منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جيمس واطسون توفّي اليوم.

جيمس واطسون توفّي اليوم./ محمد أنفلوس

0
جيمس واطسون توفّي اليوم.
محمد أنفلوس
لو كان في التاريخ العلمي ما يمكن أن نطلق عليه «أعظم اكتشاف في تاريخ العلم»، فالكثير من مؤرّخي العلوم سيختارون دون تردّد اكتشاف بنية الحمض النووي (DNA)، تلك المادة الوراثية التي تختزن كل المعلومات الخاصة بالكائن الحي وتُنقل من جيلٍ إلى آخر.
في اللحظة التي توصّل فيها جيمس واطسون وفرانسيس كريك إلى هيكل الحمض النووي، اكتملت حلقة علمية بدأت قبل عقود مع العالم غريغور مندل، الذي طرح سؤالًا جوهريًا: ما الصفات الوراثية؟ ولماذا تنتقل من جيلٍ إلى جيل؟ وهو في الحقيقة سؤال الحياة ذاته، السؤال الذي قامت عليه البيولوجيا الحديثة.
نال واطسون شهرة واسعة ومسيرة علمية مذهلة بكل المقاييس؛ فقد حصل على جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وظلّ طوال عقود يُعامَل في الأوساط العلمية كأيقونة في مجاله. لكن في عام 2007، أدلى بتصريحات صادمة حين قال إن ذوي البشرة السوداء أقل ذكاءً من البيض، وإن من حقّ الأمهات أن يقرّرن الإجهاض إذا ثبت أن الجنين يحمل جينات للمثلية الجنسية. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة عزلة واطسون، إذ نُبذ من المجتمع العلمي وخفت صوته الذي كان يومًا صاخبًا.
لم يتوقف جدله عند المسألة العِرقية، بل امتدّ إلى مجالات أخرى؛ فكان يُدلي بآراء مثيرة حول دور مضادات الأكسدة في أمراض السرطان والسكري والألزهايمر، ثم أسّس شركة للمكمّلات الغذائية، مروّجًا لمنتجات من نوع بذور المشمش والزنجبيل والبردقوش، مما زاد من فقدان مصداقيته العلمية.
وهكذا برزت المفارقة: رجل يُعدّ من أعظم علماء التاريخ، لكنه كلما تكلّم أطلق كلامًا أقرب إلى الهراء، حتى صار مثالًا للعالم الذي تحوّل إلى شخصية مثيرة للشفقة، يذكّرنا بذلك الموظف الذي يحتلّ منصبًا حساسًا ويملأ المجالس بآراء ساذجة.
ومع مرور الوقت، بدأ واطسون يُظهر مرارة وانكسارًا نفسيًا واضحين؛ كان يتحدّث علنًا عن خيبة أمله من تراجع مكانته وعن تحوّل الناس من تبجيله إلى السخرية منه، حتى صار في نظر كثيرين “أبله القرية” بعد أن كان رمزًا للعبقرية.
وزاد الجدل بعد نشره سيرته الذاتية الشهيرة «اللولب المزدوج» (وهي مترجمة إلى العربية)، إذ نسب فيها الفضل في اكتشاف الحمض النووي إلى نفسه بالدرجة الأولى، ما أثار غضب زملائه المشاركين في المشروع.
رحيل واطسون، رغم انعزاله الطويل، يعيد إلى السطح النقاش القديم حول حدود دور العالِم في النقاشات الفكرية والأخلاقية، ويذكّرنا بأن العلم لا ينفصل عن الفلسفة. وسيظلّ أشخاص مثل واطسون يذكّروننا بأنه لا وجود لعلم نقيّ خالٍ من المواقف الفكرية أو الأخلاقية.
فهذا المنجز العظيم الذي نسمّيه «العلم» هو نفسه الذي منحنا القنبلة الذرية والتجارب على البشر وأدوات الهيمنة والمراقبة، تمامًا كما منحنا معرفة الحياة نفسها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.