منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وظيفة إسرائيل بين الدين والسياسة

وظيفة إسرائيل بين الدين والسياسة/ د. عبد الحليم زوبير

0

وظيفة إسرائيل بين الدين والسياسة

د. عبد الحليم زوبير

                لم تكن إسرائيل -رغم التضخيم الإعلامي- سوى مجموعة وظيفية، كما سماها عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وقد تأكدت وظيفية الكيان الإسرائيلي، مع طوفان الأقصى، الذي هز الكيان هزا عنيفا؛ حيث هرعت القوى الغربية لنجدة إسرائيل، كما تهرع الأم لتنقد وليدها من الخطر، دون الالتفات إلى مقتضيات العقل والقانون، وشعارات الحرية التي غزا بموجبها الغرب دولا كثيرة؛ العقل الذي يقول: إن إسرائيل دولة محتلة، وما دام هناك احتلال فلابد من مقاومة؛ والقانون الذي يقول: بأن قتل الأطفال وتجويع المدنيين وإبادة الناس، جرائم يعاقب فاعلها؛ أسقط في يد الغرب وقد تكشف الدور الحقيقي لإسرائيل في المنطقة، وأصبحنا أمام مفترق صعب..

ما هي إسرائيل؟

                بالنسبة للغرب الاقتصادي والسياسي، فإسرائيل ليست سوى وسيلة للسيطرة، ولم تكن مسألة اليهود إلا مصادفة، لم يوجد أحسن منها، وستنتهي صلاحيتها حين يضر وجودها بمصالح الولايات المتحدة؛ ولذلك لا يستحي الرئيس الأمريكي من القول: إنه لو لم تكن إسراءيل موجودة لكان علينا إيجادها؛ هل يمكن أن يفهم أكثرنا سذاجة أن زعيم التيار الديموقراطي في أمريكا، يقصد حق اليهود الديني في أرض الميعاد؟

                ولكن بالنسبة لبعض اليهود، والمسيحيين الإنجيليين المؤمنين بأرض الميعاد، ونزول عيسى، فإسرائيل وعد إلهي، يجب أن يضحى من أجل قيامها بكل المصالح.

                أما بالنسبة للجماعة الساذجة من اليسار اليهودي والمعتدلين العرب، فإسراءيل دولة كسائر الدول، احتلت أرضا فلسطينية عام 1967م؛ متى ما انسحبت من هذه الأرض يمكنها العيش بسلام مع الدولة الفلسطينية، وسائر الجيران من العرب في أمن وسلام.

                لقد استمر السياسيون، يتجارون بالقضية اليهودية والفلسطينية على السواء، فلا هم يلبون رغبة اليهود في أن فلسطين لهم وحدهم، ولا يلبون مطالب الفلسطينين، لا في حدودها الدنيا، أراضي 67، ولا في حدودها العليا أراضي 48. لأن هذه هي طبيعة الجماعة الوظيفية، ما دامت إسرائيل مستمرة بدون ضرر يلحق المصالح الغربية، فلا فرق بين أن تستمر مفاوضات السلام أو تتوقف، أو تلتزم إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة أو لا تلتزم، أو تهدأ المقاومة الفلسطينية ضد اليهود أو تنفجر؛ لا فرق، المهم استمرار إسرائيل باعتبارها شرطيا يعربد في العالم الإسلامي، دون أن ينفصل طرف لجامه عن البيت الأبيض وأروبا.

 من الذي جعل القضية في مأزق؟

                لم يكن طوفان الأقصى سوى نتيجة طبيعية، ينبغي أن تكون متوقعة، لشعب عبر بكل الأساليب أنه صاحب الحق في الأرض، وأن 75 عاما من إقامة إسرائيل بكل ما صاحب ذلك من إبادات متكررة، وتزييف للوعي، لم تكن كافية لتنسي الأجيال الصاعدة، جوهر القضية.

                لكن لا ينبغي أن ننسى أن هناك طرفا آخر، في إسرائيل، لا يأخذ المسألة مأخذ السياسة والاقتصاد، بل يرى الوجود اليهودي مسألة كونية، تحتمل كل شيء إلا المفاوضات وتقسيم الأرض:

حزب تشيده الجماجم والدم        تتحطم الدنيا ولا يتحطم

فكل المحاولات الأمريكية، لإسكات الفلسطينيين، ببعض التصريحات عند هؤلاء، هي علمانية وكفر لا يجوز، الحرام فقط هو الدم اليهودي، أما الفلسطيني طفلا أو امرأة أو شيخا، فهو وقود طبيعي، منصوص عليه، في المراجع الدينية لقيام مملكة إسرائيل. بل حتى اليساريون اليهود، فضلا عن العرب خونة ، يجب قتلهم حين يأتي أجلهم.

                ظلت أمريكا والغرب، تستغل مشاعر اليهود والفلسطينيين، وتعدل من سلوك كل طرف يشوش على الوظيفة السياسية والاقتصادية لإسرائيل، إلى أن تعب اليهود من الانتظار، وهم قد صدقوا أن ميلاد المملكة قد بدأ منذ 48، وإعلان المملكة قد تأخر أكثر مما ينبغي؛ فبدأوا بتسليح قطعان المستوطنين؛ واستغنوا عن الجيش الذي تمسك أمريكا بتلابيبه، ليؤدي وظيفته في الحدود المقررة له؛ وفي نفس الوقت أيس الفلسطينيون من مسار المفاوضات مع المحتل؛ فانفجر الوضع، وانطلق الفلسطينيون يبشرون بقرب ميلاد الدولة المستقلة، واندفع اليهود المؤمنون والإنجيليون، يفتون بجواز القتل الأعمى، كما كانوا، وكل ما تقزز العالم من مشاهد الدمار، كلما استبشر المتدينون اليهود بعلامات النصر.

أين الطريق؟

                إذا فالقضية الفلسطينية، واليهودية معا، لم تعد تحتمل ألاعيب السياسة والاقتصاد؛ فإما أن يقال لليهود توقفوا، هناك دولة فلسطينية اعترفت بها الأمم، وعاشت في تلك الأرض قبل 1948م. وإما أن يقال للفلسطينيين الدولة اليهودية أولى من القانون الدولي، وشعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان.

                وكيفما كان الخيار فهو خيار صعب ودموي؛ ولعل الفلسطينيين قرروا أن ثمن حريتهم يحتاج دما متدفقا، كثيرا، وأن قيمته تزداد كلما كان بالجملة لا بالتقسيط؛ وعلى الشاشات العالمية، لا في الأرض الفلسطينية المحاصرة وحسب؛ أما اليهود فقد شعروا بخذلان السياسيين، وهم يرون أمريكا تهدد بقطع العلاقات، وفرض عقوبات على كيانات وفية للمسألة اليهودية.

                لكن البائس حقا هو خيار اليهود اليساريين والعرب المعتدلين؛ فهم لا يحملون رسالة تستحق عندهم الموت في سبيلها، وإنما يبحثون عن الحياة، والرفاه الاقتصادي، وتداول السلطة بين يسار ويمين كما يحدث في دول الغرب؛ يبكون طوال الوقت الدماء المتدفقة من اليهود والفلسطينيين، وهم يحاولون إقناع الغرب بلجم الحكومة الصهيونية، لكيلا تحرق الأرض بمن عليها.

                فهل خرجت إسرائيل عن الطوق الغربي؟ أم هناك إمكانية لتعديل سلوك اليهود المتطرفين، لمراعاة المصالح الغربية، القائمة على وجود إسرائيل ديموقراطية تعيش بسلام مع جيرانها؟ وهل يمكن لقادة المقاومة الرجوع إلى طاولة المفاوضات، على جناح الحمامة البيضاء بدون بندقية؟ ذاك مفترق طرق يؤذن بتاريخ سيكتب قريبا، لأن المقاومة الفلسطينية، في المفاوضات الجارية، لم تمنح الساسيين -كما ألفوا- هامشا كبيرا من التلاعب بالقضية من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.