منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منبر رثاء أم منبر فتنة؟

د. أحمد الزقاقي

0
منبر رثاء أم منبر فتنة؟
د. أحمد الزقاقي
ليس من الورع، ولا من الولاء لآل بيت رسول الله ﷺ، ولا من الدفاع عن المظلومية التاريخية، أن يتحول المنبر الحسيني إلى مصنع للشتائم وإهانة رموز المسلمين.
ما صدر عن الرادود العراقي خضر عباس من عبارات من قبيل: “أحفاد الفتنة والسقيفة” و“أبناء الكافرة الطليقة” ليس رأيًا تاريخيًا، ولا بحثًا مذهبيًا، ولا قراءة نقدية لأحداث الصدر الأول؛ بل هو خطاب كراهية صريح، لأنه يجمع بين أمرين خطيرين:
– أولا: تحويل الخلاف التاريخي حول السقيفة والفتنة إلى لعنة جماعية تُسقط على أناس معاصرين لا ذنب لهم في وقائع مضت قبل قرون كيفما كان الاختلاف في تفسيرها وتقييمها.
– ثانيا: استعمال لغة اللعن والتحقير لتغذية الفرز المذهبي والطائفي داخل بلد جريح مثل العراق، لا يزال يدفع ثمن خطابات التعبئة المذهبية والانتقام الرمزي إلى اليوم، وفي سياق حرب عدوانية أمريكية ص.ه..يونية على المسلمين يعد استعمال تلك اللغة جريمة بكل المقاييس.
إدانة ذلك الكلام ليست استهدافًا للشيعة، ولا إنكارًا لمسلكهم في الحزن على كربلاء، ولا مصادرة لحق البحث في التاريخ، الإدانة هنا موجهة إلى خطاب محدد يتجاوز النقد إلى الإهانة، ويتجاوز الذاكرة الدينية إلى التحريض، ويتجاوز حرية التعبير إلى العبث بالسلم والاستقرار.
وفي المقابل، الرد على هذا الانحراف لا يجوز أن يكون بانحراف مقابل، فينادي الآخر “من أهل السنة ليك يا ليفة”، ويقابل “لطمية شيعية” ب”لطمية سنية”، فلا يصح أن نرد على السبّ واللعن بسب ولعن المخالفين، ولا على خطاب طائفي بخطاب طائفي مضاد، من يفعل ذلك يمنح الفتَّانين ما يريدون: فتنة متبادلة، وغضبًا أعمى، وتمزيقًا جديدًا للنسيج الإسلامي والاجتماعي.
الموقف الصحيح واضح وصارم:
– نرفض الطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن
– نرفض سبّ الصحابة ورموز المسلمين.
– نرفض تحويل كربلاء إلى وقود لكراهية السنة.
– نرفض أيضًا تحويل الغضب السني المشروع إلى عداء جماعي ضد الشيعة.
– نطالب العلماء والعقلاء والإعلاميين والجهات القانونية في العراق وغيره بموقف واضح: لا قداسة لخطاب يحرّض، ولا حصانة لمنبر يزرع الكراهية، ولا تسامح مع من يحوّل الاختلاف إلى أداة لتفجير المجتمع.
– التحذير من الفتنة وخطابات الكراهية لا تعني الصمت عن الإساءة، بل تعني إدانتها بوضوح، ومحاسبة أصحابها بالحق والقانون، ومنع ردود الأفعال التي تجعل النار نارين والفتنة فتنتين.
لقد سبق لي أن عالجت هذه الظاهرة وأمثالها في كتابي الجديد الذي طُبع ووسمته بعنوان:”مداخل معرفية ومنهجية إلى تجاوز سرديات الكراهية في التراثين السني والشيعي”، إلا أنه لن يكون متاحا في الدورة الحالية للمعرض الدولي للكتاب بالرباط (ماي 2026) لأسباب سيأتي أوان شرحها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.