في الحاجة إلى فقه “المطالب”
الدكتور محمد جعواني
إن مما اتفقت عليه كلمة المحققين من أهل العلم أن الشرائع إنما وضعت لتحقيق مصالح العباد في الدارين.
وقد أسهب فقه “المقاصد” في بيان وتأصيل وتفصيل تلك المصالح من حيث أنواعها ورتبها ومتعلقاتها.
ولعل من أبرز تلك المصالح: مصلحة “وحدة المسلمين” واجتماع شملهم وكلمتهم تحت حكم رشيد. ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾[الأنبياء، 92]، ﴿وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾[المؤمنون، 52]
وإن المتأمل في تاريخ المسلمين يدرك حجم التصدع والفرقة التي أصابت كيان الأمة الإسلامية. فبعيد وفاة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بعقود معدودة أطلت الفتنة برأسها، وثارت حمية الجاهلية، فسفكت دماء زكية وقطعت رؤوس شامخة، وانقسم الناس شِيعا.
طبعا، قاوم مَن قاوم من أهل الحق، ومانع مَن مانع من أهل الصدق، واجتهد مَن اجتهد من أهل العلم، فأصاب بعضهم وأخطأ آخرون.
كانت الصدمة مبكرة، والانكسار حادّا، والتحول مؤلما.
غُيّبت الشورى، وصال السيف.
أصبحت الدعوة تابعة خادمة للدولة (السلطة)، بعد أن كانت مقدَّمة متبوعة.
تنازع السيف والقلم، فتوارى رجل القلم (العلم) لزوايا العلم الفرعية الفردية، وترك المجال العام وشأنه مُترعا لرجل السيف (السلطة).
تلك مرحلة من تاريخنا، فهل نطويها ولا نرويها؟ كما طالب البعض رافعا شعار: “تلك دماء طهّر الله منها أيدينا وسيوفنا فلا نلوّث بها ألسنتنا”.
أم نقف عندها متأملين ما الذي جرى، وكيف جرى، وهل كان بالإمكان دفع ما جرى، وما المطلوب فعلُه لتفادي تكرار ما جرى.
أخرج الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير، وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لتُنقضَنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”.
وفي الحديث تشبيه بليغ للإسلام وشرائعه بلباس له عرى (أزرار) تضمه وتجمعه، وسيأتي عليها النقض والحل تدريجيا.
ثم توالت الأيام ونوائب الدهر، والجسم مصاب رأسه (انتقاض عروة الحكم)، ووصفة الدواء جاهزة لكنها بعيدة المنال، فاستشرى الداء إلى باقي الأعضاء( انتقاض باقي عرى الإسلام)، وجاءت لحظة الانقضاض على “الرجل المريض”(الدولة العثمانية)، فأُعلن رسميا عن نهاية “الخلافة”، وبدأ توزيع الغنيمة، فقسمت الديار كما يقسم الطفل خربشاته بقلم ومسطرة على ورقة الرسم.
فصارت الأمة الواحدة دويلات وأقطارا، ولكل وجهة هو موليها.
وأصبح الحديث عن الوحدة “المقصد” في واقع التجزئة والتشظي أملا من الآمال، وذكرى للمارّ على الأطلال، وتغريدا خارج الإطار.
فواقع الحال يدعو للحديث عن الوحدة “المطلب” العقدي والشرعي والوجودي، وبيان سبل تحقيقها من فِعل راشد مسؤول يؤطره تصور محكم.
مع التأكيد على راهنية مطلب “الفقه الجامع الكلي”، الذي يجمع شتات العلم (أصولا وفروعا) لإعادة سبك ما انفرط وانتقض من عرى الإسلام.
وقبل ذلك وبعده توكل واطراح على باب الملك الوهاب الذي بيده القلوب والأفئدة، ليجمع الشمل ويؤلف الجمع. ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم﴾[الأعراف، 63-64]
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.