منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل هناك صلاة اسمها صلاة الشروق أو صلاة الإشراق؟

بن سالم باهشام

0

هل هناك صلاة اسمها صلاة الشروق أو صلاة الإشراق؟

الأستاذ بن سالم باهشام -أستاذ العلوم الشرعية

مقدمة

انطلاقا من كثرة المتحدثين غير الأكفاء في الشؤون الدينية، وتسجيلهم لدروس في الخلافات الفرعية؛ وغياب الرقابة على التسجيلات، وضعف التحصين الديني في صفوف أفراد المجتمع، نجد الكثير من الناس يرتبكون في أمور دينهم عندما يسمعون هذه التسجيلات الشاذة، والتي تخالف ما كان الناس عليه منذ سنين، من ذلك؛ استنكارهم لصلاة الشروق بدعوى أن سندها غير صحيح، وأنها ليس لها أصل شرعي. وجوابا على تساؤلات الكثير منهم حول مفهوم صلاة الشروق، وسندها الشرعي، ومشروعيتها، ووقتها، وعدد ركعاتها. وعلاقتها بصلاة الضحى، نقول وبالله التوفيق:

تخريج حديث صلاة الشّروق وفضلها

جاء في فضل صلاة الشّروق أجراً عظيماً، روى الترمذي  بسند حسن غريب،

* عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ) [أخرجه الترمذي (2/481 ، رقم 586) وقال : حسن غريب، فالحديث حسنه  الترمذي بشواهده، كما ذكر ابن حجر في “المطالب العالية”، ويشهد له ما رواه عن جابر وصححه:  (أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَنًا) ،قال القاضي عياض في “إكمال المعلم”: أي: ترتفع، ويظهر طلوعها، وتتمكن وتباح الصلاة.

* وروى الطبراني في “الأوسط”، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الفَجْرَ، لم يَقُمْ من مجلِسه حتى يُمكِنَه الصلاة ُ، وقال: “من صلى الصُّبح، ثم جلس في مجلِسه حتى يُمكِنَه الصلاةُ، كانت بمنزلة عُمْرةٍ وحجَّة مُتقبَّلتينِ) . [رواه الطبراني في “الأوسط” (5598)، وفي إسناده الفضل بن المُوفَّق بن أبي المُتَّئِد، وهو ضعيف] . [وحديث أنس في صلاة الشروق، حسنه جمعٌ من العلماء، فالحديث حسن بشواهده].

المفهوم الشرعي لصلاة الشروق:

إنّ بيان المفهوم الشرعيّ لصلاة الشّروق؛ يعطي تصوّراً في ذهن المسلم عن وقتها وطبيعتها، وقد بيّن العلماء ذلك، وفصّلوا في أحكامها وعلاقتها بصلاة الضحى، وبيان ذلك فيما يأتي:

صلاة الشروق، أو صلاة الإشراق، هي صلاة ركعتين بعد طلوع الشمس وارتفاعها، لمن صلى الفجر في جماعة في المسجد، ثم جلس في مصلاه يذكر الله تعالى حتى يصلي ركعتي ، وهي صلاة من صلوات النوافل، زائدة عن الفروض، تصلى عند ارتفاع الشمس قدر رمح، أي بعد الشروق بنحو عشر دقائق، وهو وقت انتهاء وقت النهي عن الصلاة.

الفرق بين صلاة الشروق وصلاة الضحى

صلاة الشروق هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة). وروى مسلم في “صحيحه” مطولًا، أن النبي ﷺ قال لعمرو بن عبسة رضي الله عنه: (إذا صليتَ الفجر فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس قيد رمح، ثم صلِّ، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى أن تقف الشمس)، [أخرجه مسلم في “صحيحه” مطولًا]، ومعنى “محضورة مشهودة” : أي تحضرها ملائكة الليل والنهار وتشهدها . ومعنى “قيد” : بكسر القاف وسكون الياء ، بمعنى قدر .

فمن صلى الصبح في جماعة، ثم جلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانتا له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، كما جاء في الحديث، فهاتان الركعتان المذكورتان في الحديث؛ هما من صلاة الضحى، لكن لهما فضل خاص؛ لكونهما مرتبطتين بجلوسه في مصلاه بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس، وركعتا الضحى لا تسميان ركعتي إشراق ولو صلاهما في أول الوقت عند الشروق، إلا إذا كانتا في أول وقت الضحى وصلى صاحبهما الصبح في جماعة واستغرق تلك المدة في ذكر الله تعالى.

ووقت الضحى يبدأ بعد خروج وقت النهي، بارتفاع الشمس بعد طلوعها قيد رمح، كما جاء في الإقناع وشرح البَهوتي: (ووقتها، أي: صلاِة الضحى ، من خروج وقت النهي، أي: ارتفاع الشمس قيد رمح ، إلى قبيل الزوال، ما لم يدخل وقت النهي، أي: وقت الاستواء. ). وذلك يقدَّر ما بين ثنتي عشرة دقيقة إلى ربع ساعة، فانتظار ربع ساعة أحوط. أما أفضل صلاة الضحى، فحين ترمض الفصال، وذلك حين يشتد الضحى قبل وقوف الشمس.

عدد ركعات صلاة الشروق

لم يرد نص مخصص في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم-  حول عدد الركعات المنوطة بصلاة الشروق، غير أنه من المعروف أن السُّنة تُصلى مثنى مثنى، وعليه؛ فإن أقل ركعاتها اثنتان، كما وردت أقوال عن الصحابة  رضي الله عنهم، أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم- كان يصليها حسب التيسير، فمرة اثنتان، ومرة أربع، ومرة ثمان، وأيّاً كان العدد، فلا بد من التسليم بين كل اثنتين، وأما أداؤها فتُصلى تماماً كالصلاة العادية، وليس هناك سور محددة لقراءتها في هذه الصلاة، كما تجدر الإشارة إلى أنّ صلاة الشروق صلاة سرية لا جهرية، وتؤدى بشكل فردي كل على حدة، ولا تؤدى بصورة جماعية. وإذا فعلت جماعة فليس هناك ما يمنعها لجواز صلاة النافلة جماعة.

وعند بعض العلماء عدد ركعاتها: انثتا عشرة ركعة. وتسمّى صلاة الشروق بصلاة الضحى أيضاً، لكنّ بعض أهل العلم حدّدوا الفارق بين التسميتين؛ فقالوا: (إذا صلّاها المسلم بعد شروق الشمس؛ سُمّيت بصلاة الشروق، أمّا إذا صلّاها بعد ذلك؛ سميت صلاة الضحى).

فقه حديث صلاة الشروق

ثواب الحج والعمرة الوارد في حديث صلاة الشروق؛ معلقٌ على أمور، فلا يحصلُ إلا بحصولها، فمن المعلوم أن ما عُلّقَ على شرطٍ لا يحدثُ عند انتفاء ذلك الشرط .

1 – أول هذه الأمور: صلاة الصبح في جماعة: (مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ)، فمن صلى الصبح في غير جماعة؛ لم يحصل له هذا الثواب على ظاهر الحديث.

2 – ثاني هذه الأمور: القعود في المصلى حتى تطلع الشمس: (ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)،  فمن ترك المصلى لم يحصل له هذا الثواب إلا بالنية إن كان معذوراً، والمصلى هو المكان الذي صلى فيه، واختُلف؛ هل يختصُ بالبقعة التي أوقع فيها الصلاة، أو يعمُ جميع المسجد، والثاني أرجح.

3 – ثالث هذه الأمور: الصلاة بعد الشروق: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).

 فإذا صليت الركعتان، ولم تكن مرتبطة بصلاة الفجر في جماعة، وملء الفترة بين الصبح والشروق بالذكر، فتسمى صلاة الضحى، وينال صاحبها أجر صلاة الضحى، ولا ينال أجر صلاة الشروق والذي هو الحجة والعمرة.

أقوال العلماء في فقه الحديث

اختلف العلماء في الحديث، هل يحمل على ظاهره أم لا؟

1 – فذهب الجماهير منهم إلى أن النص على ظاهره، وأن الوعد فيه خاص بمن جلس في مصلاه ولم يفارقه، وأن الفضل في المكث والقعود، فإن قطعه ولو بطواف؛ لم يكن له ذلك، واستصوبه ابن حجر كما في حاشية إعانة الطالبين للدمياطي.

2 – وحمل بعضهم ذلك على مجرد الذكر فيما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وقالوا: المقصود هو الاشتغال بالذكر، فلو قام من مصلاه ولم يقطع الذكر حصل له الأجر.

3 – وبما أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص، فنحن نعلم أن المساجد بالمغرب مؤممة، وأنه بعد الانتهاء من قراءة حزب الصباح جماعة، تغلق المساجد، ولا يحق لأحد البقاء فيها إلى الشروق، وهذه الإشكالية لم تكن مطروحة عند سلفنا الصالح، لهذا يتطلب الأمر إيجاد جواب له، إذ ظاهر هذا الحديث أن هذا الأجر مرتب على الجلوس في المصلى الذي صلى فيه الشخص الصبح جماعة، سواء كان ذلك في البيت أو في المسجد. أما إذا تحول المصلي عن مصلاه الذي صلى فيه الصبح، فالذي يظهر أنه لا يشمله هذا الوعد. إلا أنه يجب مراعاة حال من أراد المكوث في مصلاه في المسجد إلى الشروق، إلا أنه أُغلق دونه المسجد، أو نوى العمل؛ وحيل بينه وبين البقاء في مصلاه إلى الشروق، أو أنه احتاج إلى قضاء حاجته – مثلاً- أثناء انتظاره لوقت صلاة الشروق، اعتبر هذا المانع فوق طاقته، وأنه يرجو تحصيل أجر الحجّة والعمرة كما بيّن النبي عليه الصلاة والسلام، وأن المشقة تجلب التيسير، وأن الشخص ينال الثواب بنيته، بدليل ما رواه مسلم في صحيحه، عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ رضِيَ اللهُ عنْهُمَا قَالَ: (كُنَّا مَع النَّبِيِّ ﷺ في غَزَاة، فَقَالَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ كانُوا مَعكُم، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ وَفِي روايَةِ: ( إِلاَّ شَركُوكُمْ في الأَجْر ) ، يعني أنهم يودون أن يشاركوكم، وأن نيتهم معكم، لكن حبسهم العذر الذي هو المرض؛ فالإنسان الذي يحبسه المرض أو أي مانع مقبول شرعا، عن الجهاد أو عن الصلاة في الجماعة أو نحو ذلك، يكون أجره كاملاً كأنه صلى وجاهد مع الناس بسبب النية الطيبة؛ ولهذا قاس بعض العلماء ذلك على المسافر والمريض الذي يحصل له أجر ما كان يعمل من الصالحات بحال إقامته وعافية بدنه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، منها: ما رواه البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – :« إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا » [أخرجه البخاري 4/70 ( 2996 ) ]، وهذا سند  بعض أهل العلم الذين لم يقفوا عند ظاهر نص الحديث، بل ذهبوا إلى تحقّق الأجر الوارد في الحديث لمن انصرف إلى بيته، شريطة أنْ يبقى محافظاً على الذكر، وأنه يرجى أن يحصل هذا الثواب لمن صلى هاتين الركعتين ـ ولو في بيته ـ فقد ذكر الهروي القاري في مرقاة المفاتيح أن هذا الثواب يحصل لمن انتقل عن مصلاه ـ ولو انصرف إلى بيته ـ إذا كان مشتغلاً بالذكر حتى تطلع الشمس، فأولى من جلس في مصلاه ثم صلى هاتين الركعتين في بيته، فقال: (وعنه ـ أي عن أنس ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله ـ أي استمر في مكانه ومسجده الذي صلى فيه ـ فلا ينافيه القيام لطواف، أو لطلب علم، أو مجلس وعظ في المسجد، بل وكذا لو رجع إلى بيته واستمر على الذكر حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، قال الطيبي: أي ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق وهي أول صلاة الضحى).

حكم عدم المداومة على صلاة الشروق

لا يترتّب إثم على ترك صلاة الشروق، ولا يجب على الفرد قضاؤها؛ لأنّها من عموم الصلوات المسنونة التي شرعها الإسلام، لا على وجه الوجوب، وينبغي للمسلم الالتزام بها، ولكنّ المفرّط فيها قد فاته ثواب عظيم، وأخرج نفسه من المنافسة في القربات والطاعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.