منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحركة النقدية في المعاجم العربية لسان العرب انموذجا

2

مقدمة
يعد المعجم ظاهرة حضارية بالغة القيمة، يبرز في المجتمعات التي تحقق لنفسها وجودا قويا محصّناً بالعلم، عاكسا صورها الاجتماعية و الحضارية، فالمعجم في كل أمة مرآة حياتها، و ديوان كلامها.
ومن أنفس ما تملكه الأمم تلك الثروات اللغوية، التي حوتها بطون معجماتها، وهذا ما جعل علماء العربية يحرصون على جمع اللغة من أفواه البداة الفصحاء و تدوينها، واضعين المعايير لما ينبغي أن يعتدّ به من الكلام فيُدوّن، و لما لا ينبغي فيهمل. و بدا من المتوقع إزاء سعة العربية أن تفلت من أيديهم أشياء لم تُدوّن، كما أن غيرتهم على العربية و إفراطهم في الحيطة و الحيلولة دون تسرب الدخيل خشية تضييع أصالة اللغة، جعلتهم يشددون في معايير ما يقبل ويُدوّن، وما لا يقبل ولا يُدوّن، فأغفلوا من تلك الثروة اللغوية قدرا كبيرا و فاتهم ذخر لغوي، وهذا ما ساهم في ظهور الحركة النقدية لهذه المعاجم، ولا شك أن هذه الحركة كان لها دور كبير في تأليف المعاجم الحديثة، وظهرت كتب متخصصة في النقد المعجمي سواء أكانت بالاستدراك عليها، أو بإبراز هفواتها التي غفلها أصحاب المعاجم، وهذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا العرض المتواضع.
اقتضت مني ضرورة البحث في هذا الموضوع أن أقسمه لمحورين أساسيين:

المحور الاول: الحركة النقدية عند المعجميين

إن الحركة النقدية عند المعجميين هي تتبعهم للمعاجم السابقة بتكميل ما نقص منها، أو بإلحاق ما جد من معان أو صيغ، أو بتصويب الأخطاء المعجمية. إلا أن هذه الانتقادات لم تخضع لضوابط معينة، فهي إما أن تكون قد فاتت الجامع حقيقة كما في بعض المستدركات، و إما أن تكون ممّا لا يعتدّ به في التدوين كالمنقول عن المولّدين، و إما أن تكون خارجة عن شرط الجامع للمعجم، أي أن هذا النقد يختلف حسب المجال، فهناك من كان نقده يتجه صوب الألفاظ أو المعاني، أو نحو ترتيب و نقل المواد، وهناك من كان نقده عبارة عن تصويب للأخطاء، وهناك من انتقد و استدرك في المنهج وطريقة ترتيب المعجم، لكن ألا يتساءل سائل عن السبب وراء كل هذه الانتقادات، بمعنى آخر، ماهي أسباب ظهور الحركة النقدية في المعاجم العربية؟ ما الذي جعل المعجميون ينتقدون و يستدركون على معاجم أخرى بدل التأليف الخاص بهم؟
يمكن تقسيم هذه الدوافع إلى دوافع عامة و أخرى خاصة، فالعامة هي دوافع في اللغة أثرت في الدفع إلى الانتقاد، و أسباب خاصة كان لها تأثير مباشر و هي أنواع الألفاظ التي جدت في اللغة، أو طرأ عليها تغيير فدعت المعجميين إلى إدخالها في معجماتهم، و تشمل هذه التغييرات كل من المولد، والدخيل، و المعرب و مصطلحات العلوم ، إلى جانب التطور الدلالي للألفاظ، كل ما ذكر كان من أهم الدوافع التي أدت إلى بروز هذه الحركة عند المعجميين.
أما إذا تتبعنا تاريخ ظهور الحركة النقدية عند المعجميين، سنجد أنها ظهرت في مرحلة مبكرة، تمثلت في كتاب العين و ما ألِّف حوله من معاجم وكتب انتقدته أو استدركت عليه، باعتباره أول معجم ثم بعد ذلك جاءت مرحلة التطور، تمثلت في معجم الصِّحاح، الذي خطا بحركة المعاجم أوسع خطوة بعد خطوة الخليل.

أ-الحركة النقدية عند المعجميين القدامى:

لما كان كتاب “العين” أول معجم عربي فمن الطبيعي ألا تخلو الأمور المبتكرة من مآخذ و نقص، لا يحس بها أصحابها لانشغالهم بهذا الوليد الجديد و تصويره على غير مثال سابق، و كذلك كان شأن كتاب العين و خاصة أنه اجتمع إلى ذلك وفاة مؤلفه قبل أن يتمه، فقام بذلك العمل أحد تلاميذه، فكان هو السبب الأول لأكثر هذه الانتقادات التي وجهت إليه، وفيما يلي وصف للحركة النقدية على معجم العين:
 أول هذه الانتقادات “التصحيف” الذي اتهمه به أكثر الباحثين إذ لم نقل كلهم، وعلله الدكتور أحمد آمين (في كتابه ضحى الاسلام) بأن الكتابة في ذلك العصر لم تكن تُنْقَط و حروف العربية متقاربة في الشكل، وذهب السيوطي في نفس اتجاه الباحثين وأخذ على الخليل تصحيفه. وذلك في قوله “فصُحِّف كتصحيف صاحب العين” (كتاب المزهر ص١٣).
 وهناك أيضا أبو بكر الزبيدي و أحمد ابن فارس اللذان انتقدا الخليل في انفراده بكثير من الألفاظ مثل قوله “التاسوعاء”، لليوم التاسع من شهر محرم، وقال الزبيدي إنه لم يسمع به قط، فانتقده في ارتكابه أيضا لأخطاء صرفية اشتقاقية كذكر حرف مزيد في مادة أصلية أو مادة ثلاثية، وربما أدخل الناقدون إيراده للرباعي المضاعف في الثنائي المضاعف.
 ومن بين الانتقادات التي وجهت للخليل اختلاف نُسخه و اضطراب رواياته، و ما وقع فيها من الحكايات عن المؤرخين، ويتصل بهذا النقد إيراده الألفاظ المولّدة، فالخليل كان ميّالا إلى تلك الألفاظ مع معرفته بعدم التكلم بها في البوادي.
 هناك أيضا انتقاد المعجميين لإهمال الخليل لأبنية مستعملة في اللغة، لم يذكرها لأنه لم يسمع فيها شيئا، ووصفها بأنها مهملة، وقد استدرك عليه اللغويون كثيرا من هذه الأبنية، و أشاروا إلى أنها مهملة عند الخليل و السبب هو أنه في تلك الفترة كان العلم لا يزال بادئا في عهده.
ومن أهم الكتب التي نجدها قد شكلت حركة نقدية على معجم العين :
• “مختصر العين” و “استدراك الغلط الواقع في كتاب العين” للزبيدي.
• “الحصائل” لأبي الأزهر البخاري.
• الاستدراك على العين” لأبي بكر الأزدي.
• تلقيح العين “لابن التياني.

ليس كتاب العين هو الوحيد الذي تقاذفته ألسن النقاد المعجميين، و إنما هناك مجموعة من المعاجم التي لم تسلم هي الأخرى من الحركة النقدية عليها، من بينها معجما “تاج اللغة و صحاح العربية” للجوهري و “القاموس المحيط” للفيروز آبادي، هذين المعجمين تعرضا لحركة نقدية واسعة أثارها كتاب “الدر اللقيط في أغلاط القاموس المحيط” لداود زادة، وهو ثمرة من ثمار الحركة النقدية الواسعة التي أثارها هذين المعجمين، فقد جمع فيه مؤلفه الأغلاط التي نسبها المجد للجوهري، وقد كان وراء تأليف هذا الكتاب عناية مؤلفه بمعاجم العربية، فقد أراد -كما قلنا- أن يجمع الغلطات التي عزاها صاحب القاموس للجوهري، ليَردّ منها ما يُردُّ منصفا الجوهري و مؤيدا الفيروز ابادي فيما أصاب فيه، استخرج المؤلف المواضع النقدية في ” القاموس” وزاد عليها نحوا من عشرين موضعا،(أرى والله اعلم بعد قراءتي أن العناصر النقدية في الدر اللقيط هي نفسها التي في القاموس المحيط )، ومن أهم مواضع النقد: “نقد التداخل، حيث بلغت المواضع النقدية المخصصة له في در اللقيط ١٢٥موضع، وبلغ ما فيه من نقد التداخل في البناء الواحد ٨٥ موضعا و ثلاثة للتداخل في الرباعي…” (كتاب تداخل الاصول اللغوية و أثره في بناء المعجم ص٣٣). وهذا ما يظهر لنا التقارب بين ” الدر اللقيط” و ” القاموس، يكمن سبب الاختلاف فيما أضافه داود من نقد على ما في القاموس ككلامه في أصل (أكار) في قولهم ” أكار الرجل: أي أسرع في مشيته”، و لا ننسى الإشارة إلى أن صاحب الدر اللقيط لم يأت على كل ما في القاموس من نقد للأصول المتداخلة و إنما أغفل الكثير.
وما يميز الدر اللقيط في نقده عفة القلم، إذ نجده قد ابتعد عن عبارات التجريح أو الغمز و نحوهما، بالإضافة إلى إشارته الواضحة إلى مصادره في نقده الاصول “كالمقاييس لابن فارس” و “مختار الصحاح للرازي”، فداوود في كتابه هذا كان منهمكا في إبراز مجموعة من المسائل الخلافية بين الصحاح و القاموس، من بين هذه الاختلافات : الاختلاف في حقيقة الكلمة و التي كان التصحيف و تعدد الروايات المنقولة سببا فيها، وهناك أيضا الاختلاف في الاشتقاق و في أصالة بعض الحروف، وفي نسبة الكلمة إلى ما غير ذلك من الاختلافات التي حاول الدر اللقيط الإحاطة بها و التعليق عليها.

هناك أيضا معجم “جمهرة اللغة لابن دريد”، الذي لم يسلم هو الآخر من الانتقادات مثله مثل أي عمل، تشوبه بعض الأخطاء و الثغرات التي أغفلها صاحبه دون قصد منه، بالرغم من أن ظهوره في مرحلة مبكرة من تاريخ الصناعة المعجمية، جعل العلماء يستقبلونه بالترحيب لحاجتهم إلى معجم جديد يعضّد معجم العين و يسد ما فيه من نقص، و يتلافى ما فيه من عيوب، ولتخلصه من المنهج الصوتي الذي اتبعه معجم العين، واستبدله بالمنهم الاتبني، لكن بعد استقراره (أي جمهرة اللغة ) بأيدي طلبة العلم و محبي العربية، رأى فيه بعض العلماء ما يكدّر الصفو، فأعادوا النظر فيه و نشأت طائفة تقدّح فيه و في مؤلفه، يتزعمهم ابن عرفة الشهير بنفطويه، ومن أبرز الطاعنين في الجمهرة نجد السيرافي (٣٦٨ه)، و الأزهري (٣٧٠ه) و ابن جني (٣٩٣ه) و الجرجاني (٤٧١ه)، و يمكن حصر المآخذ في نقاط رئيسية من أبرزها:
 الخلل في الأصول اللغوية و اضطرابها لفساد التصريف، و هو ما اتهمه به السيرافي فيما رواه أبو حيان التوليدي ” كان أبوبكر ضعيفا في التصريف، والنحو خاصة، وفي كتاب الجمهرة خلل كبير” (الخصائص لابن جني ج٣ ص٢٣)، و كان أبو علي الفارسي يعرِّض لابن دريد و ينقص منه ويقلل من شأنه، وذلك في قوله عن كلمة يستعور ” قد كان شيخ من أهل اللغة وزن هذه الكلمة ب (يفتعول) حتى نُبِّه عليه، و له فيما كان أملاه من الأبنية حروف كثيرة تحتاج إلى إصلاح”. ( المزهر في علوم اللغة ج ١ ص ٩٣).
 افتعال العربية و الكذب على العرب، و من أقدم من وجه هذه التهمة هو الأزهري في قوله ” و ممن ألف في عصرنا فوُسم بافتعال العربية و توليد الألفاظ التي ليس لها أصول أبو بكر بن دريد صاحب كتاب الجمهرة” و سرت كلمة الازهري هذه إلى بعض اللغويين من بعده، و تأثروا بها في أحكامهم على ابن دريد ( البحث اللغوي عند العرب تمام حسان ص ٢٠٥).

ب- الحركة النقدية عند المعجميين المحدثين:

لعل جمود المعجم العربي القديم، وعدم قدرته على تلبية حاجات مستعمليه، هو ما دفع المحدثين إلى التمحيص في محتوياته و اقتناص هنّاته، و تقديم قائمة نقد عريضة، و من ثم الدعوة إلى بناء معجم عربي حديث يتجنب فيه أخطاء المعاجم العربية القديمة ، و يزخر بالألفاظ و المصطلحات الحديثة، و يرجع أحمد مختار عمر بدء الحركة النقدية المعجمية الحديثة في العالم العربي إلى ابن الطيب الفاسي و بخاصة في عملية ” إضاءة الراموس”، مما أذكى الهمم و أوجد نهضة معجمية عربية خلال القرن التاسع عشر، كان فرسان حلبتها أحمد فارس الشدياق.(احمد مختار عمر صناعة المعجم الحديث ص:٢٨). وهو ما أكده رشاد الحمزاوي فقال بأسبقية “إضاءة الراموس” على ” الجاسوس على القاموس” للشدياق، لكن رغم ذلك فإن عمل هذا الأخير يعدُّ أول عمل معروف و متداول و مطبوع، أسس لقواعد الصناعة المعجمية في العصر الحديث، اتجه فيه صاحبه إلى القاموس المحيط للفيروز آبادي متخذا منه نموذجا للمعاجم العربية القديمة، التي كانت من أسباب وصم العربية بالتخلف عن متابعة التطور الحضاري الحديث، داعيا بذلك إلى ضرورة إعادة النظر في المعاجم العربية مادة و ترتيبا، ومن الأسباب التي دعته إلى هذا التأليف غيرته على العربية من الأخطاء التي وقعت فيها المعاجم و خاصة “القاموس”. وجاء كردٍّ على تحامل الفيروز آبادي على الجوهري و صحاحه كما رأينا سابقا، وهكذا جاء الجاسوس في ٢٤ نقدا محملا كل نقد عنوانا معينا في ٤٢٩ صفحة، وتم فيها تبيان نقائص المعاجم القديمة وهفواتها.(أحمد فارس الشدياق تعريف منهجه، محمد الهادي المغوي ص ٥٢٥).

إلى جانب الشدياق هناك أيضا ابراهيم اليازجي الذي اجتهد في إيراد الأخطاء التي وردت في لسان العرب، إذ يرى أن الكتب التي اعتمد عليها ابن منظور تضمنت الكثير من الأخطاء و التشويش، مما لا يساعد الطالب الباحث في الوصول إلى مبتغاه إلا بعد عناء طويل، كما أنه يرى أن بعضها يتميز باختصار يمنع الإفادة المرجوة، ثم راح يعدّ كثيرا من هذه الأخطاء التي يمتد تأثيرها بعيدا عن عقول الناشئة ممّن يفتقرون إلى التجربة اللازمة، و تعوزهم الثقافة الواسعة التي تمكنهم من تلاقي هذه الاخطاء(مجلة الضياء ج ٦ ص ٦٥، اليازجي ابراهيم). ولم يقف اليازجي عند نقد المعاجم القديمة، بل نقد كذلك المعاجم الحديثة كمحيط المحيط لبطرس البستاني، و بهذا يعدّ اليازجي أول من ولج باب نقد المعاجم الحديثة، حيث اقتصر مَنْ قَبله على نقد أمهات المعاجم القديمة فقط.

أما أنستاس ماري الكرملي فقد كان من القائلين بالحفاظ على اللغة العربية ولذلك فقد عرض في كتابه “أغلاط اللغويين الأقدمين”، الأخطاء التي وردت في المعاجم القديمة نحو “القاموس المحيط” و ” لسان العرب” و “تاج العروس”، والمعاجم الحديثة مثل ” المحيط المحيط “، و دون منها نحو ٢٠٠ كتاب سُرق منه أثناء الحرب العالمية الأولى ، لكنه أعاد تدوينه بعد نهاية الحرب ، ثم أمضى بقية حياته يؤلف و يبحث في المعاجم القديمة و الحديثة على حد سواء (ترجمة انستاس الزركلي خير الدين، الأعلام ج ٢ ص ٢٥).
أما مصطفى الشهابي فيعتبر أول من سعى إلى تجديد النظرية النقدية حول المعاجم بعد الشدياق (انظر الحمزاوي رشاد، من قضايا المعجم قديما و حديثا ص ٤٦). أو لِنَقُل إنه يمثل المرحلة النقدية الثانية الداعية إلى تجديد المعجم العربي، إذ شدد في نقده على مسألة ضعف المعاجم في المجال العلمي بشتى فروعه، فهو يرى أن هذه المعاجم لا تتضمن مصطلحات علمية عصرية كثيرة، و إن حَوَت بعضها فإن تعريفاتها قاصرة على أداء المعنى المقصود، ثم يضيف أن معاجمنا تخلو من التصنيف العلمي الذي يعدُّ منهجا أساسيا في العلوم العصرية، كما أشار إلى أن قضية تعريف المواد اللغوية تحتاج إلى إعادة نظر،. فهذه المعاجم فضلا عما ورد فيها من تعريفات خرافية فهي تتضمن تعريفات خاطئة (مصطفى الشهابي، عيوب المعاجم العربية ص ٣٤). ومن أهم النقاط التي ركز عليها الشهابي في نقده هي:
 اعتبار محتوى المعجم أمرا متغيرا مفتوحا يخضع لمبدأ التطور.
 ضرورة إدراج قسط وافر من مصطلحات العلوم الحديثة ضمن المعاجم العربية الحديثة و إسقاط المهجورة و الحوشية.
 الحاجة الماسة إلى توظيف منهجية علمية تربط التعريفات بتطور العلوم و المعارف.
 الاعتماد على العمل الجماعي في تأليف المعاجم.

خلاصة:
خلاصة القول في هذا المحور أن العرب منذ القديم قاموا بنقد مناهج المعاجم و محتواها و استدركوها، لكن على اعتبار أن النقد الحديث جاء أعمق إذ سعى إلى تبيان الأزمة التي تمر بها المعاجم العربية، خاصة عند مقارنتها بغيرها من المعاجم الأوروبية و مناهجها و ومحتوياتها، وهذا ما تنبه إليه الشدياق و معاصريه ممن نقدوا المعجم العربي، فالوعي المعجمي الذي تبلورت معالمه مع رواد النهضة العلمية الأدبية في مطلع ق ١٩، كان له أثر واضح في رسم مسار التطور المعجمي الحديث.

المحور الثاني: نقد ابن منظور لمن سبقوه في كتابه “لسان العرب”

أ-التعريف بابن منظور:

ولد ابن منظور في اليوم الثاني و العشرين من شهر محرم عام ثلاثين و ستمائة للهجرة (٦٣٠)، الموافق للثامن من شهر نونبر عام ١٢٣٢ م، و كان مولده في القاهرة بالرغم من نسبته إلى عدد من البلدان كتونس و طرابلس (ليبيا)، أما نشأته فقد تربى في أسرة علمية كان معظم أفرادها من أهل العلم، و هو ما ذكره أبو حيان الأندلسي في رثائه لابن منظور في إحدى قصائده. أما ابن منظور فكان شامة بارزة بين علماء عصره، فقد تميز بالعلم و سعة الاطلاع و الحفظ، كما أنه كان شغوف بالكتابة لا يملّها و اشتهر باختصار الكتب الطِّوال. و بالرغم من هذا إلا أنه لما ألف كتابه “لسان العرب” جعله أضخم الكتب حجما، و لم يختصره كما فعل مع كتب غيره، و إلى جانب هذا الكتاب الضخم اشتُهر ابن منظور بمجموعة من المؤلفات منها المطبوعة و منها المخطوطة و هي :
o المطبوعة: ” لسان العرب ”
” مختار الأغاني و الأهاني ”
” أخبار أبي نواس ”
o المخطوطة: ” تهذيب الخواص من درة الغواص ”
” مختصر مفردات ابن البيطار ”
” مختار الطبقات الكبير لابن سعد ”

ب- ” لسان العرب ” و الهدف من تأليفه:

معجم ” لسان العرب” هو معجم لغوي، يعدّ من أكبر معاجم اللغة العربية و أشملها، و يضم نحو ثمانين ألف مادة و هو معجم موسوعي يتّسم بغزارة المادة، حيث يستشهد فيه مؤلفه بكثير من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية الشريفة و أبيات الشعر، بالإضافة إلى روايته الآلاف من آراء اللغويين و النحويين و غير ذلك. ومن أسباب تأليف ابن منظور لمعجم لسان العرب هو أنه وجد أن الذين سبقوه إما أحسنوا الجمع وأساءوا الوضع والترتيب، وإما أحسنوا الوضع ولكنهم أساءوا الجمع. وقد رتب ابن منظور معجمه على نظام الأبواب والفصول، حيث يعالج كل باب حرفًا من حروف الهجاء، وفقًا لآخر جذر الكلمة. ثم يورد في كل باب فصلاً لكل حرف وفقًا لأوائل جذور الكلمات. وقد طبع لسان العرب عدة طبعات، لعل من أفضلها طبعة دار المعارف المصريّة، حيث قام بتحقيق المعجم ثلاثة من الباحثين هم محمد أحمد حسب الله وعبد الله على الكبير وهاشم محمد الشاذلي. كما أنهم أعادوا ترتيب مداخل اللسان وفق نظام ” أساس البلاغة ” للزمخشري و” المصباح المنير” للفيومي، وهو الأسلوب المتّبع في معظم معاجم اللغة العربية الحديثة، حيث رُتبت المواد تبعًا لأوائل الجذور لا أواخرها.
وأراد ابن منظور بكتابه أن يجمع بين صفتين : الاستقصاء والترتيب ؛ اذ كانت المعجمات السابقة – كما يقول – تعنى بأحد هذين الأمرين دون الآخر، و أخذ على نفسه أن يأخذ ما في مصادره الخمسة بنصه دون خروج عليه ، واعتبر هذا جهده الوحيد في الكتاب، وتبرأ من تبعة أية أخطاء محتملة بأن ما قد يقع في الكتاب من خطأ هو من الأصول ، و أنه تصرف قليلا في النهاية فغير شيئا من ترتيبها.
ج – مصادر ” لسان العرب” :
اعتمد ابن منظور في معجمه على خمسة مصادر، فكان منها ما جمع منه المادة و الشواهد القرآنية و الحديثة و غيرها، و منها ما اعتمد منهجه في ترتيب المواد و هذه المصادر هي كالتالي:

 تاج اللغة و صحاح العربية:

صاحبه هو الجوهري بن كبار أئمة اللغة، سمّاه بهذا الاسم لأنه جمع فيه ما صحّ عنده من كلام أهل اللغة، كما انتهج في ترتيب مواده النظام الألفبائي، فكان أول من استعمل هذا النظام، و لكنه جعل ترتيب الكلمات فيه على أساس الحرف الأصلي الأخير في الكلمة و سُمِّي بترتيب القافية، إذ قسم معجمه إلى ٢٨ بابا، و لقد أعجب ابن منظور بترتيبه و ارتضاه في معجمه لسان العرب، إذ يقول في مقدمة معجمه ” شرطنا في هذا الكتاب المبارك أن نرتّبه كما رتب الجوهري صِحاحه..”، كما أنه أشاد كثير بالصحاح في مقدمته إذ يقول (الجوهري قد أحسن ترتيب مختصره وشهره، و بسهولة وضعه…) و لم يكتف ابن منظور بانتهاج منهج الصحاح في الترتيب فقط، بل أخذ منه المادة كذلك، و كان كثيرا ما يستشهد بأقوال الجوهري في تفسير الكلمات وبيان معانيها.

تهذيب اللغة:

صاحبه هو الأزهري أحد أئمة اللغة، و يعد التهذيب من المعاجم التي تنتمي إلى المدرسة الصوتية، فقد نهج فيه الأزهري منهج الخليل في ترتيبه للعين، غير أن التهذيب يتوسع في شرح المادة أكثر من الخليل، في ذكر الاستشهادات و المنقولات، و يعد التهذيب من أهم الكتب التي اعتمدها ابن منظور في تأليف لسان العرب، و له مكانة خاصة عنده إذ وصفه بأنه أجمل كتب اللغة (مقدمة لسان العرب ص ٧).

المُحْكَم و المحيط الأعظم :

لمؤلفه ابن سيدة، و ينتمي المحكم لمدرسة الخليل المعجمية، فهو لم يخرج عن منهج الخليل في ترتيب المعجم، إلا أن ابن سيدة قسم معجمه إلى حروف على ترتيب مخارج الحروف و تحت كل حرف عدة أبواب، و اعتمد ابن منظور عليه لأنه في نظره أكمل كتب اللغة، كما وصفه في مقدمة معجمه (ص٧)، و يعتبر هذا الاعتماد تنويعا منه في مصادر اللغة و آراء أهل المغرب و المشرق من اللغويين، كما استعان بالمحكم في الصيغ و المشتقات التي لم يعثر عليها في التهذيب، و استفاد منه في ترتيب مواده داخل الجذر.

حواشي ابن بري :

لمؤلفه محمد بن عبد الله بن برِّي، أحد علماء النحو و اللغة، كان ناقدا لغويا متمكنا، اشتُهر كتابه باسم ” حواشي ابن بري على الصحاح “، غير أن الاسم الكامل للكتاب هو ” التنبيه و الإيضاح عما وقع في الصحاح “، فهو كتاب نقدي لغوي أدبي، ذلك أن ابن بري تتبع الصحاح و استخرج أخطاءه و صحّحها، و لذلك كان أفضل معين لابن منظور في استفادته من الصحاح، كما أنه كان لابن منظور فضل كبير في حفظ حواشي ابن بري من خلال لسان العرب.

 النهاية في غريب الحديث:

لصاحبه ابن الأثير أحد العلماء الجهابذة، و ينتمي هذا الكتاب إلى علم غريب الحديث، و قد ألف في العديد من الكتب، و لقد كان هذا الكتاب أحد الركائز التي بنى عليها ابن منظور معجمه، خاصة في جانب الاستشهاد بالأحاديث و الآيات و القصص، و في تفسير الكلمات وغريبها.
لقد كانت هذه المصادر الأساسية هي المعتمدة عند ابن منظور في معجمه، غير أن هناك من الباحثين من أضاف لهذه المصادر مصدر آخر و هو “جمهرة اللغة” لابن دريد، غير أن ابن منظور لم يثبت هذا المصدر فكيف تنبه هؤلاء الباحثين إلى ذلك؟ وقد صحح هذا الخطأ كل من حسين نصار و أحمد تيمور في نفيهم لهذا القول.

د – نقد ابن منظور للمصادر الخمسة:

لقد بين ابن منظور في مقدمته أنه إنما تقل عن مصادره الخمسة فقط، و ليس له الفضل غير أنه جمع المادة المتفرقة بين هذه المصادر الأساسية، و أن أي صواب أو خطأ إنما مرجعه المصدر الأصلي، كما يقول: ” فمن وقف فيه على صواب أو زلل، أو صحة أو خلل، فعهده على المصنف الأول، و حمده و ذمه لأصله الذي عليه المعول، لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، و لم أبدل منه شيئا، فيقال فإنما أتم على الذين يبدلونه بل أديت الأمانة في نقل الأصول بالفص، و ما تصرفت فيه بكلام ما فيها من النص، فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة.”
من خلال هذا الكلام الذي ذكره ابن منظور ظن الكثير من الباحثين أن ابن منظور إنما كان ناقلا فقط، فوجهوا له انتقادات و بهتوه جهده، فقد أغرى هذا الكلام الكثير من الباحثين و ثبت لديهم أن ابن منظور ليس له في العمل سوى جمع و ترتيب كلام الأولين، فهضموه حقه و جهده، و إنما كان هذا الكلام من ابن منظور على سبيل التواضع و هضم النفس، وهذا معلوم مشهور معهود عند العلماء، فابن منظور لم يقف عند هذه الكتب الخمسة بل أضاف فوائد من قراءته و سماعه و نقل ونفد، فهذا الكلام يفند من نظر جيدا في لسان العرب و أمعن في تفسير مواده، و تأمل في لسان العرب يعلم جيدا أن ابن منظور إنما كان له الفضل كبيـ ولهذا نجد العديد ممن أدمنوا النظر في لسان العرب من السابقين و المعاصرين يردن هذا الكلام، منهم عبد اللطيف صوفي و الذي دافع عن ابن منظور ورد هذا الادعاء الباطل إذ يقول: ” و لكن لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أنه اعتمد عملية النقل فقط، صحيح أنه نقل شروح المواد اللغوية كما وردت في هذه الكتب، و لكنه أضاف إليها أشياء كثيرة من شروح و شواهد قرآنية و حديثية و شعرية، و من مأثور كلام العرب، و حوادثهم، و قد بدل في ذلك جهدا كبيرا، حتى أخرج لنا كتابا من أكبر معاجمنا اللغوية قاطبة.”
لقد كانت لابن منظور جهود في اللسان من جمع المادة و التدقيق فيها، و سنحاول أن نثبت هذا الجهد النقدي لابن منظور في اللسان، فهو لو يكن مجرد ناقل فقط، بل كان ناقلا و ناقدا في آن واحد، فقد استعان برصيده العلمي في نقد و تصحيح الأخطاء التي وقعت في المصادر الخمسة، كمت استدرك عليها جذورا و صيغا لغوية لم يجدها فيها، كما كانت له جهود في تحقيق نصوصها ورد كثيرا من الآراء التي تخالف رأيه اللغوي و معتقده الديني و سنحاول أن نكشف عن الجانب النقدي في ابن منظور.

لقد تتبع ابن منظور مصادره الخمسة و صحح ما رآه غير صواب، و سننقل بعض تتبعاته للأصول الخمسة.
1 – تهذيب اللغة:
لقد أعجب ابن منظور بالتهذيب و مدحه في مقدمته، غير أنه لم يسلم بالأخذ عنه دون تتبع بل كان يعمل حسه النقدي في ما ينقله و من هذه التصحيحات نذكر:
نقل عن الأزهري قوله: ” و البرج: وتحد من بروج الفلك، وهي اثنا عشر برجا، كل برج منها منزلتان، و ثلث منزل للقمر، و ثلاثون درجة للشمسـ إذا غاب منها ستة طلع ستة، و لكن برجٍ اسم على حدة، فأولها الحمل، و أول الحمل الشرطان، و هما قرنا الحمل كوكبان أبيضان إلى جنب السمكة، خلف الشرطين البطين، وهي ثلاثة كواكب، فهذان منزلان و ثلاث للثريا من برج الحمل.”
ثم تعقبه ابن منظور بقوله: ” قال محمد بن المكرم: قوله كل برجٍ منها منزلتان و ثلث منزل للقمر و ثلاثون درجة للشمس كلام صحيح، لكن الشمس و القمر سواء في ذلك، و كان حقه أن يقول: كل برج منها منزلان، و ثلث منزل للشمس و القمر و ثلاثون درجة لهما. و قوله أيضا: و أول الحمل الشرطان و هما قرنا الحمل، إلى و ثلث للثريا من برج الحمل” و يظهر من خلال هذا أن ابن منظور كان له علم بالفلك و النجوم، فقد كان دقيقا في تصحيحه.
نقل عن التهذيب معني البسملة إذ يقول: بسمل: ” التهذيب في الرباعي: بسمل الرجل إذا كتب بسم الله بسملة، و أنشد قول الشاعر:
لقد بسمَلَتْ ليلى غداة لقيتها فيا حبَّذا ذاك الحبيب المُبسْمِلُ
قال محمد بن مكرك: كان ينبغي أن يقول قبل الاستشهاد بهذا البيت: و بسمل إذا قال بسم الله أيضا، و ينشد البيت. و قال: قد أكثر من البسملة أي من قول بسم الله ” .

و هكذا يظهر لنا بدقة فطنته و فهمه، فقد تنبه لهذا التقييد من الـزهري للبسملة فقصرها على الكتابة و هي أشمل من ذلك، فوجه التقييد هنا بالكتابة لا يصلح. فالأزهري نقل هذا القول من معجم العين حرفيا .
2 – الصحاح:
كانت التصويبات ابن منظور على الصحاح عديدة، فكانت تنبيهاته غير تنبيهات ابن بري على الصحاح، فأضاف تنبيهات أخرى تذكر منها مثالين:
تعقب على الصحاح في معنى شَطٍبٌ فقال: ” اسم جبل. و رأيت في حواشي نسخة موثوقة بها: هكذا وقع في النسخ، و الذي أورده الفارابي في ديوان الأدب، و الذي رواه ابن دريد، و ابن فارس: شَطِبٌ، على فعل: اسم جبل، و الله أعلم ”
نقده للصحاح في معنى كلمة ” وَقَبضتْ ” قال ابن منظور: ” و وَقَبَتِ الشمس وقبا و وُقُوبا: غابت؛ و في الصحاح: و دخلت موضعها.
قال محمد بن المكرم: في قول الجوهري دخلت موضعها، تجوز في اللفظ، فإنها لا موضع لها تدخله، و في الحديث: لمل رأى الشمس قد وَقَبَتْ قال: هذا حين حِلِّها؛ وَقَبَتْ أي غابَتْ؛ و حين حلها أي الوقت الذي يحل فيه أداؤها، يعني صلاة المَغْرِبِ ”
3 – المحكم:
لقد تتبع ابن منظور المحكم و أعمل فيه النقد و لم يكن يأخذ منه دون مراجعته بل صحح كثيرا من المواد الواردة فيه، ومن أمثلة ذلك:
تعقبه لابن سيدة في تحريفه لكلمة ” سبح إلى سبج ” قال : و قد ذكر ابن سيدة في ترجمة سَبَجَ، بالجيم، ما صورته: و السباجُ ثيابٌ من جُلودٍ، واجدتها سبْحَة، و هي بالحاء أعلى على أنه أيضا قال في هذه الترجمة: إن أبا عبيدة صحَف هذه الكلمة ورواها بالجيم كما ذكرناه آنفا، و من العجب و قوعه في ذلك مع حكايته عن أبي عبيدة أنه وقع فيه، اللهم إلا يكون وجد نقلا فيه، و كان يتعين عليه أنه لو وجد نقلا فيه أن يذكره أيضا في هذه الترجمة عند تخطئته لأبي عبيدة و نسبته إلى التصحيف ليسلم هو أيضا من التهمة و الانتقاد.”
و صحح ابن منظور قافية بيت نقله عن ابن سيدة في محكمه ما نَصه: ” قال ابن سيده و الدُّرداقس: عظم القفا قيل إنه أعجمي، و قال الأصمعي: أحسبه روميا، قال و هو طرف العظم الناتئ فوق القفا، ـنشد أبو زيد:
من زَالَ عَنْ قَصْدِ السَّبيلِ، تَزَيَلَتْ بالسيف هَامَتُه عَنِ الدُّردقاس
قال محمد بن المكرم: أظن قافية البيت الدُّرداقس، و الله أعلم. ”
4 – حواشي ابن بري:
و رغم كون حواشي ابن بري هو من كتب النقد اللغوي إلى أن ابن منظور لم يقف موقف الناقل فقط، بل تتبعه و حاول تصحيح أخطائه و منها:
تصحيحه لمعنى من معاني علم الفلك فنقل كلام ابن بري ثم علق عليه إذ يقول ” قال ابن بري: …التنين نجمٌ من نجوم السماء… و تسمِّيه الفرس الجَوْزَهَرُ، و قال: هو مما يعد من النُّحُوسِ؛ قال محمد بن المكارم: الذي عليه المنجمون في هذا أن الجوزهر الذي هو رأس التِّنين يعد مع السعود، و الذنب مع النُّحوسِ.”
و هنا ملاحظة ذكرها أحمد السواحلي بقوله: و الأمر الجدير بالذكر أنه لا يطيل في تعليقاته أو انتقاداته الفلكية أو التاريخية و إطالة في الأمور اللغوية، لشعوره بأنه لا تعني اللغويين كثيرا، وحتى لا يخرج الكتاب من مراميه و أهدافه التي تنحسر في اللغة و معنى المعجمية. ”
– تصحيحه لمعنى بيت توعهّم فيه ابن بري قال: ” قال ابن بري: وَشاهِدُ الشَّنونِ من الإبل قولُ زهيرٍ:
منها الشَّنون و منها الزِّاهِقُ الزِّهِمُ
-قال ابن منظور- و رأيت هنا حاشية: إن زُهيرا وصف بهذا البيت خيْلا لا إِبلا “.
فهنا عمل تحقيقي مبكر أظهره ابن منظور فقارن بين حاشية الصلاح، و بين حاشية ابن برّي و رجّح في ذلك الصواب.
5 – النهاية لابن الأثير
لقد استصحب ابن منظور النهاية و هو يدرك قيمته، فهو يجمع بين علمين جليلين علم الحديث و علم اللغة، فكان بالنسية له الوعاء الذي يغرف منه أفضل ما يزين بهما كتابه ألا و هو كتاب الله و سنّة نبيِّه، و لكن المتأمل جيدا يدرك أن ابن منظور قد تصرف كثيرا في ما أخذ من النهاية ، فقد حذف كلمات و أضاف أخرى و عقّب على بعضها و ضبط العديد منها، و أكمل ما رآه ناقصا من وجهة نظره ، و سنذكر أمثلة توضح ذلك منها:
– تعقيبه على ابن الأثير في معنى كلمة بُهْما، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ” يُحْشرُ الناسُ يوم القيامةِ حُفاةً عُراةً عُزْلاً بُهْماً ” قال : ” قال أبو عبيدٍ: فمعناه عندي أنه أراد بقوله بهما، يقول: ليس فيهم شيء من الأعراض و العاهات و العور و العرج و الجدم و البرص و غير ذلك من صنوف الأمراض و البلاء، و لكنها أجساد مبهمة مصححة لخلود الأبد، و قال غيره: لخلود الأبد في الجنة و النار، “ذكره ابن الأثير في النهاية”، قال محمد بن المكرَّم: الذي ذكره الأزهري و غيره أجسادٌ مصححة لخلود الأبد، و قول ابن الأثير في الجنة أو في النار فيه نظر، وذلك أن الخلود في الجنة إنما هو للنعيم المحض، فصحّة أجسادهم من أجل التّنغّم، و أما الخلود في النار فإنما هو للعذاب و التأسف و الحسرة، و زيادة عذابهم بعاهات الأجسام أتمٌ في عقوبتهم، نسأل الله العافية من ذلك بكرمه.
– تعقيبه على ابن الأثير في معنى كلمة “مثقال” قال: ” ابن الأثير: و في الحديث ( لا يدخل النار من قلبه مثقال ذرة من إيمان)، المثقال في الأصل: مقدار من الوزن أيّ شيءٍ كان من قليلٍ أو كثيرٍ، فمعنى مثقال ذرّة وزن ذرّة، و الناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة و ليس كذلك؛ قال محمد بن المكرّم: قول ابن الأثير الناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة قول فيه تجوّز، فإنه إن كان عنى شخص الدينار فالشخص منه قد يكون مثقالا و أكثر و أقل ، و إن كان عنى المثقال الوزن المعلوم، فالناس يطلقون ذلك على الذّهب و على العنبر و على المسك و على الجوهر و على أشياء كثيرة قد صار وزنها بالمثاقيل معهودا كالتِّرياق و الرّواند و غير ذلك، و زنة المثقال هذا المتعامل به الآن: درهم واحد و ثلاثة أسباع درهمٍ على التحرير، يوزن به ما اختير وزنه به، و هو بالنسبة إلى رجل مِصْرِ الذي يوزن به عشر عشر رطل. ”
و من خلال ما أوردناه من نقولات يسيرة عن ابن منظور، يتضح جليا بُطلان تلك الدعاوي التي اتهمت ابن منظور بالنقل فقط دون جهد آخر يذكر، وقد ظهر لنا الآن أن ابن منظور كان به حس نقدي تجلى في تعقيباته و تصحيحاته و إضافاته و تصويباته للمصادر الخمسة، كيف لا وهو اللغوي و الأديب الذي اشتُهِر باختصار الكتب، و عرف عنه العلم و سعة الاطلاع.

الخاتمة
هكذا نكون قد استوفينا موضوع عرضنا حظه من التنقيب و التحليل متتبعين في ذلك مسارا تاريخيا تصاعديا منذ بداية النقد المعجمي القديم وصولا إلى المعجم المعاصر.
و قد بينا في سياق تحليلنا للموضوع كيف تطورت حركة النقد المعجمي سواء عند القدماء أو عند المحدثين، و كيف كان لهذه الحركة النقدية الفضل الكبير في إثراء اللغة العربية و العمل على الحفاظ عليها و صيانتها من الأخطاء و الأوهام، و نفي ما قد يعتريها من التصحيف و التحريف، لأن العلماء شمَّروا عن سواعد الجد و أكبُّوا على أمهات اللغة يبحثون و يمحِّصون للوصول الى الحقيقة والصواب، و كان لهذه البحوث و الدراسات المختلفة أثر واضح في محاولة الوصول إلى الأسس السليمة لصناعة المعجم العربي مادة و ترتيبا و تفسيرا و عرضا.

لائحة المصادر و المراجع
* لسان العرب، ابن منظور، دار صادر بيروت، ط ٣، ١٤١٤ ه.
* العين، الخليل ابن أحمد الفراهيدي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٢٢٤ه.
* تاج اللغة و صحاح العربية، الجوهري، دار العلم للملايين ببيروت، ط ٤، ١٤٠٤ه.
* القاموس المحيط، الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، ط ٨، ١٤٢٦ه.
* صناعة المعجم الحديث، أحمد مختار عمر، عالم الكتب للنشر والتوزيع و الطباعة مصر، ط ٢، ٢٠٠٩م.
* الجمهرة، ابن دريد، دار العلم للملايين ببيروت، ط ١، ١٩٨٧م.
* الخصائص، ابن جني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ٤.
* من قضايا المعجم العربي قديما و حديثا، الحمزاوي رشاد، دار الغرب الاسلامي، دون طبعة، ١٩٨٦ه.
* المعجم العربي نشأته و تطوره، حسين نصار، دار مصر للطباعة، ط ٤، ١٩٨٨م.

2 تعليقات
  1. فتاح ادريس يقول

    السلام عليكم
    أنا باحث دكتوراه في المعجمية من جامعة الجزائر مهتم بالنقد المعجمي ممكن دراسات او بحوث

    1. غمراسي خليدة يقول

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته للأسف من بين الصعوبات التي واجهتني في موضوع النقد المعجمي هو ندرة المصادر و المراجع على حد علمي وما استعنت به في هذا المقال وجود مقالة للدكتور الرابون عبد الإله في مجلة اللسان العربي بعنوان حركة النقد المعجمي وهناك كتاب رشاد الحمزاوي من قضايا المعجم العربي قدينا وحديثا أعانك الله ووفقك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.