تَقدُّمه التكتيكي لا يحجب ورطته المركّبة.. الكيا-ن يتصدّع
عبد الرحمن خيزران
صورة الغبار المتطاير جراء شدّة التدمير لا تعكس -بالضرورة- قوة باطشة، بل قد تخفي في أحايين كثيرة ضعفا كامنا، سرعان ما تبرز حقيقته مع انجلاء كامل الصورة، حين ينكشف “المستعلي” وهو يمتطي حمارا أجرب لا فرسا أصيلا كما كان يدعي وكما صورت “اللقطة” المعزولة عن “المشهد”.
تقتيله اليومي لعشرات المدنيين العزل، تدميره العنيف لكل شيء يمت إلى الحياة، عربدته التي لم توفر لا أطر الصحة ولا رجال الإعلام ولا معظم دول الإقليم ولا حتى قوات اليونيفيل، استعلاؤه في المؤسسات الدولية بخطاب صفيق طال كل من أبدى أدنى اعتراض على المذبحة، تقسيمه غز-ة وتوطين جنده في نتسر-يم ور-فح، تطهيره العرقي وتهجيره وتقتيله السكان الصامدين في جبا-ليا وبيت لا-هيا ومدن الشمال، اغتياله هن-ية ونص-ر الله والسنو-ار… كل تلك “الإنجازات”، وغيرها، كانت مجرد تقدم تكتيكي للكيا-ن، وبأرباح صغيرة، ولم تكن مكاسب استراتيجية، من شأنها أن تغيّر معادلة “الاحتلا-ل والتحر-ر” وتثبّت أوضاعا جديدة تمنح الكيا-ن “نصرا استراتيجيا” بحق.
هكذا تقول المقاو-مة دائما كلّما ظن العدو أنه حقق إنجازا نوعيا (إنه مجرد تقدم تكتيكي)، وتلك قراءتها. تقول ذلك وهي في ميدان المواجهة الأول، تدرك حجم قدرتها وقدرة الكيا-ن. وهو الشيء الذي تنطق به الحقائق الشّاخصة حين تتجمع أطراف الصورة المتشظية.
بعد 462 يوما من العدو-ان والهمجية الصهيونية وحرب الإبادة الأعنف في التاريخ المعاصر، هذه صورة المشهد:
1- ضربات على القفى من كل جانب.. ادخلوا عليهم الباب
ما يزال الكيا-ن يتلقى الضربات من كل جانب، إذ لم يستطع جنونه الدموي أن يوقف ساحة واحدة أو يحدّ من وَهَجها (عدا الساحة اللبنانية):
– في القطا-ع: لا يمر يوم واحد دون خسائر حقيقية في جيش الدو-يلة اللقيطة، أول أمس فقط أجهزت كتا-ئب القسا-م على نائب قائد سرية (وأين؟) في شمال غز-ة المحاصر منذ ثلاثة أشهر تقريبا، كما قتلت وتقتل يوميا عساكر الكيا-ن في مختلف محاور المواجهة. وقبل ثلاثة أيام تم الإعلان عن تدمير 5 دبابات إسرا-ئيلية وهو ما تكرر قبل يومين (7 يناير 2025) باستهداف 3 دبابات مير-كافا. سرا-يا القد-س بدورها استهدفت العديد من جند الاحتلا-ل وآلياته هذا الأسبوع، بل وقصفت مغتصبات الكيا-ن ومستوطنا-ته.
– وفي الض-فة: حركة لا تهدأ وإصابات موجعة، هي ثمرة مقاو-مة باتت راسخة الوجود في جني-ن ونا-بلس وطو-لكرم…. (هل تعلم أن أعمال المقاو-مة في الض-فة والقد-س بلغت هذا الأسبوع فقط 131عملا مقاو-ما، أسفر عن مقتل 3 مستو-طنين وجرح 10 آخرين؟). مقاو-مة تواجه الاحتلا-ل ووكلاءه من أمن السلطة التي بلغت مدى من الخيانة والعمالة، يضعها رأسا في مربع التص-هين وخدمة مشروع المحتل، ويوجه ضربة قاضية لما يسمى “مشروع التسوية”.
– وفي الداخل الصهي-وني: عمليات استشها-دية وده-س وطع-ن وإطلا-ق نار، دينامية تتوالد ومقاو-مة شابة تصانع واقعها ولا تتوقف، أحالت حياة الكيا-ن ومجتمعه المحت-ل إلى جحيم من التوقعات المخيفة والفرضيات الدموية التي لا تنتهي: من أين تأتي الضربة القادمة؟!
– وفي لبنان: ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار أنهى عمليا “اشتعال جبهة الشمال”، وتحييد حز-ب الله وإدخاله في دوامة الجدل الداخلي “السلاح والسيادة”، إلا أن الذاكرة لا ينبغي أن تنسى سريعا أن المواجهات انتهت على إيقاع قصف الصواريخ والمسيرات طال “تل أبي-ب” وغيرها، وأن الكيا-ن اللقيط لم يتمكن من السيطرة الكاملة لا على قرية ولا بلدة ولا مدينة، وأن حز-ب الله كان قد استعاد قوة الردع واستجمع قواه بما جعل أكتوبر -لحظتها- الأكثر خسارة في جند العدو منذ بدء القتا-ل.
– وفي العراق واليمن: لا تهدأ المسيّرات إلا لتتجدد أخبار تحويمها فوق سماء العدو، حاملة معها الرعب ودوي صفارات الإنذار الذي يخلع قلوب هؤلاء الطارئين. بل إن ضربات المقاو-مة اليمن-ية صارت أكثر دقة وتأثيرا، وباتت تستعمل الصواريخ فرط الصوتية، ما أدخل ملايين الصها-ينة إلى الملا-جئ وأصاب الكيا-ن بشلل جزئي.
– وفي إيرا-ن: ورغم البرود الذي أصاب هذه الجبهة إثر التطورات الأخيرة، ورغم الضربة التي تلقتها بتحييد ذراعها في لبنان والإطاحة بحليفها السوري، إلا أن “تل أ-بيب” مازالت تضرب لها الحساب الأكبر باعتبارها قوة عسكرية هائلة، وباعتبار موقفها الذي لم يتغير من الكيا-ن، وباعتبار ترسانتها التي لم تطلها ضربة موجعة ولا ضعف قاتل، وباعتبار أنها جبهة دائمة التوتر.
2- تماسك هش وتصدع يطرق الأبواب.. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى
رغم أن الدو-يلة اللقيطة أجمعت منذ البدء على قرار الحرب، حين استشعرت تهديدا وجوديا حقيقيا، إلا أن تصدّعاتها الداخلية لم تختف بل إنها تصاعدت منذ مدة ليست بالقصيرة:
– إقالة وزير الدفاع الصهيو-ني “يوآف غا-لانت” بسبب أزمة الثقة بين أعضاء حكومة الحرب، وقبل ذلك استقالة بيني غانتس وغادي إيزنكوت، والتوترات المستمرة بين أعضاء مجلس الحر-ب الإسرا-ئيلي، وهو ما يعكس خلافات مستمرة داخل النواة الصلبة للعصابة الإجرامية.
– فتح تحقيق مع نتنيا-هو ومحيطه في المكتب والعائلة حول العديد من قضايا الفساد والرشوة وإساءة الأمانة وتسريب المحاضر والتلاعب بوثائق رسمية، واقتياده إلى المحكمة. وهو ما يظهر (على عكس الصورة الديمقراطية التي يراد تسويقها) أن الكيا-ن منخور من الداخل، وأن قادته غير مستأمنين على “المشروع”. وتلك ثغرة وأي ثغرة أكد التاريخ أنها ثلمة كبرى تسرع من وتيرة انهيار الدول والأمم.
– تنامي رفض الخدمة العسكرية وتزايد التخوف من النزول إلى ميدان المواجهة، سواء من قبل الجند أنفسهم أو عائلاتهم، وهو ما يؤشر إلى تراجع “الإرادة القتالية”، الشيء الذي لا يٌخفي خطورته سوى التفوق التقني التسليحي المادي. ففي أمس فقط، وقع 800 عائلة من عائلات جنود الكيا-ن عريضة ترفض استمرار أبنائهم في القتال داخل غز-ة، وقبل أشهر رفض آلاف جنو-د الاحتيا-ط العودة إلى الخدمة، إذ في الوقت الذي أعلن فيه الجيش حاجته إلى 7 آلاف جندي إضافي لم يلتحق منهم سوى 1500 جندي، وتحايل الكثيرون بحصولهم على إعفاءات طبية أو تهربوا من الخدمة العسكرية بطرق مختلفة. هذا دون أن ننسى حالات الانتحار التي سُجلت في صفوف جند الكيا-ن وعساكره، وهو ما يجري التكتم عليه بشدة.
– تواصل الحراك الاحتجاجي شبه اليومي لعائلات الأس-رى، وطعنها المستمر في الحكومة الصهيو-نية ونواياها من استمرار الحرب، مُحدثة انشطارا في المجتمع لا تخطئه العين؛ إذ بعد عام وثلاثة أشهر بات قطاع كبير من الصها-ينة وفاعليه -خاصة من المعارضة- يرى أن الحرب فقدت معناها ولم يعد لها جدوى، متهمين نتنيا-هو وعصابته بالفشل الذريع في تحقيق أحد أبرز الأهداف المعلنة وهو تحر-ير المحتج-زين لدى كتا-ئب القسا-م وباقي الفصا-ئل. وفي الوقت الذي اتضح أن السبيل الوحيد لعودتهم هو التفاوض والاتفاق (كما حدث في أواخر نونبر 2023)، تزايد الاتهام الصريح الموجه لرئيس الحكومة أن “تحرير الأسر-ى” ليس سوى مشجب لتمديد أمد العدوان كي يتهرب من المتابعة السياسية والقانونية.
– تصاعد الهجرة العكسية بشكل غير مسبوق في تاريخ الكيا-ن (القائم على تجميع اليهو-د من شتات الأرض في “أرض الميعاد”)، وقد صدرت العديد من الدراسات والتقارير التي تتبّع هذه الهجرة والفرار، وترصد العودة إلى الوطن الأصل لكثير من اليهو-د، من ذلك ما نشرته القناة 13 الإسرا-ئيلية التي قالت إن الهجرة الجارية وسط الأطباء مثلا غير مسبوقة؛ إذ ارتفع معدلها إلى 10 أضعاف عن المستوى المعتاد، وهو ما أحدث خصاصا كبيرا في الخدمات الصحية داخل الكيا-ن.
– رغم أن الكيا-ن الصهيو-ني لجأ بشكل مكثف إلى الخطاب الديني سواء في تبرير التقتيل الدموي في غز-ة أو تعزيز الجبهة الداخلية (وجود تهديد ديني)، فإن جسمه مليء بالتناقضات وممكنات التفكك، وما قضية تجنيد اليهود المتدينين المتشددين (الحر-يديم) التي شكلت أزمة حقيقية داخل الحكومة الصهيو-نية وألقت بظلالها داخل المجتمع إلا واحدة من تلك المؤشرات المتكاثرة التي جعلت المقولة المغرية “وطن قو-مي لليهو-د” في مهب رياح ارتدادات طو-فان الأ-قصى.
3- السّردية المتآكلة.. فَبُهِت الّذي كفر
إلى جانب الضربات التي يتلقاها الكيا-ن من كل جانب، وكذا توتراته الداخلية التي لا تلبث أن تصبح تشقّقات فتصدّعات، تواصل السردية الصهيو-نية سقوطها نحو القاع، وتنكشف أكذوبة بروباغندا الكيا-ن وتنهزم روايته الإعلامية وتتراجع دعايته التسويقية في العالم:
– لقد خسر الكيا-ن، المحتل لأرض الغير، جزءا واسعا من الرأي العام الغربي، إذ شكلت معركة طوفا-ن الأ-قصى، وبالأخص صور الوحشية التي لا توصف وسياسة الأرض المحروقة التي لم توفر لا الرضّع ولا النساء ولا حتى المستشفيات والمدارس والمرافق العامة، تحولا فارقا في وعي جمهور كبير في بلاد الغرب، بما فيها الدول الداعمة بشكل مطلق لـ”إسر-ائيل”. ولم تستطع الحملات الإعلامية الضخمة -التي كانت مرتعا لسقوط أخلاقي ومهني مدوّ لكبريات وسائل الإعلام العالمية- من إخفاء الحقيقة، ولعب الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي (وحسن توظيف المقاو-مة لهذه الأدوات) دورا محوريا في تغير اتجاهات الرأي العام الغربي لصالح القضية الفلسط-ينية.
– صاحب هذا التحول في الوعي، والذي يعني أساسا الفكاك من أحبولة معاد-اة السا-مية وتأنيب الضمير التاريخي تجاه المحر-قة، حراك احتجاجي ضخم في دول الغرب؛ في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا (وهي الدول الداعمة تقليديا للكيا-ن) وفي الكثير من دول العالم. حتى باتت التظاهرات مشهدا ثابتا ومستمرا، وغدت “ساحة” لمحاكمة الكيا-ن وإعلاء الصوت الفلسطيني، و”منصة” لمساءلة تحيز الحكومات والدول الغربية إلى الاحتلا-ل والعدو-ان والقتل ودوس كل القوانين والنظريات التي يعتبر الغرب نفسه راعيا لها ومدافعا عنها. واللافت أن الكثير من تلك الأشكال الاحتجاجية والتظاهرات تميزت بالطابع الإبداعي والنوعي ولم تسقط في مزلق النمطية والتكرار، كما أن اللافت أن جزءا معتبرا من النخبة هناك مثقفين وفنانين ورياضيين وساسة ومفكرين تصدروا مشهد الاحتجاج والضغط والدعم ولم يبالوا بتهديدات اللو-بي الصهيو-ني ولا المؤسسات المنحازة له.
– إنه وفي الوقت الذي تواصل الأنظمة الغربية الحاكمة دعمها المطلق للكيا-ن، استطاع الحراك الاحتجاجي المتكئ على وعي متنام أن يمتد إلى ما هو أكبر من “الفعل الرمزي”، وبدا أن ضغطا اقتصاديا وتجاريا وعلميا وأكاديميا يتزايد هناك، ليشكل حصارا غير مسبوق ومقاطعة اقتصادية متزايدة للكيا-ن. وقد شاهدنا كيف أن العديد من الجامعات أوقفت تعاونها مع جامعات أو مؤسسات بحثية صهيو-نية (بعضها عسكر-ي) تحت ضغط اعتصام طلابي مفتوح، كما رأينا كيف أن مؤسسات ووزارات وحكومات وشركات أوقفت معاملاتها التجارية مع نظيراتها في الكيا-ن مستندة إلى قاطرة قرار سياسي تقوده دول كبرى كإسبانيا وإيرلاندا. وما المقاطعة التي تطال شركات داعمة للكيا-ن مثل ستار-بكس وماكد-ونالدز وكنتا-كي وكار-فور في العديد من دول العالم إلا واحدة من تجليات هذا “الحصار الاقتصادي”.
– هذا الحصار المتزايد الذي يحيط بالكيا-ن بشكل لم يعهده منذ نشأته غير الشرعية، سيتخذ بعدا كبيرا حين سيصبح الموقف السياسي المناهض لإسر-ائيل والرافض لعربدتها ووحشيتها موقفا قويا وصريحا ومتناميا، وحين ستتخذ العديد من دول العالم إجراءات ديبلوماسية قوية رغم التهديدات الأمريكية الظاهرة والباطنة. وهكذا ستتوالى خطوات المقاطعة وإنهاء العلاقة مع الكيا-ن في قارات العالم أجمع؛ وبعد السبق الذي قامت به كل من كولومبيا وبوليفيا والشيلي التحقت الكثير من الدول بركب رفض الناز-ية الصهيو-نية كإسبانيا وإيرلاندا وجنوب إفريقيا…
– لتحصل الضربة الكبرى للكيا-ن حين أصبح موضوعا للمساءلة القانونية الدولية وبات قادته مطلوبين للمحاكمة والاعتقال. إذ سيظل إصدار المحكمة الجنائية الدولية يوم 21 نونبر المنصرم، مذكر-ة اعتقا-ل بحق كل من رئيس الوزراء الصهيو-ني بنيا-مين نتنيا-هو ووزير الدفاع السابق يو-آف غا-لانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ضربة موجعة لم تكن لها سابقة في تاريخ الصراع مع الكيا-ن، وهو قرار ملزم لـ124 دولة موقعة على اتفاقية روما المنشئة للمحكمة. هذا القرار الذي لا يشكل فقط انتصارا رمزيا وأخلاقيا للقض-ية الفلسط-ينية، بل إنه يضيق الخناق أكثر على الكيا-ن ويصبّ المزيد من الضغط السياسي والديبلوماسي والقانوني على قادة الكيا-ن المجرمين.
وإذا أضفنا إلى ذلك جرجرت جنوب إفريقيا “إسرا-ئيل” إلى محكمة العدل الدولية بتهمة انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية المبرمة عام 1948، ثم التحاق العديد من الدول بالدعوى كنيكاراغوا وكولومبيا وليبيا والمكسيك وتشيلي وكوبا وإسبانيا وتركيا… سنقف على حقيقة أن الدو-يلة اللقيطة تعيش وضعا غير مسبوق في تاريخها.
على سبيل الختام.. حتى لا يغيب عنا “البعد الاستراتيجي” من المشهد
يواصل الكيا-ن الهجين حربه الجهنمية الهوجاء على المدنيين العزل في غز-ة، ويضيف إلى ذلك عربدة وتقتيلا في سائر الأرا-ضي الفلس-طينية، لكنه لم يستطع تحقيق أيّ من أهداف الحرب المعلنة؛ فلا قضى على حما-س (وها نحن نرى أنه بعد أزيد من عام يفاوضها عن طريق الوسطاء للوصول إلى اتفاق!)، ولا هو تمكن من تحرير محتجزيه لدى المقاو-مة، ولا هو تمكن إلى الآن من صياغة اليوم التالي للحر-ب في القطا-ع، ولا هو نجح في تهج-ير الفلسطي-نيين عن أرضهم في غز-ة.
وإذا أضفنا إلى هذا الفشل الواضح، الذي لا تخفيه شدة التدمير ووحشية القتل، ما تحصّل لدينا في المحاور أعلاه من خلاصات:
خلاصة 1: بعد عام وثلاثة أشهر (أطول حرب في تاريخ الدو-يلة اللقيطة) لم يستطع الكيا-ن إخراس البنادق المقاو-مة لوجوده غير الشرعي ولعدوانه الدموي، بل إننا نراه يتلقى الضربات من كل جانب ومن أكثر من ساحة.
خلاصة 2: يتواصل نزيف الجبهة الداخلية على أكثر من صعيد، إذ يتجاوز الأمر كلفة الحرب المادية وشلل العديد من مناحي الاقتصاد والحياة، إلى خلافات داخلية بنيوية في “العنصر البشري” وتشققات وتصدعات حول جدوى الحرب وغاياتها. وهي الخلافات التي من شأنها -في العادة- ألا تشكل قلقا استراتجيا، لكن إذا أضفنا إليها الخلاصة 1 والخلاصة 3، وإذا استحضرنا أن المعني بها كيا-ن يلاحقه دائما “سؤال الوجود” و”شرعية الولادة”، فإننا نكون فعلا أمام جبهة داخلية متصدعة.
خلاصة 3: تتراجع صورة “إسرا-ئيل” في العالم باستمرار، وأجندتها التسويقية تفشل باطّراد أمام الرواية الفلسط-ينية المتزايدة صعودا وبريقا وإقناعا. خيبة كبرى وحصار متنام تعرفه الدو-يلة اللقيطة، يمتد من الشارع إلى الاقتصاد إلى الديبلوماسية فالقرار السياسي.
يعاني الكيا-ن إذا على مستويات كبرى ثلاثة؛ فهو يعيش على إيقاع قلق وتصدّع داخلي (قاعدته كدولة)، ويعاني من محيط قريب يأبى إلا أن يستمر في رفضه ومقاو-مته (امتداده الإقليمي)، ويتعرض لإدانة عالمية متزايدة على أكثر من صعيد (محيطه الدولي). وهو ما يدعونا إلى الانتباه إلى أن الشطر الأول من الصورة الذي يصدر إلينا يوميا (التقدّم التكتيكي) للكيا-ن، لا ينبغي أن يحجب عنا الشطر الثاني الذي يراد لنا إغفاله (التصدّع الاستراتيجي) للدويلة اللقيطة.