ليست هي المرة الأولى
ليست هي المرة الأولى/أشرف شعبان أبو أحمد
ليست هي المرة الأولى
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
حضارات
تتوالى على الأمة الإسلامية نكبات قاسية وفتن شديدة ومصائب متلاحقة، الواحدة تلو الأخرى، وكل واحدة أشد وأعتى من سابقتها، مما دفع بمشاعر الإحباط واليأس لأن تسود حياتنا وتوهن خطانا. ولكن أمتنا الإسلامية ليست هي الأمة الوحيدة التي تعرضت لمثل هذه المصاعب، وليست هي الأمة الوحيدة التي تفرقت بعد وحدة وضعفت بعد قوة، وليست هي المرة الأولى التي تتفكك وحدتها ويتشقق تكتلها، ولكنها تكاد تكون هي الأمة الوحيدة التي تعود لوحدتها بعد كل تفتت ويلتحم نسيجها بعد كل تمزق. وليست هي الأمة الأولى التي غفلت ثم استيقظت من غفلتها، وليست هي الأمة الوحيدة التي تخلفت عن ركب التقدم والحضارة ثم التحقت به بعد أن كانت ذات ريادة وصاحبة فضل وباع فيه، وليست هي آخر مرة تظهر فيها حضارة ويصعد نجمها بينما تختفي أخرى ويأفل نجمها.
فمن ينظر في أحوال الأمم والشعوب يجد شعلة الحضارة انتقلت من أمة إلى أمة، ومن يد إلى يد أخرى فقد كانت قيادة العالم قديما في يد الشرق على أيدي الحضارات الفرعونية والآشورية والبابلية والكلدانية والفينيقية والفارسية والهندية والصينية، ثم انتقلت إلى الغرب على يد الحضارة اليونانية والرومانية، ثم انتقلت مرة أخرى إلى الشرق على يد الحضارة العربية الإسلامية، ثم غفا الشرق وغفل عن رسالته، فأخذ الغرب الزمام وكانت له القيادة مرة أخرى(1) والتاريخ يحدثنا عن هذه الأمم إنها كانت على شيء من القوة والمنعة، وقد مثل كل منهم دور القوة والحضارة على مسرح الحياة ردحا من الوقت، وأدهش العالم بما عرض من مظاهر قوته ومشاهد ذهابه وإيابه وغدوه ورواحه في أنحاء الأرض، وأسمع العالم دوي شوكته وجبروته في ربوع الأرض، وخيل إلى بعضهم أنه لا زوال لقوته وسيادته، ولكن لكل أجل مسمى هو بالغه، وقد قضى بزواله القوي الذي لا زوال لقوته أبدا، وعثرت معظم هذه الأمم والشعوب عثرة لم ير لأكثرها وجود إلا آثار وبقايا(2) وفي عصرنا هذا رأينا ورأى العالم كله كيف انهار الاتحاد السوفيتي فجأة وبلا مقدمات تذكر، وتشرذم إلى دويلات، برغم ما يملكه من ترسانة نووية ضخمة وأسلحة استراتيجية جبارة وقوة عسكرية واقتصادية هائلة(3) كما يحدثنا التاريخ عن دول سعت لتكوين إمبراطوريات عظمى لها وقد نجحت بعض الوقت في ذلك، ولكن انتهى بها المطاف على عكس ما كانت ترغب وتتمنى، وبريطانيا أكبر مثل على هذا في عصرنا الحديث، فقد استعمرت ولفترة غير قصيرة عدد كبير من دول قارتي آسيا وأفريقيا، وبينما نالت هذه الدول استقلالها، وعاد الاستعمار من حيث أتى يجر أذيال الخيبة وراءه، لم تصبح بريطانيا بذات الهيبة والسيادة والقوة التي كانت عليها، بل صارت دولة تابعة لأمريكا تنتظر منها التعليمات والأوامر كما لو كانت دولة متخلفة من إحدى دول العالم النامي. كما كان أدولف هتلر هو الآخر يرى أن المانيا هي نهاية التاريخ والجغرافيا وزعق مع ولادة الرايخ الألماني إنه سيبقى ألف عام فلم يعمر أكثر من اثنتي عشر عاما، وعندما قام بغزو بولندا في مستهل الحرب العالمية الثانية لم يخطر على باله أن جيوش الحلفاء سوف تقوم وخلال سنوات قلائل هي عمر الحرب الكونية الثانية ليس باحتلال برلين فحسب بل بتقسيم ألمانيا إلى أيدلوجيتين وأمتين ودولتين متنازعتين دمرتهما الحرب على جانبي حائط برلين(5) وقديما فضل الله عز وجل بني إسرائيل على العالمين ومن عليهم بكثير من النعم، ولارتكابهم الكثير من الآثام والمنكرات عاقبهم الله عز وجل بعدد من العقوبات من بينها تمزيقهم شر ممزق، وتسليطه عز وجل عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وقد كان، فقد تفرق اليهود في كل بلاد العالم، وفي كل بلد نزلوا بها تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم وازدرائهم، يستوي في ذلك تاريخهم القديم والوسيط والحديث، فقد أنزل العالم بهم ضربات قاصمة وعقوبات صارمة شملت التنكيل والطرد والسجن والقتل ومصادرة الأموال، مما دفع بأحد الكتاب الغربيين أن يقرر: أن كل الأمم المسيحية اشتركت في اضطهاد اليهود وإنزال مختلف العقوبات بهم وكانت القسوة مع اليهود تعد مأثرة يمتدح المسيحيون بعضهم بعضا عليها(6) وقد استغلت بريطانيا ظروف الحرب العالمية الأولى فوعدت بما لا تملك لمن لا يستحق وأصدرت وعد بلفور في عام 1917م ليكون هذا الوعد بمثابة إشارة ومقدمة لقيام دولة صهيونية إسرائيلية في فلسطين، واغتصب اليهود جزءا من فلسطين عام 1948م ثم احتلوا الجزء الباقي في حرب عام 1967م(7) وبعد طول تشتت واضطهاد جمع أبناء بني إسرائيل من شتاتهم ووطنوا فلسطين، بل وصاروا الآن يتحكمون في مراكز السلطة والمال في عدة دول، ومن بينهم أو على رأسهم بالأحرى الولايات المتحدة الأمريكية مما يشير إلى قرب تحكمهم في العالم أجمع.
كما أن التاريخ خير شاهد على نهضة دول دمرت على آخرها يوما ما وظن القاص والداني إنه لا قيام لها بعد ذلك، وها هي تهب من غفلتها أشد قوة، وأكثر تقدما مما كانت عليه، بل وسابقت دولا عدة لم يصبها مثل ما أصابها، وأدل مثل على ذلك هو اليابان وألمانيا اللتان تم تدميرهما خلال الحرب العالمية، والآن كل منهما بمثابة عملاق في شتى الميادين والمجالات، ويشهد العالم كله بتقدمهما وتفوقهما، بل تشير التوقعات اليوم إلى أن دول جنوب شرق آسيا وعلى رأسهم اليابان ستشكل حضارة المستقبل القريب(8) كما يشهد التاريخ أن أمريكا والتي تعتبر الآن هي صاحبة السيادة والهيبة والقرار والقوة المنفردة في العالم، لم يكن لها وجود يعرف، ولا كيان يذكر قبل خمسة قرون، ففي يوم 3 أغسطس من عام 1492م الموافق 898هـ غادر كريستوف كولمبس أسبانيا في رحلة بحرية، فصارت به الأقدار إلى أمريكا الوسطى في 10 أكتوبر من نفس العام، وتكررت رحلات كولمبس حتى بلغت أربعا، ثم قام من بعده أمريكوس فيسبوشى برحلة، وعرف أن ما وصل إليه كولمبس من قبله إنما هي أرض جديدة بالنسبة لأوربا، ثم بدأ توطين الأوربيين بها ومن ثم حرب الإبادة لسكانها الأصليين والاستيلاء على ثرواتهم وممتلكاتهم(9)
والآن بعد هذه العجالة ليس بعجيب أن تنتقل عجلة القيادة العالمية مرة أخرى من الغرب إلى الشرق، على الرغم من أن الغرب الآن هو المتفوق والمقتدر، والشرق هو المتخلف والعاجز! فلله في خلقه سنن، منها سنة التداول للأيام بين الأفراد والأمم، وهي السنة التي قررتها الآية رقم 140من سورة آل عمران قال تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) فالأيام دول وسجال، والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فالأحوال تتبدل والدنيا تتحول والعالم يتغير، وكم من غني افتقر ومن فقير اغتنى، وكم من عزيز ذل ومن ذليل عز، وكم من موسر أعسر ومن معسر أيسر، وكم من عليل شفي ومن معاف سقم، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأمم. ومن سنن الله في خلقه أيضا سنة تغير أحوالهم تبعا لتغير ما بأنفسهم، فالذين يتغيرون من الخير إلى الشر ومن الاستقامة إلى الانحراف ومن الصلاح إلى الفساد ومن البصيرة إلى العمى، يغير الله ما بهم من حال النعمة إلى النقمة، ومن القوة إلى الضعف، ومن العزة إلى الذل ومن الرخاء إلى الشدة قال تعالى ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) سورة الأنفال آية 53 والذين تتغير أنفسهم أو يتغير ما بأنفسهم من الشر إلى الخير ومن الضلالة إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة ومن الفساد إلى الصلاح ومن الكسل إلى العمل ومن الرذيلة إلى الفضيلة، فهم أهل أن يغير الله حالهم أو يغير ما بهم من الضعف إلى القوة، ومن الذلة إلى العزة، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى التمكين، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة رقم 11 من سورة الرعد قال تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) فالغرب لم يرع أمانة قيادته للعالم، بل أفلس في ميدان الروح والأخلاق، ووصل التحلل والفساد الأخلاقي فيه إلى النخاع، وفرط في العدل، وأعلى القوة على الحق والمصالح على القيم، والجماد على الإنسان، والمادة على الروح، وتغلغلت المادية في الفكر والسلوك والحياة، وكال بمكيالين في التعامل مع القضايا البشرية. فكان من سنة الله أن تنتقل الشعلة إلى غيره، والمفروض حسب استقراء التاريخ أن تعود إلى الشرق الإسلامي مرة أخرى قال تعالى ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) سورة الأعراف آية 129 وقال عز وجل ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) سورة الأنبياء آية 105 (10)
المراجع
(1) المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص84و85
(2) سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها محمد هيشور ص140
(3) المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص86
(4) كتاب حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة جميل عبد الله محمد المصري ص91 وص89
(5) جريدة الأحرار العدد4141 بتاريخ 27/4/2003
(6) بنو إسرائيل في القرآن الكريم محمد سيد طنطاوي من ص614 إلى ص625
(7) جريدة الوفد 19 رمضان 1424هـ الموافق 13 نوفمبر 2003م العدد 1029
(8) جريدة الوفد 1/5/2003 العدد1001
(9) المسلمون واكتشاف الأمريكتين خالد عزب ص6 وص21و22
(10) المبشرات بانتصار الإسلام يوسف القرضاوي ص83و84