منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهجرة الشرعية وغير الشرعية 

الهجرة الشرعية وغير الشرعية /أشرف شعبان أبو أحمد

0

الهجرة الشرعية وغير الشرعية

بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

من اليسير جدا ملاحظة هجرة المخلوقات ذاتية الحركة، كهجرة بعض الأسماك بحرا، وهجرة بعض الطيور جوا، وهجرة بعض الحيوانات غير الأليفة برا، وبإمعان النظر يمكن ملاحظة أيضا هجرة المخلوقات التي تصنف بعديمة الحركة، مثل انتقال أو هجرة النباتات من منطقة لأخرى مستعينة بالرياح والأنهار، ومعلوم أن بعض الكواكب والنجوم تنتقل أو تهاجر بانتظام من مدار إلى آخر، بل إن بعض النظريات تفترض أن المجموعة الشمسية، وربما الكون كله، في حركة أو هجرة من موضع ولادته “موطنه الأصلي” نحو منتهى “مهجر” تتباين الأقوال في تحديده، مما يؤكد أن الهجرة سنة أو ظاهرة كونية وليست بشرية فقط. والهجرة البشرية ظاهرة قديمة، ولعلها لازمت الوجود البشري منذ بداياته الأولى، حيث تم تهجير أبوي البشرية، من موطنهما الأصلي في الجنة، إلى مهجرهما في هذه الأرض، وستتواصل هذه الظاهرة طالما تواصل الوجود البشري، وربما لن تنتهي حتى يهاجر البشر عائدين من هذا المهجر الأرضي إلى موطن أبويهم الأصلي.

وقصص الأنبياء التي تواترت إلينا تنبئنا عن هجرة بعضهم، فقد هاجر أبونا إبراهيم الخليل من أرض وادي الرافدين، المفعمة بالحياة والزاخرة بالخيرات، إلى أرض الجزيرة العربية، وبالذات إلى واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وكذلك هجرة نبي الله موسى إلى أرض مدين، وتزوج هناك من إحدى بنات نبي الله شعيب، ومن ثم عودته إلى بلده الأصلي مصر، وفي بداية الرسالة الإسلامية هاجر المسلمون إلى الحبشة كما هاجروا إلى المدينة المنورة، وعبر التاريخ البشري مثلت الهجرة البشرية أحد أهم العوامل التي شكلت وما زالت تشكل وتعيد تشكيل الوجود البشري، ولولاها لظل الوجود البشري في هذه البسيطة محصورا في هذه القارة التي يقال إنها مهد البشرية وموطنها الأصلي. ويقصد بالهجرة انتقال الأفراد من منطقة ما إلى منطقة أخرى، سواء كان ذلك داخل حدود الدولة، وهو ما يطلق عليه بالهجرة الداخلية، أو خارج حدود الدولة وهو ما يطلق عليه بالهجرة الخارجية. وقد تكون الهجرة فردية أو جماعية، وقد تكون دائمة، حيث يستقر الفرد في بلد آخر ويقيم فيه إقامة دائمة، أو موقوتة حيث يقيم إقامة مؤقتة يعود بعدها إلى موطنه الأصلي.

والهجرة إما أن تكون هجرة حسية أو مكانية من موقع جغرافي إلى آخر، أو هجرة معنوية أو روحية من وضع معنوي إلى آخر. وقد تتم الهجرة بشكل قانوني، أو قد تتم من خلال تسرب المهاجر إلى الدولة المقصودة بطرق غير شرعية.

والحاجة إلى الهجرة عند كافة المخلوقات، قد تكون للبحث عن مصدر الغذاء والماء، أو للتكاثر، أو للهرب من وضع ما. ويمكن صياغتها بأسلوب آخر عند البشر، حيث يعتبر الدافع الاقتصادي والبحث عن حياه كريمة وآمنة والعيش الرغيد والعمل الأفضل والأعلى أجرا وبشروط أفضل لظروف العمل، من أول أسباب الهجرة، ثم يأتي بعد ذلك البحث عن فرص تعليمية أفضل من تلك المتوافرة في البلد الأم، كما تلعب المتغيرات الدولية التي يشهدها العالم كله دورا في البعث على الهجرة، حيث تقدم وسائل المواصلات وسهولة وتيسير حرية السفر والانتقال من بلد لآخر، والثورة المستمرة لتقنية الاتصالات والمعلومات والإعلام، وما تعكسه من أوضاع مهنية ومعيشية واجتماعية في بلاد المهجر، والتي لا تتوانى عن إظهار بلدانها بصورة قرمزية، وبحلة وردية، كما لو أنها الجنة أو النعيم المفقود، تساعد على تكوين الصورة الذهنية للهجرة إلى تلك البلدان والعيش فيها، وكذلك ظاهرة المحاكاة أو الميل إلى تقليد الغير، ونراها جلية لدى بعض الشباب عند سماعهم بقدوم أحد المهاجرين إلى بلدته، وهو محمل بالهدايا والأموال، ومتخم بقصص البطولات والمغامرات التي قام بها وهو في الخارج، فتسري هذه الأخبار بين بالشباب، فتولد لديهم صورة ذهنية يسعون لأن ينالونها، بالإضافة إلى تنامي الطلب على العمالة الأجنبية نتيجة تراجع معدلات الإنجاب أو ما يسميه البعض، الموت السكاني أو الشيخوخة السكانية في دول المهجر، وما تتطلبه من زيادة الطلب على الأيدي العاملة. وقد تكون الهجرة المنقذ والمخلص من جور السلطان، مثل هجرة نبي الله موسى مع أهله وقومه، للهروب من فرعون، كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة الشعراء آية52 ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ) وكذلك في هجرة المسلمين إلى بلاد الحبشة، للتخلص من بطش قريش وكيدهم، وللتنعم بعدالة النجاشي ملك الحبشة. وحاليا كما هو الحال مع اللاجئين والهاربين والمطاردين من قبل النظم الحاكمة في دولهم. كما أن الله سبحانه وتعالى يحض ويدفع البشر بالهجرة، للتخلص من جور المتسلطين على حرياتهم ورقابهم، كما في قوله سبحانه وتعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) سورة النساء آية 97- 98

وعلى هذا انطلق المسلمون الأولون في فجاج الأرض ينشرون الدين، ويلتمسون الرزق، ويطلبون العلم، ويجاهدون في سبيل الله، أما هؤلاء الكسالى الذين يدع الواحد منهم العمل، لأنه لم يتيسر له في بلده، مسقط رأسه وموطن عشيرته ومجمع أحبائه، فهو يكره الغربة، وينفر من الترحال، ويتوجس من الهجرة والضرب في الأرض، وهو يؤثر الإقامة في موطنه مع البطالة والفقر، على الهجرة والسفر مع السعة والغنى، فهؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة، وشجعهم على الغربة، وبين لهم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله غير محدود بمكان، ولا محصور في جهة، فإذا أدرك أحدهم الموت بعيدا عن أهله غريبا عن موطنه قيس له من مولده إلى مدفنه في الجنة، عن عبد الله بن عمرو قال ( توفى رجل بالمدينة ممن ولدوا فيها فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ليته مات في غير مولده فقال رجل ولم يا رسول الله؟ فقال إن الرجل إذا مات غريبا قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة ) وفي رواية: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل بالمدينة فقال ( يا له لو مات غريبا ). ومن جملة ما قيل في الحث على السفر قوله تعالى ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرة وسعة ) سورة النساء آية 100 وقوله تعالى ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) سورة المزمل آية 20 وقوله عليه الصلاة والسلام ( سافروا تستغنوا ) رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات كما قال المنذري في الترغيب. فليس لنا من بعد ذلك إلا أن نقر أن الإسلام اعتبر الهجرة والسعي وراء الرزق خارج الوطن وسيلة وعاملا من عوامل سعة الرزق في المنهج الإسلامي. فمن ضاق رزقه في بلده لقلة الموارد أو لكثرة الخلق وانتشار البطالة فعليه أن يرحل إلى غيرها مبتغيا من فضل الله فإن أرض الله واسعة، ومن كان يقصد بسفره طلب المال للتعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا السفر من الأعمال المباحة.

وقد قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض إلى قسمين: هربا وطلبا. والأول ينقسم إلى ستة أقسام هي:

أ- الهجرة وهى الخروج من دار الحرب إلى دار السلام، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، فإن بقي في دار الحرب عصى ويختلف في حاله.

ب- الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال ابن العربي وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال الله تعالى ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) سورة الإنعام آية 68.

ج- الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.

د- الفرار من الأذية في البدن، وذلك من فضل الله، رخص فيه، فإذا خشي على نفسه، فقد أذن الله في الخروج عنه، والفرار بنفسه، ليخلصها من ذلك المحذور، وأول من فعله إبراهيم عليه السلام، فإنه لما خاف من قومه قال ( أني مهاجر إلى ربي ) وقال ( أني ذاهب إلى ربي سيهدين ) وقال مخبرا عن موسى ( فخرج منها خائفا يترقب ).

هـ خوف المرض في البلاد الموبوءة والتي كثر فيها المرض، وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون. س – الفرار خوف الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه. وأما الثاني قسم الطلب فينقسم قسمين هي: طلب دين وطلب دنيا. فإما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعه أقسام.

الأول سفر العبرة قال الله تعالى ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ). ويقال أن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليري عجائبها وقيل لينقذ الحق فيها.

الثاني سفر الحج والأول وإن كان ندبا فهذا فرض.

الثالث سفر الجهاد وله أحكامه.

الرابع سفر المعاش فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه، لا يزيد عليه، من صيد أو احتطاب أو احتشاش فهو فرض عليه.

الخامس سفر التجارة والكسب الزائد على القوت وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى، قال تعالى ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) يعني التجارة وهى نعمة من الله بها في سفر الحج فكيف إذا انفردت.

السادس في طلب العلم وهو مشهور.

السابع قصد البقاع قال صلى الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ).

الثامن الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع زيارة الأخوان في الله.

ويمكن صياغة ما سبق على النحو التالي:

السفر إما إن يكون مباحا إذا قصد به أمر مباح كطلب الرزق وتحصيل المعاش، أو لحاجة دنيوية كتجارة أو علاج أو طلب العلم الدنيوي النافع للمسلمين، بشرط أن يكون عارفا لدينه، مظهرا له، آمنا من الفتنة، قادرا على التأثير في الكفار دون التأثر بهم. وقد يكون مستحبا إذا قصد به أمر مستحب كالخروج إلى الحج المستحب بعد حج الفريضة، وكشد الرحال إلى المساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، ونحو ذلك من الأمور المستحبة.

وقد يكون واجبا إذا قصد به أمر واجب كالسفر إلى فريضة الحج، وكالهجرة من ديار الكفر إلى بلاد المسلمين. وقد يكون مكروها إذا قصد به أمر مكروه، وقد عد طائفة من أهل العلم السفر من أجل اللهو من السفر المكروه. وقد يكون حراما إذا قصد به أمر محرم كمن يسافر لطلب الفواحش والمحرمات والعياذ بالله. والسفر كما جاء في بيان حاله أتم البيان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله ) متفق على صحته. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن السفر بدون حاجة من المكروهات، وأن المطلوب المستحب أن يبادر الإنسان إلى العودة عند تحصيل غرضه من السفر.

قال الإمام الشافعي: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد

فذكر للسفر خمس فوائد: هي تفريج الهموم، فإن للسفر فسحة للنفس وإجماما لها، وذكر طلب الرزق وهو الضرب في الأرض، وذكر طلب العلم النافع ثم تحصيل الآداب فإن السفر سمي سفرا لأنه يسفر أي يظهر أخلاق الناس، وذكر صحبة كرام الناس فإن السفر يوجد الفرصة بصحبة الأخيار ومخالطتهم.

كما أن للسفر فوائد أخرى تتمثل في تحسين ظروف المعيشة وتعمير الأرض وتحسين النسل كما حدث في أمريكا بعد الهجرة الأوروبية إليها.

ومن فوائده أيضا استجابة الدعاء، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة الوالد لولده ودعوة المسافر ) رواه الترمذي.

وله فوائد أخرى منها ما يعود على المجتمع ومنها ما يعود على الفرد، على سبيل المثال لا الحصر:

مدفوعات تذاكر الطيران وغيرها من تكاليف السفر. الحوالات المالية التي يحولها المهاجرون إلى ذويهم في أوطانهم، وبالفعل ازداد حجم هذه الحوالات بشكل مطرد في السنين العشر الأخيرة، إذ أصبحت تشكل ثاني أكبر مصدر مالي خارجي للبلدان النامية، وأصبح حجم الحوالات المالية المرسلة سنويا إلى الوطن قريبا من المائة مليار دولار، تشمل هذه الأرقام الحوالات المالية التي تجرى عن طريق البنوك الرسمية فقط، والتقديرات تخلص إلى نتيجة مفادها أن ما ينقل عبر الحدود بصورة غير رسمية يعادل هذا المبلغ، وتزيد هذه الحوالات المالية من دخل متلقيها ومن احتياطي العملات الأجنبية في البلد المتلقي.

وكذلك السلع التي يتم إرسالها إلى دولة الأصل مثل الهدايا. كما يلعب المهاجرون دورا ملموسا في تنمية أوطانهم في مجالات مختلفة، حيث ميلهم إلى الاستثمار في الوطن غالبا في مجال تخصصاتهم، ولا شك أن الكفاءات المهاجرة تسهم في انتعاش بعض المرافق في الوطن من خلال الاستثمار فيها ومن خلال تخفيف الضغط على بعض المرافق الأخرى كمرافق الخدمات التعليمية والصحية.

ومن الواضح أن الهجرة تثير في الكثيرين وخاصة المتعلمين وذوي الكفاءات الغيرة على الوطن والرغبة في رؤية وطنهم بمثل وضع دول المهجر من حيث التقدم، وفي نفس الوقت تقدم لهم دول المهجر إمكانيات أوسع للإسهام في تحقيق رغبتهم هذه، ولا يخفى أن الكثير من رواد دعاة النهضة العربية ومن بعض عناصر حركات التغيير السياسي والثورات الوطنية في الدول العربية كانوا ممن هاجروا خارج دولهم، واليوم يمكن ملاحظة مبادرة بعض المهاجرين إلى تكوين جمعيات في المهجر لخدمة وتطوير وطنهم. وكثيرا ما يقومون بنقل التكنولوجيا عندما تتوفر لديهم خبرات تقنية.

كما أن عودة البعض أو أفراد عائلاتهم إلى الوطن بشهادات علمية أو خبرات عملية وأحيانا في تخصصات نادرة لا تتوفر في الوطن يعد إسهاما في نقل المعرفة إلى الوطن. كذلك يسهم المهاجرون في ازدهار المؤسسات التعليمية الخاصة، والتي كثيرا ما تكون أحسن مستوى من المؤسسات التعليمية العامة في الوطن.

كما يتمتع أبناء الأقليات بميزات خاصة أثناء عمليات التمهيد للصفقات التجارية والاستثمارات وتنفيذها، فهم يعرفون أوطانهم ويحسنون تقييم الشركاء المحليين من حيث الكفاءة والأمانة، وهم موهوبون في فهم حالة السوق واستغلال الفرص التجارية، زد على ذلك أن لديهم فرصا أحسن للمطالبة بحقوقهم بفضل ارتباطاتهم الاجتماعية، وهم سباقون في نفس الوقت إلى التمتع بثقة شركائهم في العمل داخل بلاد المهجر، وهكذا فهم وسطاء مثاليون بين بلادهم التي أتوا منها وبلاد المهجر. ومن شأن نجاح المهاجرين وتفوقهم في تخصصاتهم المختلفة أن يعكسوا ثقافة وطنهم بشكل ايجابي، مما يسهم في تحسين صورة الوطن وثقافته، ولا تخفى أهمية ذلك في تصحيح الصورة المشوهة السائدة في دول المهجر الغربي عن العرب والمسلمين، بما يساعد على ترشيد العلاقات الدولية وتعزيز علاقات الوطن بدول المهجر، ومن الواضح أن هناك محاولات ناشئة لتعزيز الدور السياسي والدبلوماسي الممكن للمهاجرين العرب في بعض دول المهجر الغربي.

ولكن للهجرة أيضا أضرار من بينها: استمرار هجرة العلماء والكفاءات العربية يستنزف أهم عنصر من عناصر تحقيق الإنتاج المعرفي والبحث العلمي، كما يعد خسارة للوطن لما صرفه من أموال في إعداد هذه الكفاءات المهاجرة. فشل الدول العربية والإسلامية في اعتماد وتنفيذ برامج فعالة للإفادة المثلى من كفاءاتها المهاجرة. معظم من يهاجرون من ذوي المهارات والمستويات التعليمية المرتفعة، وبحكم إقامتهم الدائمة في الخارج فإنهم لا يقومون بتحويل مدخراتهم إلى البلد الأم، وإنما يحتفظون بهذه الأموال في الخارج.

وكذلك خسارة الوطن لما يصرفه من أموال إضافية لاستجلاب كفاءات أجنبية تحل محل كفاءاتها المهاجرة. تكريس الهجرة للتوجه الفردي أو الشخصي لحل مشكلات فردية وعلى نحو يعيق تنمية التوجه الجماعي والوطني في حل مشكلات الحياة وتحدياتها المشتركة أو العامة ويعزز تقديم الهم الشخصي على الهم الوطني.

الاستغناء عن العنصر البشري في أداء العمل في الدول المتقدمة، وكذلك نتيجة لتدفقات الهجرة المتنامية من الدول الفقيرة وخاصة الدول الآسيوية إلى الدول التي تعتمد حتى الآن اعتمادا كبيرا علي الأيدي العاملة غير الماهرة والنصف ماهرة، فقد زادت حدة المنافسة على فرص العمل المتاحة في تلك الدول، مما كان له أثره في تدني الأجور وشروط وظروف العمل، ولم يقتصر الأمر على هذه الفئات بل امتدت لتشمل العمال المهرة والفنين حيث تفضل الدول المستقبلة للأيدي العاملة المهاجرة العمالة الآسيوية لتفوق مستواها التعليمي والفني عن نظيرها في الدول العربية.

اختلاف وتباين الأفكار والثقافات والعادات والتقاليد بين الدول الطاردة والدول المستقبلة، وتأثيره على العمالة خاصة المستجدة منها. النظرة العدائية في الغرب للمهاجرين العرب والمسلمين وما تولد عن ذلك من الاحتكاك الاجتماعي وأحيانا المضايقات الرسمية. فكثير منهم لا يستطيع إقامة شعائر دينه بحرية في تلك البلاد، وليس أدل على ذلك من قيامهم بأعمال محرمة في غالب الأحيان مثل بيع الخمور ولحم الخنزير، والمجلات الجنسية، ومنهم من يترك الصلاة بالكلية بدعوى عدم وجود وقت يصلي فيه أثناء العمل، ومنهم من يترك الجمعة بدعوى عدم وجود مساجد قريبة من مسكنه وعدم سماعه للأذان، ومنهم من يقدم على الزواج بالمشركات زواجا مؤقتا بغرض الحصول على الإقامة، ومن ثم فكثير من هؤلاء يكون سفره حراما وكبيرة من كبائر الذنوب، ولاسيما أن ديار الكفر ما فتئت تضيق على الإسلام والمسلمين، والدليل على ذلك ما قامت به فرنسا من حظر ارتداء الحجاب في مدارسها، وكذلك ما فعلته الدانمرك والنرويج من الاستهزاء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تبعتهما كثير من الدول الأوربية، بل هناك من يسافر إلى ديار الكفر فتتلقفه أيديهم ويصنع على أعينهم ليكون أحد دعاة التغريب في بلاد المسلمين. وأخيرا عدم الاهتمام بنشأة أبناء المهاجرين وإهمال الجوانب المهمة مثل التعليم والتربية، فنراهم عاطلين عن العمل وتاركين الدراسة في بعض الأحيان وطائشين، لذلك يكونون وسطا جيدا لنمو ظواهر الفساد والجريمة وغيرها.

الهجرة غير الشرعية أو الهجرة السرية مصطلح يشير إلى الهجرة من بلد إلى آخر بشكل يخرق القوانين المرعية في البلد المقصود، وبحيث يتم دخول البلاد دون تأشيرة دخول. وقد باتت الهجرة غير الشرعية مشكلة تؤرق الدول المستقبلة لهؤلاء المهاجرين، وعلى رأسها دول أوروبا، التي تعتبر المستقبل الأول للمهاجرين غير الشرعيين من دول شمال إفريقيا. كما باتت مشكلة أيضا للدول الأم فعشرات بل مئات الشباب يقضون حياتهم غرقا في سفن رديئة ومتهالكة يركبونها لتنقلهم خلسة إلى شواطئ أوروبا، حتى استحوذت قضية هجرة الشباب عبر البحر المتوسط بطريقة غير شرعية على مساحة واسعة من اهتمام وسائل الإعلام وعدد من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية والإقليمية في الآونة الأخيرة. وتتضارب التقديرات بشأن الهجرة غير المنظمة، فمنظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10- 15% من عدد المهاجرين في العالم البالغ حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص، وحسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل لنحو 1.5 مليون شخص، وتقدر الأمم المتحدة أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى دول العالم المتقدم خلال السنوات العشر الأخيرة بنحو 155 مليون شخص. والإحصاءات الدولية تقدر حجم الهجرة الدولية الخارجية، بمعناها الفني الخاص، في عام 2000م بحوالي 179 مليون مهاجر أي ما يعادل 9ر2% من مجموع سكان العالم، ولاشك إن الأرقام المذكورة ستتضاعف أضعافا كثيرة لو جمعنا إليها أرقام الهجرة الداخلية.

لذا لابد من تنظيم هجرة العمال العرب إلى الخارج، فإن أمثل استراتيجية يتعين تبنيها تجاه هجرة الكفاءات العربية ليس تركها على ما هي عليه، أو منعها باتا، وإنما هي إدارتها بمشاركة سائر الأطراف المعنية، بما يحقق أو يرجح تعظيم إيجابياتها وتقليل سلبياتها.

وكذلك التأكيد على مبدأ المسئولية المشتركة بين دول المصدر ودول المهجر حكومات ومجتمعات وجهات استخدام، وتضم المجتمع الدولي وخاصة منظماته الدولية والإقليمية المعنية كمنظمة الهجرة الدولية ومنظمة العمل الدولية ومفوضية اللاجئين والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، لرعاية المهاجرين وصيانة حقوق العمال المهاجرين واستيعاب العائدين، تبنى وإصدار الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء والذي يتضمن العديد من البنود التى تؤكد على أن يكون لكل دولة كوتة محددة سنويا تسمح من خلالها بدخول المهاجرين إلى أراضيها وفق ما تضعه من معايير. تعزيز فوائد الهجرة لصالح التنمية والتكامل الإقليمي العربي، زيادة مساهمة الكفاءات بالمهجر في جهود التنمية وطنيا وعربيا، وعلى دول الاتحاد الأوربي إقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة، في البلدان الأفريقية والآسيوية، الفقيرة والمستقرة سياسيا وأمنيا، والتي تمتلك الكم الهائل من الموارد البشرية والطبيعية، كاستثمارات طويلة الأجل، أو إنشاء مصارف تساهم في خلق استثمارات صغيرة وفردية، وبهذا نكون قد حققنا مكاسب عديدة في آن واحد، وتتمثل في إيجاد فرص استثمارية خارج الاتحاد، وفي نفس الوقت خلق أسواق جديدة وبأقل التكاليف، ولا يخفى على الجميع توفر أهم عنصرين من عناصر قيام الاستثمار وهي الموارد البشرية والتي ستكون في مثل هذه الحالات متوفرة ورخيصة إلى حد ما والموارد الطبيعة ومنها المواد الأولية والخامات، أو الاستثمار في مجالات السياحة سيما وأن تلك البلدان هي بكر وتمتلك من السحر والجمال مما يؤهلها لقيام مثل تلك المشاريع. لابد من غرس ثقافة احترام جميع المهن‏,‏ مع زيادة الأجور‏,‏ ومحاربة الهجرة غير الشرعية، حيث يسعى الإتحاد الأوروبي إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على معظم حكومات دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وخاصة ليبيا والمغرب ومصر لوقف الهجرة غير المنظمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.