الكشوفات الزلزالية خلل في الذات أو إختلال في الأدوات؟
محمـد عبـد الرحمــن بــن الطالب
الكشوفات الزلزالية
خلل في الذات أو إختلال في الأدوات؟
محمـد عبـد الرحمــن بــن الطالب
باحث في الفكر الإسلامي المعاصر
مقدمة:
عرف المغرب ليلة الثامن من شتنبر الجاري، زلزالا قويا تصادمت على إثره الصفحات التكطونية العميقة للبسيطة- في ظن خبراء الزلازل- جعلت القشرة الأرضية السطحية تتحدث، بإرادة الله تعالى عن أخبارها اليقينية، وتكشف عن أسراها الغامضة بوحي منه عز وجل سبحانه، خالق الكون والمدير المقسط لسننه والمدبر الواجد للآيات الكونية، والمبدع للآليات التكوينية للمخلوق ليتعظ بالحال العابر ويعتبر بالمقام الدائم، يقول العليم الحكيم:﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ اِ۬لَارْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ اِ۬لَارْضُ أَثْقَالَهَا. وَقَالَ اَ۬لِانسَٰنُ مَا لَهَا. يَوْمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْح۪يٰ لَهَاۖ﴾[1]. فماهي الأخبار التي أوحى الله تعالى لأرضه أن تحدث بها المغاربة عبر تلك الأثقال الظاهرة التي أخرجتها؟ والأثقال الباطنية التي أحرجت المسؤولين وجرحت المستضعفين؟
كشف هذا الزلزال، بل كشفت هذه الزلازل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، عن القِيمَة الفطرية التي ارتضاها الخالق لمخلوقاته، وعن القيم المزيفة للتنمية التي إنصاعت لها الراعية رغبة ورهبة. وعن المواثيق المؤجلة لصناع القرار.
الكاشف الذاتي: القيمة الفطرية الدائمة.
ألم تر كيف تخلى العباد ليلة الزلزال، في ثوان معدودات، عن المال والبنين زينة الحياة الدنيا؟ أبقَى الناجون بأرواحهم، بعد أن أذهلت كل مولودة عن ولدها وأسقطت كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكارى، ولكن ما حل بهم أعظم في تلك الظلمة الحالكة، التي عاين فيها الناس صورة من هول يوم البعث الغيبي؛ فروا فيها أفرادا من مساكنهم “الآمنة” ومن جماعتهم “المؤتمنة”، وافترشوا التراب والتحفوا السماء، وذاقوا لباس الجوع والخوف وابتلوا بنقص من الأموال والأنفس والثمرات… مرارات تجرعها الصالح والطالح، وتذوقها الرفيع والوضيع. في موقف حصلت في العدالة المطلوبة، وموضع تحققت فيه المساواة المنشودة. ما أشببه بيوم الصّاخّة﴿ یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ. وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ. وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ. لِكُلِّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ شَأۡنࣱ یُغۡنِیهِ﴾[2].
إسأل بربك شهود عيان من الناجين عن كآبة منظر تلك الليلة، وعن سوء منقلب قرى بأكملها التي أصبحت ركاما وأشباحا. وأسألهم عن البادئين في الإنقاذ من شرفاء هذا الشعب المؤمنين بقضاء الله وقدره، وعن المبادرين- من جنود خفاء هذه الأمة- في انتشال جثامين الشهداء، وإنقاذ السالمين من الأحياء، وإسعاف المصابين من الجرحى، بأياديهم الطاهرة وجهودهم المأجورة إن شاء الله … قبل أن تبت إلينا وسائل الإعلام الرسمية، صور الكوارث “الطبيعية” والمآسي الإجتماعية ضحى اليوم الموالي من على الربوة العالية، أو من المروحية المعلقة لإنعدم الطريق إلى بؤرة الزلزال، وإستحالة الوصول إلى المغرب غير النافع. كما ظهر أخيرا المسؤولون والمنتخبون في الميدان لأخذ الصور التذكارية مع المنكوبين والمشردين؛ صور ذل وعار لما قدمت أيديهم، وصور إهانة لكرامة وعزة الموطنين من “المساعدات” خاصة تلك الواردة من مغتصبي فلسطين.
وتأسيسا عليه فإنه ينبغي في البداية أن تكون إرادة الله تعالى في آياته الكونية، خارج المنظومات الحسابية الفعلية وردود الأفعال الجيوبوليتيكية، وأن يهتدي فيها العباد إلى آليات تكوينية ينتفعون بها وينفعون بها البلاد، ولعل هذا فطن له، مبكرا، الشعب المغربي برمة أطيفه، حين أبان عن صدق الانتماء الفطري للإنسان من خلال تلك الجسور المتواصلة والمتنوعة من المواساة والمساهمات بالغالي والنفيس لضحايا الزلزال، والذين شعروا لأول مرة أنهم مغاربة بعد أن فاض عليهم الخير، وبرزت عليهم معاني الأخوة ومعالم المحبة، التي هونت عليهم وقع وشدة هذه النقمة، في مبناها والنعمة في معناها. كان لهؤلاء سبق في البذل، وصدق في الإيمان وسمو في الإنسانية، وتجرد الفرقاء من العصب الإيديولوجي، بعد أن صقل الزلزال مرآة فطرتهم، ونفض الغبار عن يقظة القلوب ووعي العقول؛ ابطلوا مفعول الطفرة، وتفاعلوا مع نداء الفطرة الذي قال عنه ﷺ: »مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى«[3].
الكاشف الموضوعي: القيم التنموية الزائلة.
هل أتتك الأحاديث الكاذبة عن التنمية التي أملها البنك الدولي على مناذبه من أبناء جلدتنا؟ الذين بلغونا أن التنمية هي أن “يعيش الناس حياة مديدة صحية، وأن يكسبوا معرفة ويحصلون على الموارد اللازمة لمستوى معيشة لائقة”[4]، إلا أن أصحاب القرار قد استهلكوا من الشعارات ما يكفي، وجربوا من الأنماط التنموية ما يغني؛ فتلك المبادرة الوطنية للتنمية البشريةINDH [5] في 2005، وهذا النموذج التنموي الجديد[6] في 2019 وبينهما “مشاريع” و”مخططات” تنموية عينت لها لجان كفاءات ورصدت من أرزاق الشعب الأموال الطائلة، لكننا لا نعقل متى؟ وكيف؟ وأين؟ أنجزت. إلا أننا بُلّغنا أن مؤشرنا التنموي، وللأسف، جد منحط!
من المفارقات التي أبرزها هذا الزلزال الكاشف، أن سطح بؤرته القروية ومحيطه البدوي تظهره على ساكنته مظاهر الفقر المدقع، وسمات الهشاشة على مساكنها، وعلامات التهميش على المنطقة برمتها، وأمارات الإقصاء على بنيتها التحتية، التي نستحي الحديث عن “الطرق” التي لا تسلكها إلا الدواب، ويحرجنا الكلام عن “المستوصفات” التي تنقل إليها الحوامل على نعوش الموتى وتحمل على أكتاف الرجال، ونتوارى من رؤية “المدارس” من قزازة منظرها وفراغ مناهجها. ونفضل الصمت إذا تعلق الأمر بالبيئة من جراء الاستنزاف الشنيع للفرشة المائية، والاستغلال البشيع للثروات المعدنية، والإفراط في تلوث المياه السطحية، وأنهاك النسل بالأوجاع، وهلاك الحرث والزرع بالأمراض. أما مفهوم الاستقرار؛ فالإرتدادت المتكررة والتفجيرات المستمرة لها تصور شاد وشرود على المعتاد، بعد قمع الوقفات النضالية والمسيرات السلمية، المطالبة بتحويل ريع استغلال الثروات المحلية إلى مشاريع تنموية حقيقية في الحسيمة، وجرادة، وزاكورة، وإميضر…
نجد، في المقابل، في باطن محيط هذه البؤرة الزلزالية الركاز المدفون من ثروة المعادن النفيسة، والتي أنشئت لها المناجم الضخمة لإستغلالها، وأعد لها اللوجستيك الملائم لتسويق وتصدير الإنتاح، وتوفرت لها البنية التحتية المتكاملة؛ إذ شقت لها الطرق المعبدة، وزودت بالماء الصالح للشرب، وربطت بالشبكات العالية للإتصال، وشبكة الكهرباء ذات التوتر العالي، وألواح الطاقة الشمسية تفاديا لإنقطاع التيار، وتوظيف إمكانات الذكاء الإصطناعي. يكشف الجدول أذناه، حقيقة ثنائية مغرب المستضعفين غير النافع، ومغرب المستكبيرين المنتفع منه.

الكاشف البنيوي: الخطاب السياسي الشارد.
أين كانت الحكومة- التي اعتادت تدبير أمورها بليل- ليلة الزلزال ونهاره؟ ولماذا لم تنفيذ “الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية 2020-2030، تحت إشراف مديرية إدارة مخاطر الكوارث في وزارة الداخلية”؟ ولماذا لم يتم تفعيل القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية[11]؟ وما مآل المرسوم رقم 2.12.682 الصادر في17 من رجب 1434 (28 ماي 2013)[12]، والقاضي بوضع قواعد البناء المضاد للزلازل؟
يظهر أن حكومة “الكفاءات” تصوغ التقارير ولا تصنع القرارات، بالرغم من الترسانة القانونية الموقوفة التنفيذ إما لصعوبات تنفيذها، أو لحاجتها إلى صيغ تنفيذية معينة. فإذا علمنا أن البنية الجيولوجية المضطربة للمغرب، كانت السبب المادي للأنشطة الزلزالية خلال العقود الأخيرة[13]، في كل من أكادير(29 فبراير1960)، والحسيمة(24 فبراير2004)، والحوز(8 شتنبر 2023) والتي خلفت برمتها ما يناهز 19000 قتيل، ونفس العدد من الجرحى، وعدد كبير من المفقودين المدفونين تحت الانقاض. يضاف إلى هذه البنية الجيولوجية الباطنية، البنية الجغرافية السطحية التي كانت وراء الفيضانات المتعددة، والحرائق الغابوية المتكررة. فتدبير الأزمات أمر اعتيادي، بل اعتباري، لا اعتباطي كما ألفنا.
تستدعي هذه الوضعيات الكارثية المتكررة، أن تكون من أولويات الحكومة القائمة على الشأن العام-وكذا من الشروط الموضوعية التي ينبغي أن ترتبط بها محاسبة المسؤولين خاصة المتصدين للجهوية المتقدمة- وأن تتخذ التدابير التسابقية والإجراءات الإحترازية، للتدخل المقدور عليه؛ ونقصد به إعادة النظر في تهيئة المجالات المهددة، خاصة القروية، وتسهيل ولوج آليات ومركبات ومروحيات الاغاثة والانقاد الواجب توفيرها بالمعايير الملائمة. فمن العيب والعار أن تطلع وسائل الاعلام الرسمية مشاهديها- وهم شهود عيان- متطوعين من عامة الشعب يحفرون بالأيادي المجردة لأنقاذ الناجيين، أو انتشال الموتى، وإسعاف المصابين بالوسائل التقليدية. ومع تأخر إلتحاق، بل صعوبة وصول، المنقذين والمسعفين المحترفين لوعورة المسالك وانعدام الجسور، إرتفع عدد الموتى، وتقلص أمل العثور على الأحياء والناجين. وا حصرتاه على الأرواح التي زهقت، ويا اسفاه على ما سيعانيه الأحياء من برد ليالي الشتاء القارس، ومن جوع نهارها الجارف، بعد أن تكفلت بهم الحكومة.
وبناء عليه، فحاجتنا ماسة اليوم قبل الغد، بعد توفير لوجستيك تدبير الكوارث والأزمات، إلى إعداد طواقم انقاذ خبيرة مهنيا وميدانيا تشرف على الفرق المساومواساتهم ندة داخل وخارج البلاد، والتي لا ندفع بها قدر الله، وإنما نرفع بها أسباب تلقي لطف الله. ويبقى الوفاء بإيواء المتضررين وتعويضهم، بل إعادة الاعتبار لهم من أولويات التزامات الحكومة.
خاتمة: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”.
نجعل قوله تعالى:﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[14]، نشهد أن الله تعالى أرانا أياته الكونية في أنفسنا، لنستخلص منها الآليات التكوينية لآفاقنا. نحتاج إلى مراجعة تفضي بنا إلى التوبة النصوح بما كسبت أيدينا لبلوع الاحسان المتعدد في تدبير شأننا الخاص، ولنتأهب للعزم على المبادرة للقيام بالنقد الذاتي البناء لتحقيق العدل الشامل في تدبير شأننا العام، قصد الإئتلاف بين صدق الدوافع الذاتية للذات الإنسانية المتماسكة، وقصد تخليص البواعث الاعتبارية من الخلفيات السياسوية، والمخلفات الأيديولوجية، والعادات الليبرالية المتعجرفة، والذهنيات المسلوبة الإرادة، والعقليات المستولية على الإدارة، والمخططات المكيدة للفضلاء، وتبذير أرزاق المستضعفين، التي تهدد إستقرار واستمرار المجتمع الآدمي في رحمه الموحد.
[1]– سورة الزلزلة: 01-05.
[2]– سورة عبسى: 33-37.
[3]– أخرجه البخاري (ح6011)، ومسلم (ح2586) واللفظ له.
[4]-البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة المفروض على الدول العربية مند سنة 1990،(PNUD) Programme des Nations Unis pour Développements=.
[5]-ركزت هذه المبادأة الملكية على ثلاث محاور: محاربة الفقر بالوسط القروي، ومحاربة الاقصاء الاجتماعي، ومحاربة الهشاشة والتهميش.
[6]-أنظر تقرير النموذج التنموي الجديد للمغرب، الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 2019.
[7]– https://ar.wikipedia.org/wiki آخر تعديل كان يوم 16 يوليو 2022، 01:48 الساعة. بتصرف
[8]-https://lakome2.com. الجمعة 11 يناير 2019 | 11:04
[9]-www.aljamaa.net 19 تقرير عن منجم اميضر، نشر يوم غشت 2019 على الساعة 17:16
[10]-www.maghrebvoices.com دراسة نشرت في 02 مايو 2021
[11]– الظهير الشريف رقم 1.16.152 صادر في 21 من ذي القعدة 1437 (25 أغسطس 2016) بتنفيذ القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6502 بتاريخ 20 ذو الحجة 1437 (22 ديسمبر 2016)، 6830.
[12]-المرسوم القاضي بالموافقة على ضبط البناء المضاء للزلزال المسمى”R.P.S.2000″ المطبق على المباني المحددة فيه قواعد الوقاية، من الزلازل و بإحداث اللجنة الوطنية لهندسة الوقاية من الزلازل.
[13]– عن المعهد الوطني للجيوفيزياء-بتصرف- www.cnrst.ma
[14]– سورة فصلت: 53.