منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقهُ ردِّ الإمامِ في الصلاة

الدكتور وائل الزرد من فلسطين

0

فقهُ ردِّ الإمامِ في الصلاة
بقلم: الدكتور وائل الزرد من فلسطين

وقفتُ أمام الناس قبل صلاة المغرب، وقلت لهم: وصلت في القراءة إلى سورة الملك، وأكثر المصلين يحفظون آخر جزئين من القرآن، فلو أخطأت في الصلاة فذروني ولا تفسدوا عليَّ صلاتي بكثرة الرد، ولكم من أول قراءتي للختمة وأنتم صامتون، فأكملوا معروفَكم بصمتكم -يرحمكم الله-، وشرعتُ في الصلاة، وقدَّر الله أن أخطأ في أول آيات سورة الملك -وهي سهلة يسيرة- فتوقفت لأستذكر الآيات، ولكني تفاجأت بصوت مرتفع من آخر الصفوف، يبادر فيصحح لي على عجل، دون أن ينتظر مني تصحيحًا، فأنصتُ له ثم أكملت قراءتي ولكن -سبحان الله- أخطأت مرة ثانية، فإذا بنفس الصوت يصحح مناديًا بصوت أعلى من الأول، فتضايقت ولم أستطع أن أكمل القراءة من شدة الغضب، لأنني أنذرت الناس وحذرتهم، فكبَّرت وركعت لأنهي الصلاة.

وكنتُ قد نويت بعد الصلاة أن أقف فأنال من الذي تعجل فصحَّح لي القراءة دون أن ينظرني، ولكني ما أن سلمتُ من الصلاة حتى هدأتُ وتركت الأمر، ولكني بقيت أرغب في معرفة هذا المتعجل في الرد، وفجأة جاء أحد الإخوة المصلين، وسلَّم عليَّ وقال لي: “بالله عليك تسامحني” قلت: على أي شيء؟ قال: “حين بدأتَ في الصلاة وطلبت منا عدم الرد، قلت في نفسي: يا رب الشيخ وائل يخطأ في الصلاة لأرده فيها، فأنا لا أحفظ إلا سورة الملك فقط”!
كان هذا الحدث قبل أكثر من 20 عامًا كما أذكر…

أكتب هذا المقال -طبعًا- لأنني وقفت أمامًا ولا زلت منذ عام 1996 يوم أن كنت موظفًا في وزارة الأوقاف بغزة، إمامًا للمسجد العمري الكبير، وأعرف ماذا يصيب الإمام حين يخطأ في القراءة أولًا، ثم ما الذي يصيبه حين ينطلق الناس ليصححوا له القراءة ثانيًا، نعم يصيبه حالة من تضارب المشاعر، خاصة إن كان الإمام لم يخطأ ولكنه توقف قليلًا ليلتقط نفسه، أو ليبلع ريقه، أو ليفكر في معنىً بدا له، أو ليجيب سريعًا عن سؤال عنَّ له في آية أو كلمة، أقول: كل ما سبق لن يشفع للإمام حين سكوته، فالمصلون وراءه له بالمرصاد، ينتظرون توقفه -ولا يعنيهم سبب توقفه- ليبدأوا بالتصويب ابتداءً بمَن يلي الإمام وانتهاءً بآخر مُصلٍّ!
إن مما يجب أن يعلمه المصلون أن ردَّ الإمام فقهٌ، وليس لهوًا ولا لعبًا، ولذا كان الأليق بمن يقف وراء الإمام أن يكون ذا فقه وحلم، لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “ليلينِّي منكم أولو الأحلامِ والنُّهى ثمَّ الَّذينَ يلونَهُم ثمَّ الَّذينَ يلونَهُم ولا تختلِفوا فتختلفَ قلوبُكُم” رواه مسلم 432.

وهؤلاء “أُولُو الأحلَامِ والنُّهى” هم الأقدر على فهم الأمام ومعرفة متى يردون ومتى يصمتون، فالقضية ليس ملعبًا يحتاج إلى تسابق وتسجيل نقاط وأهداف، إنها صلاة تحتاج ألى سكينةٍ وحِلمٍ ونُهى، والمعنى: “ليقِفْ خَلْفي في الصَّلاةِ أَصحابُ العُقولِ والأفهامِ؛ وذلك ليَحْفظوا عنه ويَعُوا ما كان منه في صَلاتِه، وهكذا تكونُ الصُّفوفُ وراءَ كُلِّ إمامٍ، وكذلك يَشمَلُ هذا مَن يَصلُحُ أنْ يُلقِّنَ ما تعايا عليه مِن القِراءةِ، ومَن يَصلُحُ للاستِخلافِ للصَّلاةِ إذا حدَثَ شَيءٌ للإمام” منقول.
ومن فقه ردِّ الإمام: أن يصمت المصلون ولا يعجلوا بالرد، وأن يعطوا الإمام مساحة لمراجعة ما يحفظ سريعًا، وألا يبادروا بالرد إلا إذا استطعمهم الإمام كما هو المأثور عن علي -رضي الله عنه- قال: “من السنة أن تفتح على الإمام إذا استطعمك، قال الراوي: قلت لأبي عبد الرحمن السلمي: ما استطعام الإمام؟ قال إذا سكت” خاصة إن عُلم أن رد الإمام بلا فقه وعلم، وبعجلة ودون روية قد تعرض صلاة الإنسان إلى البطلان، على قول أبي حنيفة وابن حزم، ناهيك عما في ردِّهم من تضايق كثير من الأئمة.

ومن فقه ردِّ الإمام: أن يترك المُصلونَ الإمامَ -حتى ولو أخطأ- إن كان تصويبُه سيدخله في ربكةٍ تبطلُ صلاته، حتى لا يدري كم صلَّى ولا أين هو في صلاته.

ومن فقه ردِّ الإمام: ألا يُبادر بردِّ الإمام إلا من يليه، وبصوت منخفض، وبأقل الإشارات الموحية بالتصويب، فلا يُعلي الرادُّ صوته بالرد وكأنه يظهر عضلاته ليسمعه المصلون، ولا يسرد عليه آيات حتى يذكره بما نسي والكلمة تكفي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.