نظرة في آية الإسراء والمعراج
نظرة في آية الإسراء والمعراج/ د. عبد اللطيف بن رحو
نظرة في آية الإسراء والمعراج
د. عبد اللطيف بن رحو
إن الناظر في حادثة الإسراء والمعراج ليقف على مجموعة من السياقات التي ذكرها القرآن الكريم، فالشاهد المعلوم من الإسراء والمعراج وقع بالفعل لثبوته في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويدخل في باب الغيبيات التي نؤمن بها كما وردت دون الخوض في صراع التحقق والمنهج الذي العلمي الذي يستلزم ضوابط متعارف عليها. فأولئك الذين يتعاملون مع مَعِيّة العقل والعلم ولا مكان للمغيبات في أجنداتهم، ويرفضونها البتة ويتعاملون معها على أنها ظواهر كونية والتي تقبلها ضوابط المنهج العلمي.
مقياس التنزيه والفعل
قال تعالى: ﴿سُبْحَٰنَ اَ۬لذِے أَسْر۪يٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلا مِّنَ اَ۬لْمَسْجِدِ اِ۬لْحَرَامِ إِلَي اَ۬لْمَسْجِدِ اِ۬لَاقْصَا اَ۬لذِے بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنَ اٰيَٰتِنَآۖ إِنَّهُۥ هُوَ اَ۬لسَّمِيعُ اُ۬لْبَصِيرُۖ﴾ [سورة الإسراء الآية:]
ابتدأ الله تعالى في سورة الإسراء بسبحانه ومعناه التنزيه والارتفاع وقد صور لنا الله قوة الفعل على قدرته لأن الله نسب الإسراء لنفسه ولم ينسبه إلى رسوله فقانون محمد وبشريته ملغية في الفعل والحدث، وهو محمول على فعل خالقه تعالى، فإذا كان الفعل من الله فلا يجب أن نعترض على الفعل بقانون البشر بل يجب أن نرد الفعل إلى قانون فاعله. وما دام الفاعل هو الله فلا تحكم للزمان فيه ولا المسافة في قانون البشر.
مقياس الضيافة
عانى النبي ﷺ ألوانا من العذاب والمحن من قبل قومه وآخر ما تعرض له حينما توجه إلى الطائف فألحقوا به الأذى الشديد، وحتى يخفف الله عز وجل على رسوله الأكرم جاءت الدعوة والزيارة إلى ملكوت الله تعالى ليرى بنفسه عظمة الخالق والحقائق على صورتها.
يقول محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله: “”فجاءت ضافة الإسراء والمعراج تكريما من الله له، وتجديدا لعزيمته وثباته، ثم جاءت دليلا على أن هذا الذي يلاقيه النبي ﷺ من قومه ليس بسبب أن الله تخلى عنه، أو أنه قد غضب عليه، وإنما هي سنة الله مه محبيه ومحبوبيه وهي سنة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن.””[1]
مقياس الزمن في رحلة الإسراء
إذا نظرنا إلى قوة الفعل وإلى المسافة وجدنا أن الزمن يتناسب مع المسافة والقوة تناسباً عكسيا، بمعنى أن القوة إذا زادت قل الزمن وقصر. وشرح ذلك أن الناس في الماضي كانوا يقطعون المسافة بقوة بطيئة فكون الزمن استغراق المسافة طويلا، غير أن الزمن الذي عرف تطورا في المركبات التي تعرف بالسرعة والقوة قلصت الزمن رغم المسافة
فمثلا إذا كان ركب الحج في القديم يستغرق قطع المسافة في ثلاثة أشهر لأن القوة التي يمشي بها الركب ضعيفة وبطيئة، فالعصر الحديث عكس ذلك كله فزمن ثلاثة أشهر تصير ست ساعات أو سبعة أي كلما زادت القوة قل الزمن. فما دام الحدث بقوة الله فانسب الزمن إلى قوة الذي فعل وهو الله تعالى.
ومعجزة الإسراء آية أرضية وهي دليل مادي عرفي في البشر ما يمكن أن يكون مؤيدا لوجهات نظر الرسول ﷺ فيما قال، فإذا قالوا له صف المسجد وصفه كما رآه الناس، لأنهم مقتنعون أن النبي ﷺ لم ير من قبل المسجد الأقصى، ومع ذلك استوصفوه، ولكن لابد من دليل آخر زمني يثبت أن النبي ﷺ وهي القافلة التي التقى بها النبي ﷺ وقت عودته.
لكن استحالة التصديق عند كفار قريش باعتبارها من الغيبيات ولا يمكن للعقل البشري أن يحللها في ذلك الوقت فلم تستطع قريش فهم وإدراك ذهاب النبي ﷺ في زمن قياسي إلى بيت المقدس هو مفتاح الفهم، لأنهم ما كانوا ليصدقوا النبي ﷺ بنزول الوحي فكيف يصدق في اختصار وتقليص الزمن.
فمقياس تقليص قوة الفعل في الزمن مكنت النبي ﷺ قطع المسافة في ظرف وجيز، ولكن لو طرحت هذه الحادثة اليوم تصدق بسهولة ويسر لأن الناس تعلم علم اليقين أنها تدخل في مقياس الجواز، لتوفرنا على مركبات صناعية تستطيع تجاوز المسافة في وقت معلوم. لكن الله تعالى سخر له ما يركبه أو الذي له القدرة على تجاوز المسافة المعلومة في وقت وجيز، وهو البراق.
فآية الإسراء كانت استئناسا لعملية الإيمان بالمعراج، فأثبت الله تعالى أنه خرق القانون لمحمد ﷺ في المسافة والزمن.
قانون المعراج للنبي ﷺ
عرج النبي ﷺ إلى السماء فحدثنا عن المعراج وعن مرائيه التي شاهدها حدثا بحدث، وهي تختلف عما حدث للنبي ﷺ في الأرض، لأن الله تعالى قال: ﴿لِنُرِيَهُۥ مِنَ اٰيَٰتِنَآۖ﴾، فالفعل هنا ليس التنقل لقطع المسافة بقوة الفعل، ولكن الفعل هنا هو الإراءة، فالله جعل لنبيه ﷺ قوة أخرى وذلك إما بتحويل المرئي إلى قانون الرَّائي، وإما بإقدار الرَّائي أن ينفذ إلى قانون المَرْئِي.
ونقف عند بعض الحقائق التي يتوجب معرفتها في المعراج، وربما كلامي هذا يحمل الكثير على التساؤل لماذا أعرج بالنبي ﷺ من بيت لمقدس ولم يعرج به مباشرة من مكة المكرمة.
والجواب عن السؤال يتطلب منا تحليلا آخر، ولكن يمكن أن نقف على معلومة أن أبواب السماء توجد في أماكن خاصة، وربما بيت المقدس توجد به باب من أبواب السماء، لهذا نجد الدول التي لها أبحاث في مجال الكونيات حينما تريد أن تقوم برحلة استكشافية إلى الفضاء تحتاج إلى باب من أبواب السماء لتقتحم الفضاء، والدليل على ذلك أن روسيا لا تنطلق من أراضيها مثل هذه العمليات بل تحتاج إلى نقل معداتها إلى كزاخستان، لأجل أن يعبر الصاروخ إلى الفضاء، لأن بها بابا من أبواب السماء. فكيف تتحمل روسيا كل النفقات والتنقلات إلى غير أرضها لتقوم بهذه العملية؟ فالدليل بين وواضح.
فالنبي ﷺ حينما أعرج به كان يحتاج إلى تعديل آخر في قانون بشريته، فاتخذ وضعا آخر أمكن من الرؤية وهي الملائكية لأن البشرية طرحت في الأرض، وتحولت ذات النبي ﷺ في المعراج من صفة البشرية إلى صفة الملائكية ليرى ما تراه الملائكة في الملأ الأعلى.
قال تعالى: ﴿ذُو مِرَّة فَاسْتَو۪يٰ وَهُوَ بِالُافُقِ اِ۬لَاعْل۪يٰۖ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّ۪يٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوَ اَدْن۪يٰۖ فَأَوْح۪يٰٓ إِلَيٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْح۪يٰۖ مَا كَذَبَ اَ۬لْفُؤَادُ مَا ر۪أ۪يٰٓۖ أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَيٰ مَا يَر۪يٰۖ وَلَقَدْ ر۪ء۪اهُ نَزْلَةً ا۟خْر۪يٰ عِندَ سِدْرَةِ اِ۬لْمُنتَه۪يٰ عِندَهَا جَنَّةُ اُ۬لْمَأْو۪يٰٓ إِذْ يَغْشَي اَ۬لسِّدْرَةَ مَا يَغْش۪يٰۖ مَا زَاغَ اَ۬لْبَصَرُ وَمَا طَغ۪يٰۖ لَقَدْ ر۪أ۪يٰ مِنَ اٰيَٰتِ رَبِّهِ اِ۬لْكُبْر۪يٰٓۖ﴾ [سورة النجم الآيات من 6 إلى18].
مرة أخرى يمنح الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ نظرة أخرى بطبيعة خِلْقَته ليجتاز سدرة المنتهى التي وقف عندها سيدنا جبريل عليه السلام ولم يستطع بصفته الملائكية تجاوزها، فشاهد بطبيعته الجديدة كل الحقائق التي كانت تنزل عليه وحيا من السماء رأى الجنة والنار وسمع كلام الله تعالى وكل آيات ربه الكبرى، فسبحانه الذي يغير ولا يتغير.
[1] فقه السيرة النبوية، للبوطي، دار الفكر المعاصر بيروت، ط10، 1991، ص:166.
مقال محنك وشرح مبسط في مقياس المسافة والزمن للإسراء والمعراج
جزاكم الله عنا ألف خير