التعريف بالموطأ والجامع الصحيح للبخاري
التعريف بالموطأ والجامع الصحيح للبخاري/الأستاذ يحي ملوك
التعريف بالموطأ والجامع الصحيح للبخاري
بقلم: الأستاذ يحي ملوك
مقدمة
تشن بعض الأوساط المعروفة بعدائها للإسلام في حملات منظمة على صحيح البخاري ومؤلفه. وقد انخرط في هذا الأمر الخطير أناس يتسمون بأسمائنا وهم من بني جلدتنا. للأسف لم يكن الأمر عابرا وكفى بل لا زالت تردده ببغاوات الإعلام الهجين لصرف الأمة عن سنة حبيبها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. لكن هيهات فإن أقوال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لا زالت تثير جدلا في هذه المنابر المأجورة، وهذا من الشهادات على قوتها وصمودها عبر السنين. لذا أعددت هذه الورقة تحت عنوان: مقاربة لاستيعاب مضامين الموطأ والجامع الصحيح لعلي أحشو بها أفواههم بالتراب. هذا عن الإمام البخاري ولكن لماذا إقحام الموطأ؟ لأن الكتاب استشهد بزهاء 2000 حديث، ثم لأني وجدت من يصنف الكتاب في مراتب مختلفة. منهم من رتبه في الأول أي يتقدم صحيح البخاري ومسلم. ومنهم من جعله في مرتبة الصحيحين، ومنهم من وضعه في المرتبة الثالثة. لذلك فإن هذا البحث سيعالج الكتابين من وجهة نظر علم الحديث آملين في ذلك أن نرفع اللبس عن الموضوع. وأن نسهم في إسكات المغرضين ممن لم يعيهم انتهاك حرمة الإسلام الذين أصبح لهم صوت يسمع حين غاب من يحميه.
التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك رضي الله عنه:
الموطأ: هو من الكتب الأوائل التي ألفت في القرن الأول من الإسلام. صاحبه الإمام مالك بن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. ولد سنة 93 هجرية. جمع الإمام مالك بين علم الحديث وعلم الفقه، وبرع في هذين العلمين حتى عدَّه أهل الحديث محدثاً، وعده أهل الفقه فقيهاً. قال القاضي عياض: جاء في رواية أن أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون، عمله كلاماً بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل. ولو كنت أنا لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ.1
وقد سمي الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس، بمعنى أنه : هذَّبَه ومهَّدَه لهم .
ونُقِل عن مالك رحمه الله أنه عرض كتابه هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطَأَه عليه، فسماه الموطأ. فكتاب الموطأ يشتمل على 1942 حديثا برواية يحيى الليثي، انتقاها بمعرفته للرجال الذين كانوا يعاصرونه حيث إنه أخذ على نفسه ألا يقبل حديثا إلا عن ثقة.
منهجية الكتاب
لقد كان للإمام مالك منهجا في كتابته وتأليفه للموطأ نسردها كالآتي:
- يأخذ الحديث من الثقات عنده.
- كان يشترط شهرة الراوي.
- إضافة إلى شهرة الراوي العلم بما يعرف والاعتناء به، حتى يكون على بينة من أمره.
- يتجنب أخذ الحديث عن السفيه. والكاذب وسط الناس.
- عدم الالتفات إلى الشيخ الصالح غير الضابط للحديث.
- عدم اعتماده على المبتدعة.
- تركه للغريب من الحديث وحرصه على سلامة النص.
- يكتفي بمن يثق على قوله “بلغني”.
منهجه في ترتيب الموطأ
رتّب الإمام مالك الموطأ على الكتب والأبواب الفقهية؛ حيث بدأ الموطأ بكتاب وقوت الصلاة، فكتاب الطهارة، فكتاب الصلاة، فالسهو، فالجمعة، ومن ثم عرض باقي الصلوات وباقي الكتب الفقهية انتهاءً بكتاب الجامع؛ وهو كتاب انفرد فيه الإمام بالتصنيف، فجمع فيه أبواباً مختلفة مثل: الكلام، حسن الخلق، الاستئذان ونحو ذلك.
منهجه في الأشخاص والأقوال التي أوردها
اعتمد المصنف في تأليفه للموطأ على سلوك طريقة درج عليها علماء آخرون مع اختلاف بسيط منها:
- تضمين الكتاب بأحاديث النبي صلى الله عليه و سلم متصلة الإسناد.
- تسطيره لأقوال سقط منها راو أو أكثر، وهذا ما يطلق عليه بالأحاديث المرسلة.
- تضمينه لأحاديث مروية عن الصحابة رضي الله عنهم. ويطلق عليها “الأحاديث الموقوفة”.
- ذكره لأقوال التابعين، وهو ما يسمى بالمقطوعات في علم الحديث.
- ذكره لما اعتبر عمل أهل المدينة حجة.
التعريف بكتاب الجامع الصحيح:
وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه: قال الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى: “كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا في الصحيح لسُنَن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فوقعَ ذلك في قلبي، وأخذت في جَمْعِ هذا الكتاب”. 2
- فهو قد سماه كتاب الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأيامه. وهو الجامع بمعنى رتبت أحاديثه على جميع موضوعات الدين وأبوابه، وعددها ثمانية أبواب رئيسة هي: العقائد والأحكام والسير والآداب والتفسير والفتن وأشراط الساعة والمناقب.
- وهو الصحيح أي إنه ليس فيه شيء ضعيف عنده لقوله: “ما أدخلت في الجامع إلا ما صح”
- وهو المسند أي إنه أخرج فيه الأحاديث المتصلة الإسناد ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء من قوله أو فعله أو تقريره.
- وجملة ما في “صحيح البخاري” من الأحاديث المسندة: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.3
منهج الإمام البخاري
عرف الإمام البخاري منذ انطلاقته الأولى نحو التبحر في علم الحديث قوله بأن الحديث تاريخ. فالمتوغل في هذا العلم ينبغي له أن يضبطه ويتحرى رجاله ويعرف مدى استقامتهم وضبطهم واستيعابهم لما يحفظونه. وقد تقصى في ذلك تقصيا لا مثيل له لبلوغ المرام.
وفي هذا يقول الإمام البخاري: “لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وحمله للحديث إن كان الرجل فهما، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته، فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون”.4 .
لقد كان منهجه في رجال الإسناد وشيوخه ودرجة من يأخذ عنهم ما يلي:
- إنه لا يأخذ إلا عن الثقة
- التزم التحري في تقصي أعلى درجات اليقين
- عدم الالتفات إلى كل شخص فيه نظر ولو كان عنده الكثير من الأحاديث. وفي هذا يقول الإمام البخاري:”تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل فيه نظر”5
منهجه في كتابة الحديث
أما منهجه في كتابة الحديث فقد تميز في كتابة الحديث والتأليف فيه. فاستغراقه 16 سنة يؤكد تحري البخاري و طول بحثه كما أن اختيار الحرمين الشريفين يدل على تقدير المسؤولية في اختيار الصحيح وانتقائه مما يوحي جلال المهمة التي تصدى لها البخاري وكان يقدرها حق قدرها فقد بلغ من حرص البخاري وعنايته أنه أعاد النظر فيه مرات لكثرة ما تعهده بالتهذيب والتنقيح قبل أن يخرجه للناس ولذلك صنفه ثلاث مرات”6
شروط البخاري
وإذ إن الإمام البخاري يؤسس علم الحديث فقد بدأ له أن يضع شروطا ثابتة لإدخال الحديث في دائرة الصحة. من هذه الشروط:
– أن يكون الحديث متصلا.
– أن يكون رواته عدولا.
– أن يكونوا متصفين بالضبط .
– أن يخلو الحديث من العلة ومعناه سلامة الحديث من علة تقدح في صحته؛ أي خلوه من وصف خفي قادح في صحة الحديث والظاهر السالمة منه.
– ألا يكون الحديث شاذا؛ والشذوذ هو مخالفة الراوي الثقة لمن هو أقوى منه لأنه إذا خالفه من هو أولى منه بقوة حفظه أو كثرة عدد كان مقدما عليه، وكان المرجوح شاذا. وتبين بشذوذه وقوع وهم في رواية هذا الحديث.
وقد أوضح البخاري منهجه في الاتصال بدقة متناهية عند غيره حيث اشترط في المعنعن شرطين وهما: اللقاء والمعاصرة، وفي ذلك يقول: “الاتصال عندهم أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه بصيغة صريحة في السماع منه كسمعت وحدثني وأخبرني أو ظاهرة كعن و أن فلان قال أي أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة مع اشتراط أن يكون ثقة فإذا ثبت عنه ذلك حملت عنه عنعنته على السماع، وعلة ذلك أنه إن لم يثبت لقاؤه له وإنما كان معاصرا له احتمل أن روايته عن طريق الإرسال وأما إذا حدث عن شيخه بما لم يسمعه منه كان مدلسا وبذلك كان شرط البخاري في الاتصال أقوى من غيره وخاصة مسلم وابن حنبل و غيرهما الذين اكتفوا بالمعاصرة دون اللقاء. إن طريق ثبوت اللقاء عند البخاري تدور على التصريح بالسماع في الإسناد فإذا ثبت السماع عنده في موضع يحكم به سائر المواضع ومن أجل ذلك كان البخاري يثبت في الرجال الذين يخرج عنهم ينتقي أكثرهم صحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه وإن فعل فإنما يخرج في المتابعات بشرط أن تقوم قرينة وأن يكون ذلك مما ضبطه الراوي”7 .
أدب الإمام البخاري في جرح الرجال
و في الجرح والتعديل كان للبخاري منهج دقيق وأسلوب فريد كان فيه كثير من التحري والتثبت. فإذا أنكر السماع من روى كان يقول: “لم يثبت سماع فلان من فلان” ولا يقول ورعا أن فلانا لم يسمع من فلان. كما كان أكثر ما يقول في الرجل المتروك أو الساقط (سكتوا عنه) أو ( فيه نظر) أو (تركوه).
و قل أن يقول كذاب أو وضاع بل يقول :(كذبه فلان أو رماه فلان يعني بالكذب). هدى الساري ص 7
فقه البخاري في تراجمه
في البداية نفك كلمة “ترجمة الحديث”: يقول الدكتور أحمد عمر هاشم في إحدى محاضراته: “تراجم الكتاب هي الكلمات التي يذكرها قبل الحديث ويجعلها عنوانا للباب . وفي هذه التراجم كان يضع الحكم الذي يشير إليه الحديث”.
للإشارة فإن التَّراجمَ نوعان: ظاهرةٌ وخفيَّةٌ.
أمَّا الظَّاهرة: فهي أنْ تكون التَّرجمة دالَّةً بالمطابقة لما يُورَدُ في ضمْنها، وإن الفائدة من وجودها الإعلام بما ورد في ذلك الباب.
وأمَّا الخفيَّة فهي التي تحتاج إلى استنباطٍ ونظرٍ في فهْم دلالاتها فقد تكون هناك مؤشرات دالة على تفسير غامض أو تأويل ظاهر أو تفصيل مجمل.
و لذلك جاء في كتاب 8. : “أن تراجم الصحيح تعطى الصورة الواضحة والدليل القاطع على مقدرة البخاري وسعة علمه وقوة حفظه ودرجة تفوقه في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما والاستدلال لأبواب أرادها من الأصول والفروع والزهد والراقائق واستخراج فقه الحديث وما له صلة بالحديث المروي فيه “”
ومن جهة أخرى فإن الامام البخاري قد أعاد الحديث الواحد وكرره في صحيحه أكثر من مرة. ليس ذلك اعتباطا أو سهوا، وإنما أمرا محسوبا في علم الحديث ومقاصده. منها ما يتعلق بالإسناد أو بالمتن أو بهما معا لما كان يرومه ويقصده من ترجمة أو معنى أو الاستدلال به كاملا.
الجانب التربوي في حياة الإمام البخاري
رُوِيَ عنه قوله: “رأيت النَّبِيّ – صلى الله عليه وسلم – في المنام وكأَنِّي واقف بين يديه وبيديّ مروحة أَذُبُّ عنه، فسألت بعضَ المُعَبِّرين فقال: أنت تذُبُّ عنه الكَذِبَ. فهو الذي حَمَلَني على إخراج “الصحيح”. 9 حمله أي استبشر بعالم الغيب وفهم الرسالة.
ورُوِيَ عنه أيضا قوله: صَنَّفْتُ كتاب “الصحيح” لسِتّ عشرة سنة، خَرَّجْتُه من ست مائة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً بيني وبين اللّه. 10
حياة الإمام البخاري كانت مرتبطة بالله عز وجل أشد الارتباط، بحيث إنه حينما صنف كتابه الجامع في المسجد الحرام فبمجرد استحضار النية لإدخال حديث نبوي إلا استخار الله تعالى، وصلى ركعتين .
ولقد كان الإمام البخاري وهو يتنقل من البصرة ويحج كل عام وهو في تنقلاته العلمية إلا ويدعو الله تعالى أن يبارك له في هذه المصنفات وأن ينفع بها المسلمين.
خلاصات و مفارقات
وصلنا الى زبدة الموضوع الذي يعطي كل ذي حق حقه. ويجيب عن التساؤلات المطروحة في المقدمة. فخلصنا إلى ما يلي:
- من المرجح أن كتاب الموطأ لم يكن كتاب حديث ولم يكن القصد منه الرواية وإنما القصد منه الاستدلال بالحديث على الحكم الشرعي.
- كان للإمام مالك مذهب سمي باسمه وهو مجموع الأقوال والأحكام الفقهية الاجتهادية.
- ليس للإمام البخاري مذهبا أنشأه فهو يعتبر صاحب علم الحديث والمتفوق فيه.
- كتاب الموطأ رتبه العلماء في المرتبة الثالثة بعد صحيح البخاري ومسلم.
قال النووي:” وبإسناده الصحيح عن الشافعي رضي الله عنه قال ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابا من موطأ مالك. قال العلماء إنما قال الشافعي هذه قبل وجود صحيحي البخاري ومسلم وهما أصح من الموطأ باتفاق العلماء”. 11
– قال الإمام النَّووي رحمه الله: (اتَّفق العُلماء رحمهم اللّه تعالى على أنَّ أصحَّ الكتب بَعد القرآنِ العزيز الصَّحيحانِ: البخاري ومسلم، وتلقَّتهما الأمّةُ بالقبول، وكتاب البخاري أصحُّهما.
– هناك موقف للإمام مالك رضي الله عنه يحسب له مفاده: أن أبا جعفر المنصور طلب من الإمام مالك كتابه، فاطلع عليه، ثم أثنى عليه، وأبدى رغبته في نشره في العالم الإسلامي حينذاك، وقد عارض مالك رحمه الله -لله دره- هذه الرغبة من الخليفة، وبيَّن السبب، وطلب منه أن يدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.” 12
خاتمة:
رحم الله الإمام البخاري وأجزل عطاءه. فقد كان رحمه الله مطاردا قبل موته واستمرت هذه المطاردة بعد موته. الهدف منها إلغاء السنة والتشويش على المسلمين في ثروة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وماذا يبقى لنا إن نحن استسلمنا لترهاتهم ونحن المأمورون بقوله تعالى :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إلاه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} سورة التوبة آية 130 .
مراجع:
1 – كتاب موطأ مالك رواية يحيى ت الأعظمي – ص 81 المكتبة الشاملة .
2 – كتاب صحيح البخاري بحاشية السهارنفور ص89 المكتبة الشاملة .
3 – كتاب صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري ص91 المكتبة الشاملة .
4 – سير أعلام النبلاء 12/406 .
5 – تاريخ بغداد 2/25 .
6 – طبقت الشافعية 7/2.
7 – هدى الساري ص 7
8 – هدى الساري ص 6 .
9 – كتاب صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري ص90 مكتبة الشاملة .
10 – المرجع السابق .
11 – أرشيف ملتقى أهل الحديث – ص18 المكتبة الشاملة الحديثة
12 – كتاب موطأ مالك رواية يحيى ص80 المكتبة الشاملة