منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زعماء تنازلوا عن الحكم برغباتهم 

زعماء تنازلوا عن الحكم برغباتهم / أشرف شعبان أبو أحمد

0

زعماء تنازلوا عن الحكم برغباتهم 
أشرف شعبان أبو أحمد

كرسي الرئاسة له جاذبية خيالية، وسحر فاتن، يأخذ بالعقول والألباب، من يجلس عليه يشعر بأن عمره مديد لا يفنى، وبدنه سليم لا يسقم، وجلوسه عليه سيدوم إلى أبد الآبدين، ويغفل عن سنتي الحياة والتغيير. ولكن بعض الرؤساء يفضلون الانصياع لهاتين السنتين، وترك كرسي الرئاسة، بشكل يرفع من شأنهم، ويزيد من قدرهم، قبل أن يخضعوا كرها للنهاية المحتومة، التي لا مفر منها، وبطريقة غير مرغوب فيها. من هؤلاء:

المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، الرئيس السوداني السابق، تلقى تعليمه في الكلية الحربية بالسودان، وتخرج فيها عام 1955م وتقلد عدة مناصب في الجيش، حتى وصل به المطاف إلى وزارة الدفاع، كوزير معين في عهد جعفر النميري، وفي إبريل1985م قاد سوار الذهب انقلابا عسكريا، وتقلد رئاسة المجلس الانتقالي إلى حين قيام حكومة منتخبة، وتولى الحكم لمدة عامين، ثم قام بتسليم السلطة للحكومة المنتخبة، برئاسة الصادق المهدي زعيم حزب الأمة عام 1988م واعتزل العمل السياسي ليتفرغ لأعمال الدعوة الإسلامية في السودان، وحاز سوار الذهب على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 2004م.

العقيد أعلى، ولد محمد فال، الذي قاد انقلابا عسكريا في موريتانيا عام 2005م أطاح بنظام معاوية ولد الطايع، وترأس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، الذي تعهد بإعادة السلطة إلى المدنيين، بعد إجراء انتخابات شفافة ونزيهة، تمت بالفعل بين 19 مرشحا، أسفرت عن صعود أعلى اثنين من المرشحين، حصلوا على أعلى نسبة من إجمالي صوت الناخبين، وتمت الإعادة بينهم، حيث فاز سيدي ولد الشيخ عبد الله، وقد سلم العقيد ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري الحاكم ورئيس موريتانيا المؤقت، الحكم والسلطة، للرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله. وأهم ما في الأمر، إنه لم يتقدم أي من المرشحين بأي شكوى تزوير، ولم يسمح ولد فال بتدخل أي هيئة أو مؤسسة حكومية، حتى المؤسسة العسكرية ابتعدت تماما عن الانتخابات الرئاسية.

الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، الذي رفض الاستمرار في السلطة وتنازل بمحض إرادته عن التمديد له، وقد كان يستطيع البقاء في السلطة مدى الحياة لو أراد، وبإرادة شعبية، لما قدمه لبلاده من خدمات وتضحيات، لكنه فضل أن يكون مواطنا على منصب رئيس الجمهورية. أن مثل هؤلاء الرؤساء يعطون مصداقية، ويحصلون على احترام شعوبهم، ومن قبل احترام شعوب العالم كله.

ليوبولد سيدار سنجور، أول رئيس لدولة السنغال المستقلة، تولى الحكم عام1960م، وترك الحكم عام 1981م، ليحصل على لقب أول رئيس إفريقي يتخلى عن الرئاسة بإرادته، ليقضي بقية حياته في فرنسا. منح سنجور الدكتوراه الفخرية من عدة جامعة أشهرها السوربون، وهارفارد، والقاهرة، وأبيدجان، وبيروت، وباريس. كما حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1968م، لقبه شارل ديجول بأنه أعظم عظماء إفريقيا، ولقبه آخرون بالمعتدل الحكيم، توفى عام 2001م في نيرسون بمقاطعة نورماندي الفرنسية، ودفن في حضن الأرض السنغالية بمقبرة بيل أيربداكار.

عندما بلغ الرئيس الصيني جيانج زيمين السادسة والسبعين من العمر، أحس أنه أعطى بلده وشعبه كل ما يستطيع، على مدى سنوات عمره، التي أمضاها في مواقع الخدمة والمسئولية، والتي تقلد خلالها العديد من المناصب، حتى وصل إلى أرفع منصب وهو رئيس الدولة، وانتابه شعور عميق بأنه على قدر ما استطاع أن يحقق لبلده من إنجازات في مجالات التنمية، ومن مكانة دولية بين الأمم والشعوب، إلا أن هناك قرارا أصبح من الواجب عليه اتخاذه، وهو أن يتنحى عن منصبه، هو وكل من حوله من قيادات تعدت السبعين من العمر، وسواء كانوا من الوزراء التنفيذيين أو من قيادات الحزب الحاكم، وأن يسلم مسيرة التنمية والإصلاح ومسئولية القيادة إلى جيل جديد، أكثر حيوية وأكثر شبابا، وأكثر قدرة على العطاء، ودفع عجلة البناء والإصلاح، وبالفعل دعا الرئيس الصيني قيادات الحزب الشيوعي الصيني وأعضاء المؤتمر العام السادس عشر للحزب الشيوعي، إلى مناقشات ومداولات، أسفرت في نهايتها على أن يتولى هو جينتاو الذي يبلغ التاسعة والخمسين من العمر مسئولية قيادة الدولة الصينية، خلفا للرئيس جيانج زيمين. وبالفعل تمت عملية انتقال سلمي للسلطة في جمهورية الصين الشعبية. وما يهمنا من هذا الموضوع أن الرئيس الصيني جيانج زيمين لم يسمح لهوى في نفسه، أو لهوى في نفوس المتشبثين بالمناصب الوزارية والحزبية، أو لكلمات قد تصدر عن المنافقين في وسائل الإعلام الخاضعة للدولة، أن تؤثر على قراره الذي اتخذه، والذي لم يكن قرارا خاصا به فقط، ولكن بجيل بأكمله تخطى السبعين من العمر، وكان لابد أن يتنحى جانبا ليفسح الطريق أمام جيل جديد ليقود، وتلك هي سنة الحياة.

مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا، وقد تمكن خلال عشرين عاما من أن ينقل ماليزيا من حال إلى حال، ومن فقر مدقع إلى نموذج يحتذي به في التنمية والتقدم، إلا أن مهاتير محمد استمر في حكم ماليزيا عشرين عاما متصلة، ثم أراد أن يرتاح بعد أن قدم كل ما لديه في خدمة بلاده، ويحسب له أنه أنجز خلال تلك السنوات ما لم يستطع غيره أن ينجزه في دولة من دول العالم الثالث. وقد أنشأ مهاتير محمد متحف في جزيرة لنكاوي، وهو متحف يتألف من مبنيين، أودع فيه مهاتير محمد، كل هدية تسلمها أثناء عمله بالسياسة، من أي فرد، أو مؤسسة، أو دولة، ابتداء من الأواني الفضية زهيدة الثمن إلى التحف الفاخرة، والسيارات الثمينة، كل شيء موضوع في هذا المتحف متضمنا تحديد متى تم استلام الهدية، ومن أعطاها، هناك تكمن عظمة الرجل، فهو لم يستفد من السلطة رغم جذوره الفقيرة، بل بالغة الفقر. على الرغم من أن هؤلاء قد أمضوا فترات طويلة في الحكم بالنسبة للفترات التي يمضيها حكام الدول الديمقراطية، إلا أن غيرهم من حكام الدول المتخلفة، جلسوا وآخرون مازالوا يجلسون على كراسي السلطة، متشبثين بها منذ أكثر من ثلاثين أو أربعين عاما، ويرفضون مغادرتها، بل ويطيلون في بقائهم مدة وراء أخرى كلما أوشكت أحدها على الانتهاء. يكرهون كلمات الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، يفهمون الديمقراطية على أنها الاستمرار في السلطة، ومنع الآخرين من الوصول إليها، والحرية على أنها احتكار وسائل الإعلام وحرمان الآخرين من حق التعبير عن أنفسهم، وحقوق الإنسان، على أنها منع عامة الشعب من حياة كريمة ومنعهم من كافة حقوقهم التي كفلتها لهم الشرائع السماوية والدساتير والقوانين الأرضية، وحتى عندما تزايدت الضغوط عليهم من قوى الخارج والداخل، فإنهم يقدمون تنازلات شكلية لا تقترب من مناصبهم ولا تمس سلطاتهم.

في حالة لا تتكرر كثيرا، تقدم ديكتاتور باكستان برويز مشرف، باستقالته بعد 9 سنوات، حكم خلالها بالبطش والاستبداد وفرض حالة الطوارئ، وتزوير الانتخابات، والتنكيل بالمعارضين من قضاه ونشطاء ديمقراطيين وغيرهم، مما أوقعه في شر أعماله حتى انتهى الأمر بإقالته غير مأسوف عليه. ويعد هذا القرار نموذجا رائعا لإمكانية انتصار القوى المدنية المعارضة في صراعاتها ضد الديكتاتوريين المتمركزين في عدد من بلاد الشرق الأوسط والعالم العربي بالتحديد، علاوة على أنها تعطى درسا لكل المتحالفين مع أمريكا والمتلقين مساعدات منها، بأن هذا التحالف ينهار في لحظة، لو قررت الشعوب التحرك للمطالبة بحريتها، لقد ظل مشرف لتسع سنوات متواصلة حليفا رئيسيا لأمريكا، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، وقد تلقى مساعدات هائلة من الأمريكان باعتباره شريكا في حربها ضد الإرهاب، والغريب أن إدارة بوش كانت تصف سياساته بأنها تصب لصالح دعم الديمقراطية، ولكن نفس هذه الإدارة هددت بالإطاحة به ما لم يتعاون معها، حسبما ذكر مشرف بنفسه في مذكراته. وعندما أدرك مشرف مدى أخطائه وحماقته، ووجد أن القوى السياسية المدنية المعارضة أكبر منه، وأنها متحدة ضده، قرر أن ينجو بنفسه، وينجو من المحاكمة التي كانت أعدتها له، واكتفى بالإقالة، والأكثر من هذا ذكر مشرف في خطاب استقالته أن تغفر له الأمة الباكستانية الأخطاء التي ارتكبها في حقها.

إن رؤساء وحكام الدول المتخلفة فقط هم الذين يخافون من ترك الحكم والسلطة، بسبب المخالفات والفساد الذي يرتكبوه أثناء وجودهم في الحكم، كما أن تخلفنا وجهلنا وميراثنا الاستبدادي، لا يزال يفرض قيوده على مجمل حياتنا، وما بقاء الحاكم في الحكم لفترات طويلة، ومحاولات توريث الحكم، والتنازل عن قاعدة تداول السلطة بانتخابات نزيهة، وهيمنة مراكز القوى وعصابات الفساد وأعداء الحرية، الذين يبنون شرنقة حول كرسي الرئاسة، يحمون بها مطامعهم ويصونون مطامحهم، سوي نتيجة لهذا الميراث. وللأسف فإن الجمهوريات العربية، تسير على منوال الملكيات العربية، سواء بالبقاء في الحكم حتى الموت، أو بقاعدة توريث الحكم، أما ونحن نتحدث عن حتمية الإصلاح الديمقراطي، فمن الضروري مواجهة تلك الأوضاع الشاذة، القائمة على صناعة الطغاة وتأليه الحكام، وذلك بإعادة صياغة علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة السلطة بالمجتمع، وفق دستور حديث، يطلق الحريات المدنية العامة، ويصون حقوق الإنسان، ويعيد وضع الحاكم في موضعه، خادما للشعب وتحت رقابة المؤسسات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.