15 مارس اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا / الحدث والدلالات: ومضات تفكرية في الواقع والمتوقع
15 مارس اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا / الحدث والدلالات: ومضات تفكرية في الواقع والمتوقع
15 مارس اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا
الحدث والدلالات: ومضات تفكرية في الواقع والمتوقع
بقلم: الدكتور أحمد زقاقي
وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اعتبار يوم 15 مارس/آذار من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة “الإسلاموفوبيا”، وهو اليوم الذي وقعت فيه “مجزرة المسجدين” التي راح ضحيتها 51 شخصاً في مدينة كرايستشيرش بنيوزيلندا عام 2019 ،مما يستدعي الوقوف عند الحدث ودلالاته:
1. جمعت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” جل آفات “خطاب الكراهية” من تمييز وتعصب وتحيز وإهانة واحتقار، وتقوت بعد أحداث 11 شتنبر الإجرامية، إذ أصبح يُنظر إلى المسلمين كخطر على نمط العيش الأوروبي والأمريكي، وتهديد للبرالية والديموقراطية وحقوق الإنسان، يتملكهم “حلم الخلافة” لتقويض الحضارة الغربية، ومثلت الظاهرة مادة دسمة في “الخطابات الشعبوية”، ولاسيما بعد ظهور دول كبيرة (كفرنسا) اتخذت من معاداة مسلميها نهجا ثابتا، ووقودا لحملاتها الانتخابية.
2. “استثمرت” في الظاهرة السيئة مراكز ومؤسسات وشخصيات عامة، ولئن كان تصدي عرب ومسلمين إلى تحليل الظاهرة، والكشف عن “أبطالها”، وتفنيد مقالاتها، ورد “قوالبها النمطية” أمرا طبيعيا ومفهوما ومتوقعا، فإن الأمر الجدير بالتنويه هو المشاركة النوعية في جهود فهم “الإسلاموفوبيا” لمفكِّرَيْن غربيين هما: ” جيم وولفرس JIM WOLFREYS ” في كتابه “جمهورية الإسلاموفوبيا REPUBLIC OF ISLAMOPHOBIA “، و“ناتان لين Nathan Lean ” في كتابه “صناعة الإسلاموفوبيا The Islamophobia Industry“.
3. ركز “لين ناتان” على “المصنع الأمريكي” لظاهرة “الإسلاموفوبيا”، حيث يُنظر إلى المسلمين بأنهم الأجانب الوحيدون الذين يمثل انتماؤهم الديني هويتهم الأساسية،ويصدر “خطاب الكراهية” عن مجموعات صغيرة لا تلبث مع مرور الوقت أن تصير كبيرة ومنظمة لها قيادة وبرنامج وأتباع و“سوق”، تعتمد أكثر شيء على “الأنترنت” للترويج والنشر والدعاية والاستقطاب، ويذكر “ناتان” اسم منظمة ( SIOA ) أي (وقف أسلمة أمريكا) وهي فرع للمنظمة الأم (وقف أسلمة أوروبا).
4. ترتكز“صناعة الإسلاموفوبيا” على قواعد مالية، والذين يمولونها-في نظر ناتان- لا يختلفون عن الأشخاص الذين يساهمون في دعم صناعة ما من خلال شراء منتجاتها، أما المادة الأولية فهي إثارة المشاعر المعادية للمسلمين “للظفر بحرب حضارية كونية”، وعملت الدوائر الموالية “لإسرائيل” واللوبي الصHيوني في أمريكا كموردين للمال، وظهرت التدفقات المالية إلى حسابات حملات التخويف من المسلمين، وإلى جيوب رعاة الدعاية في مراكز التفكير والأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفي دهاليز المخابرات والأمن، وتوثقت عرى الصلات بين الصهاينة اليهود والصهاينة الإنجليين، فانطلقوا من “وعد النبوءة” والانتصار في معركة تسريع ظهور المسيح في الأرض المقدسة، لكن قبل ذلك يتعين – في نظرهم- التخلص من “الغرباء والأجانب”،من خلال وضع “الفلسطينيين” أولا في مرمى “السرد الإيماني العنيف” باستدعاء سرديات الإبادات الجماعية المنسوبة ليوشع والأنبياء في “التوراة”.
5. نبه “ناتان” على ملحظ وجيه ودقيق وهو أن “الإسلاموفوبيا” لم تقتصر على اليمين المتطرف وأنصاره، بل شاركت في صناعتها جهات لبرالية ويسارية بمواقف وتحاليل ملفوفة في “لغة تقدمية”، ومخبأة في زعم إرادة الخير والنصح للمسلمين، وقد جرتهم الكراهية الشديدة “للإسلاموية” إلى الالتقاء مع السياسة الخارجية للمحافظين وأحيانا تأييدهم، ودأبوا على انتقاء مواضيع محددة يتم التركيز عليها كالمرأة والجهاد والرق والتعدد والردة.
6. غالبا ما يكون “المتحولون دينيا” أي الذين خرجوا من الإسلام أشد شراسة في تبني خطاب الكراهية تجاه المسلمين، وهي مسألة تسترعي الانتباه وتستحق الدراسة ، ويورد “ناتان” في هذا الباب أسماء: “بيل ماهر” الذي اعتبر الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتصرف مثل “المافيا”، و”إسرا نعماني” التي قادت حملات لإقناع البنات بعدم ارتداء الحجاب أو المشاركة في أنشطة المساجد، و“أيان حرسي علي” الناشط الصومالي المولد الذي دعا الغرب لاستخدام القوة العسكرية للقضاء على “الخطر الإسلامي”.
7. نقل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي “صناعة الإسلاموفوبيا” إلى مراحل متقدمة، وأصبح من السهل العثور على المضامين العنصرية والعنيفة في التدوين والتغريد والفيديو، وفي عالم القرية الواحدة تلقف الإعلام الفرنسي تلك المضامين وأضافها إلى تلك الخاصة بعلمانيته المتطرفة فتمخض عن تأسيس ما سماه JIM WOLFREYS “جمهوية الإسلاموفوبيا”، حيث وضعت الظاهرة في قلب الأجندة السياسية لفرنسا،فوُضع المسلمون تحت التدقيق والتشكيك في ولائهم لقيم الجمهورية، وتم التضييق على الجمعيات التي ترصد “خطابات الكراهية” و”جرائم الكراهية في الإعلام والسلوك العام، واعتبر سياسيون فرنسيون هذا المنحى التمييزي تشويها لقانون 1905 المبين لمفهوم العلمانية، بالعدول عن المعنى التقليدي المتعارف عليه وهو الفصل بين الكنيسة والدولة،إلى نهج يذكر بمحاكم التفتيش،والتسلط على الضمائر، والشق عما في القلوب، إذ صار وضع خرقة قماش على رأس فتاة مسلمة يهدد قيم الجمهورية، والذبح الحلال يهددها كذلك لأنه “أكل طائفي”،كل هذا اعتبره “ولفريس” محاولة متعمدة “لتحويل معنى العلمانية من شكل مفتوح نسبيا إلى استعباد”، أقله السعي إلى إجبار المسلمين، والمسلمين وحدهم، على جعل أنفسهم غير مرئيين، أو جعلهم مرئيين فقط من خلال “رسوم كاريكاتورية” تهينهم وتهين رموزهم وشخصياتهم الدينية
8. بعد الهجرات المتتابعة، واتباع سياسة التقشف، وبروز عدم المساواة الاجتماعية، تم ترسيخ “الإسلاموفوبيا” كواقع سياسي واجتماعي من قبل الجهات السياسية الفاعلة، مدعومة بمن سماهم “ولفريس” “جوقة من الرجعيين الجدد”، تفتقت “عبقريتهم” أخيرا عن ترسيم خطة شاملة “قانون الانفصالية الإسلامية” الذي تنطبق عليه كل نعوت التمييز والتحيز والكراهية والعنصرية.
9. لا يمكن تبرئة جماعات مسلمة من خطيئة الإسهام في تفشي “الإسلاموفوبيا” بتبنيها للعنف في الأقوال والأفعال،ونقلها ل“الاعتقادات” إلى مجال العلاقات العامة والدولية حيث يلزم التحلي بكثير من المرونة،واتباع سنة التدرج،وأسهمت تلك الجماعات العنفية في تشويه صورة الإسلام والمسلمين،عندما كانت تتمنطق بأحزمة العنف لتنفجر وسط خلق الله الأبرياء،بالرغم من الإحصاءات الدقيقة التي أكدت على أن الذين نالهم أذاها هم المسلمون أكثر من غيرهم.
10. واليوم تقع مسؤولية الحد من الظاهرة على العالم الإسلامي إذا هو نجح في تحدي “صناعة النموذج”:النموذج الناجح في التنمية والاقتصاد والحكم الرشيد والعدل في الحكم وقسمة الأرزاق والالتزام بالأخلاق،والقطع مع المناكفات والمشاحنات والظغائن والأحقاد والمؤامرات بين دوله ومجتمعاته.