10].
وتأسيسا على هذا الاستعراض للجذور التاريخية للصهيونية وعلاقتها باليهودية، وبالرغم من العلاقة البنيوية بينهما، فإن الاهتمام الصهيوني ليس منبعه الاهتمام بالدين أو بالقيم الأخلاقية التي يجسدها هذا الدين، بقدر ما هو اهتمام بمدى تعبير اليهودية عن الذات القومية الوهمية التي تبغي الانبعاث في أرض الميعاد، مع ما يحكم هذا الاحتلال من نزعة عدوانية استيطانية ضد الشعب الفلسطيني، ولا يخفى التأثير الكبير لاحتلال اليهود لأرض فلسطين في احتدام الصراع بين العرب عموما والكيان الصهيوني المحتل، وخلق أجواء الاحتقان والتوتر وتنامي العداء بين أتباع الديانات بالمنطقة[11].
أخلص إلى القول بأن المشروع الصهيوني قام أساسا على التوسع وعلى لغة الدم، وعلى استخدام العنف والإبادة، لأن الأمر لن يستتب لهم ما لم يفعلوا ذلك، وإن المتتبع لتاريخ الاغتصاب الصهيوني لفلسطين وللأراضي العربية الأخرى يلاحظ هذا المنهج العدواني الذي لا يرعى حرمة ولا عهدا، ولا يوقر بشرا ولا حجرا، ولا يترك للسلام والحوار أية سانحة[12].
وتكشف الوثائق التاريخية بهذا الصدد أن إعلان دولة الكيان الصهيوني في سنة 1948م صاحبته أعمال تطهير عرقي فظيعة، بما فيها من أحكام إعدام ومذابح واغتصابات وحشية[13]؛ فهل يدرك المطبعون مع أي نوع من البشر يطبعون؟؟؟ ألا فليسقط التطبيع قبل فوات الأوان …
((يُتبع في المقال (8) بعنوان: ” التطبيع وبعض أهدافه عند اليهود”))
رابط المقال السابق: https://www.islamanar.com/essay-about-the-jews-4/
[1] – الصهيونية [Zionism]: حركة يهودية قومية هدفها إقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة، كموطن للشعب اليهودي، وقد عقد أول مؤتمر صهيوني في بازل [Basel] سنة 1897م، بمبادرة من تيودور هرتزل، وغدت المنظمة الصهيونية العالمية في 1897م المظلة التي تستعملها الحركة، ومع تأسيس دولة إسرائيل في 1948م حققت الصهيونية هدفها السياسي الرئيس، ومنذ ذلك الحين ركزت جهودها على تقديم المساعدة المالية لإسرائيل، ودعم المهاجرين اليهود إلى هناك من كل أنحاء العالم، وتعليم يهود الشتات.
– انظر: الدكتور سهيل زكار، المعجم الموسوعي للديانات والعقائد والمذاهب والفرق والطوائف والنحل في العالم، ج:2، ص:552-553.
[2] – هو أبو الصهيونية السياسية الذي جمع المجموعات المختلفة للصهيونية، التي كانت تعترف بحق اليهود في إقامة وطن خاص بهم.
– انظر: سهيل زكار، المعجم الموسوعي للديانات والعقائد والمذاهب والفرق والطوائف والنحل في العالم، ج:2، ص:552-553.
[3] – رشاد عبد الله الشامي، القوى الدينية في إسرائيل، سلسلة عالم المعرفة، العدد:186، يونيو 1994م، ص:7.
[4] – ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية؛ جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، ص:8.
[5] – إسماعيل أحمد ياغي، الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، ص:249.
[6] – محمد الفاضل بن علي اللافى، تأصيل الحوار الديني، ص:76.
[7] – عبد الوهاب المسيري، الصهيونية وخيوط العنكبوت، ص:53.
[8] – عبد السلام ياسين، سنة الله، ص:104-105.
[9] – عبد الوهاب المسيري، الصهيونية وخيوط العنكبوت، ص:54.
[10] – عبد الوهاب المسيري، الصهيونية وخيوط العنكبوت، ص:60.
[11] – محمد الفاضل بن علي اللافى، تأصيل الحوار الديني، ص:81.
[12] – أسعد السحمراني، البيان في مقارنة الأديان، ص:54.
[13] – جون جي ميرشايمر وستيفن والت، اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ص:45.