تفسير سورة الشمس
الشيخ بنسالم باهشام
﴿ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ﴾
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَيٰهَا ﴿1﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَيٰهَا ﴿2﴾ وَالنَّه۪ارِ إِذَا جَلَّيٰهَا ﴿3﴾ وَاليْلِ إِذَا يَغْشَيٰهَا ﴿4﴾ وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَيٰهَا ﴿5﴾ وَالَارْضِ وَمَا طَحَيٰهَا ﴿6﴾ وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا ﴿8﴾ قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ ﴿10﴾ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَيٰهَآ ﴿11﴾ إِذِ اِ۪نۢبَعَثَ أَشْقَيٰهَا ﴿12﴾ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اُ۬للَّهِ نَاقَةَ اَ۬للَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴿13﴾ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّيٰهَاۖ ﴿14﴾ فَلَا يَخَافُ عُقْبَٰهَاۖ ﴿15﴾﴾
﴿ التعريف بسورة الشمس﴾.
تسمى سورة «الشمس»، وسورة « والشمس»، وسورة « والشمس وضحاها»، وسورة «الشمس وضحاها»؛ لافتتاحها بهذه الكلمة. وسورة الشمس 15 آية عند الجمهور، وهي مكية، نزلت قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وترتيبها بالمصحف 91. بعد سورة البلد، وقبل سورة الليل، أما ترتيبها في النزول فقد جاءت 26، نزلت بعد سورة القدر، وقبل سورة البروج.
بدأت بأسلوب قسم ” والشمس وضحاها “، إذ أقسم الله فيها بعدة مخلوقات له، واختصت بأطول موضع في القرآن الكريم تتابع فيه القَسَم، حيث تتابعَ القسم في سبع آيات متواليات يطَّرد فيها القَسَم بحرف الواو في مطلع كل آية. من قوله تعالى: (والشمس وضحاها)، إلى قوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)، ثم ذكر جواب القسم بمن أفلح وبمن خاب، وذكر شيئا من أخبار ثمود قوم صالح، مع الناقة.
وسورة الشمس ظاهرة الاتصال بسورة البلد التي قبلها، فإنه سبحانه لما ختم سورة البلد بذكر أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، أورد سبحانه سبب هذا التصنيف الناتج عن النفس المزكاة أو المدساة، فقوله: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس:9] هم أصحاب الميمنة في سورة البلد، وقوله: ﴿ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس:10] هم أصحاب المشأمة في سورة البلد، فكانت سورة الشمس، توضيح وإرشاد لسبب الطاعة والمعصية، وتعجيل لعاقبة العصاة في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ مقصد سورة الشمس ﴾.
النفس البشرية بين التزكية والتدسية
﴿ أقسام سورة الشمس ﴾.
تتألف سورة الشمس من فقرتين واضحتي المعالم مترابطتين
الفقرة الأولى: من الآية 1 إلى نهاية الآية 10
الفقرة الثانية: من الآية 11 إلى نهاية الآية 15 أي بنهاية السورة
الفقرة الأولى: تزكية النفوس وتدسيتها رهين بمدى استحضار عظمة الله من خلال عظمة خلقه المقسم به.
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَيٰهَا ﴿1﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَيٰهَا ﴿2﴾ وَالنَّه۪ارِ إِذَا جَلَّيٰهَا ﴿3﴾ وَاليْلِ إِذَا يَغْشَيٰهَا ﴿4﴾ وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَيٰهَا ﴿5﴾ وَالَارْضِ وَمَا طَحَيٰهَا ﴿6﴾ وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا ﴿8﴾ قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ ﴿10﴾
هذه الآيات من سورة الشمس، تشتمل على أكثر الأقسام الواردة في القرآن الكريم.
إلى هنا تمّ الحلف بهذه الموجودات السماوية والأرضية والحية وغير الحية، وهي سبعة من مخلوقاته العظيمة، ومن بينها النفس المخاطبة بهذه السورة: فبعد أن ابتدأت بالقسم بالشمس وضحاها، وبالقمر إِذا أعقبها وهو طالع، ثم بالنهار إِذا جلى ظلمة الليل بضيائه، وبالليل إِذا غطَّى الكائنات بظلامه، ثم بالقادر الذي أحكم بناء السماء بلا عمد، وبالأرض الذي بسطها، وبالنفس البشرية التي كملها الله وزينها بالفضائل والكمالات، أقسم بهذه المخلوقات على فلاح الإِنسان ونجاحه إِذا زكى نفسه وأنماها، وعلى شقاوته وخسرانه إِذا أهملها وأخفاها في المعاصي ودسّاها.
والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه، أنه لما كان الإيمان هو مفتاح التزكية وأعظم أسبابها، أقسم سبحانه وتعالى بالآيات الدالة والداعية إلى الإيمان، فمن تفكر فيها ونظر في دلالتها بقلب مفتوح، لا شك أن ذلك سيقوده إلى الإيمان، ومن ثم السعي في تزكية النفس، وتأملوا قول الله تعالى في سورة الذاريات:(وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الآيتان 20-21].
وكذلك الإعراض عن التأمل والتفكر في آيات الله في الكون وفي الأنفس، يؤدي إلى الكفر والشرك، ومن ثم الوقوع في رذائل الأعمال الكفيلة بتدسية النفس، قال تعالى في سورة يوسف:( وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [الآيتان 105 – 106].
الفقرة الثانية: نموذج الفرد والجماعة الذين دسوا نفوسهم، فكذبوا نبيهم وعقروا الناقة فأهلكهم الله.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَيٰهَآ ﴿11﴾ إِذِ اِ۪نۢبَعَثَ أَشْقَيٰهَا ﴿12﴾ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اُ۬للَّهِ نَاقَةَ اَ۬للَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴿13﴾ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّيٰهَاۖ ﴿14﴾ فَلَا يَخَافُ عُقْبَٰهَاۖ ﴿15﴾﴾.
ضرب المثل بثمود لمن دسّ نفسه وأهملها، فتمادت في الطغيان، فنزل بها العقاب الشديد وأهلكها ودمرها عيانا في الدنيا.
﴿ من خصائص سورة الشمس ﴾.
1 – ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَيٰهَا ﴿1﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَيٰهَا ﴿2﴾ وَالنَّه۪ارِ إِذَا جَلَّيٰهَا ﴿3﴾ وَاليْلِ إِذَا يَغْشَيٰهَا ﴿4﴾ وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَيٰهَا ﴿5﴾ وَالَارْضِ وَمَا طَحَيٰهَا ﴿6﴾ وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا ﴿8﴾﴾
أقسم تعالى بسبع آيات من الكائنات العظام، وهي الشمس وضياؤها، والقمر إذا أعقبها، والنهار إذا جلا ظلمة الليل بضيائه، وبالليل إذا غطى الكائنات بظلامه، وبالسماء والذي بناها بلا عمد، وبالأرض والذي بسطها على ماء ممتدة ممهدة قارة، وبالنفس الإنسانية التي كلفها الله عز وجل وزينها بالفضائل والكمالات، والذي سوى خلقتها.
2 – ﴿ قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ ﴿10﴾﴾.
أقسم تعالى بهذه الكائنات السبع، إظهارا لعظمة قدرته، وانفراده بالألوهية، وإشارة إلى ما فيها من مصالح وعظم نفعها، وأنها لا بد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها ، وكان المقسم عليه بهذه الأشيا، هو فلاح الإنسان ونجاحه إذا اتقى الله وزكى نفسه، أو خيبته وشقاوته وخسرانه إذا دساها وحقرها بالكفر والذنوب، وأوردها موارد الهلكة. والصلة بين المقسم به والمقسم عليه واضحة، وهي أنّه سبحانه يذكر نعمه الهائلة في هذه الآيات التي لو فقد البشر واحداً منها لتوقفت عجلة الحياة عن السير نحو الأمام، فمقتضى إفاضة هذه النعم، وإنارة الروح بإلهام الفجور والتقوى، هو المشي علىٰ درب الطاعة، وتزكية النفس دون الولوج في طريق الفجور وإخفاء الدسائس الشيطانية. والنفوس التي هي سرج الأبدان، تقودها إلى سعادة أو كيد وهوان ونكد، كما أن الشمس سراج الفلك، ويتصرف سبحانه في النفوس بالاختيار إضلالاً وهداية، نعيماً وشقاوة، كتصرفه سبحانه في الشمس بمثل ذلك من صحة واعتلال، وانتظام واختلال، وكذا في جميع الأكوان، بما له من عظيم الشأن، واسمها الشمس واضح الدلالة على ذلك، بتأمل المقسم به والمقسم عليه بما أعلم به وأشار إليه.
ألهمنا الله رشدنا، ووفقنا لما فيه صلاحنا وسعادتنا آمين.
﴿ الأحاديث الصحيحة الواردة في تفسير سورة الشمس ﴾.
أولا: قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿1﴾… ﴾ الآيات.
- ﴿ الحديث 1 ﴾.
روى البخاري واللفظ له، ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: قال: (أقبل رجلٌ بناضحين وقد جنح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذٍ، فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، فانطلق الرَّجل، وبلغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى النَّبيَّ ﷺ فشكا إليه معاذًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: « يا معاذ، أفتَّانٌ أنت؟. أو أفاتنٌ». ثلاث مرارٍ: «فلولا صلَّيت بـ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا﴾، ﴿وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَغۡشَىٰ﴾ فإنَّه يصلِّي وراءك الكبير والضَّعيف وذو الحاجة»).
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
أخرجه البخاري (705) واللفظ له، ومسلم (465)، وقد روي هذا الحديث عن بريدة بن الحصيب وأنس بن مالك.
- ﴿ الحديث 2 ﴾.
كان النبي ﷺ يقرأ بها في الجماعة في صلاة العشاء، فعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأُ في العِشاءِ الآخرة بالشَّمس وضحاها ونحوها من السور».
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
أخرجه الترمذي (309)، والنَّسائي (999)، وصححه الوادعي.
- ﴿ الحديث 3 ﴾.
روى أحمد، والنسائي في الكبرى بسند صحيح على شرطهما حديث أنس، في قصة معاذ في صلاته العشاء، وقوله صلى الله عليه وسلم له: ( اقرأ ب “سبح اسم ربك الأعلى”، و” والشمس وضحاها”، ونحوهما).
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
رواه أحمد 3/124، والنسائي في الكبرى 6/515 بسند صحيح على شرطهما، وتقدم عن جابر بنحوه في صحيح مسلم وغيره، انظر سورة الأعلى.
ثانيا: قوله تعالى: ﴿ وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا ﴿8﴾ قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ ﴿10﴾﴾.
- ﴿غريب كلمات الآية﴾.
« ألهمها »: استعمل الحق سبحانه وتعالى كلمة ألهم، لأنّه بمعنى إلقاء الشيء في روع الإنسان من دون أن يعلم الملهم من أين أتىٰ، والإنسان يعلم من صميم ذاته الحسن والسيئ من دون أن يتعلّم عند أحد. وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية الباطنية في آيات أُخرى، وقال في سورة البلد: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد : 10]. فبعد ما خلق سبحانه وتعالى النفس وسوّاها واكتملت خلقتها ظاهراً وباطناً، علّمها سبحانه التقوى والفجور، وفهم من صحيح الذات ما هو الحسن والقبيح، وقد تعلّم ذلك في منهج الفطرة.
( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) التزكية هو التطهير من الآثام.
( وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، ( دَسَّاهَا ) مشتق من التدسيس، وهو إخفاء الشيء من الشيء، والتدسيس مصدر دسّس، وهو من دسس يدسس تدسيساً، أخفاها وحقرها، أي: وصغر قدرها بالمعاصي، والبخل بما يجب. ومعنى الآية، فالإنسان هو فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما، والتزكية هي الإتمام والإعلاء بالتقوىٰ، لأنّ لازم التطهير هو الإنماء، كما أنّ التدسية النقص والإخفاء بالفجور.
- ﴿ الحديث 4 ﴾.
روى أحمد ، ومسلم في الأدعية، والترمذي في الدعوات، واللفظ لغير الترمذي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – ، يقول : (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ ، والبُخْلِ والجبن، والهَمِّ ، وَعَذابِ القَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ؛ وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ ؛ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجابُ لَهَا).
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
أخرجه أحمد (4/371 ، رقم 19327) ، ومسلم في الأدعية (17/41)، والترمذي في الدعوات 3340، واللفظ لغير الترمذي، وعبد بن حميد (ص 114 ، رقم 267) ، والنسائى (8/260 ، رقم 5458) ، والطبراني (5/201 ، رقم 5086) .
ونحوه عن عائشة، رواه أحمد 6/209 بسند صحيح، وانظر: المجمع 2/127 ،128، وج 10/ 110. ونحوه أيضا عن ابن عباس، أورده في المجمع 7/138 برواية الطبراني رقم11191 من كبيره قال: وإسناده حسن، وله شاهد آخر عن أبي هريرة في السنة لابن أبي عاصم 319.
- ﴿غريب كلمات الحديث﴾.
الكسل: قال النووي في شرح صحيح مسلم: ( الكسل : هو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه.
العجز: عدم القدرة عليه، وقيل : هو ترك ما يجب فعله، والتسويف به، وكلاهما تستحب الإعاذة منه .
الهرم: المراد به الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر ، وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط
الجبن والبخل: الجبن ضد الشجاعة، وهو المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها، والاستعاذة من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات ، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكر … وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم الأخلاق )[1].
وزكها: أي طهرها.
الولي والمولى : من المشترك اللفظي الذي يطلق على عدة معان منها الرَّبُّ، والمَالكُ، والسَّيِّد والمُنْعِم، والمُعْتِقُ، والنَّاصر، والمُحِبّ، والتَّابِع، والجارُ، وابنُ العَمّ، والحَلِيفُ، والعَقيد، والصِّهْر، والعبْد، والمُعْتَقُ، والمُنْعَم عَلَيه وكل من ولي أمرا أو قام به فهو وليه ومولاه.
- ﴿ ما يستفاد من الحديث﴾.
وفي أحاديث الباب، مشروعية سؤال الله عز وجل التقوى وتزكية النفس؛ لأنه ولي كل شيء ومولاه، وبيده قلوب عباده يقلبها كيف يشاء سبحانه.
- ﴿ الحديث 5 ﴾.
روى مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: (يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتُّخِذَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، مَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: سَدَّدَكَ اللَّهُ أَوْ وَفَّقَكَ اللَّهُ، أَمَا وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ؟ فَقَالَ: «بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ»، قَالَ: فَلِمَ نَعْمَلُ إِذًا؟ قَالَ: «مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لَهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: “وَنَفَسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”).
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
صحيح مسلم، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (4/ 2041) (ح 2650).
- ﴿غريب كلمات الحديث﴾.
أبو الْأَسْوَد الدِّيلِيِّ: وَيُقَالُ الدُّؤَلِيُّ، الْبَصْرِيُّ، اِسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ ظَالِمٍ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ مُخَضْرَمٌ , وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَة لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهه , وَهُوَ الَّذِي ابْتَكَرَ النَّحْو. النووي (ج 1 / ص 155)
وَيَكْدَحُونَ فِيهِ: أَيْ: مَا يَسْعَوْنَ، وَالْكَدْحُ هُوَ السَّعْيُ فِي الْعَمَلِ، سَوَاءً كَانَ لِلْآخِرَةِ أَمْ لِلدُّنْيَا. شرح النووي (ج 8 / ص 498)
لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ: أَيْ: لِأَمْتَحِنَ عَقْلَكَ وَفَهْمَكَ وَمَعْرِفَتَكَ. شرح النووي (ج 8 / ص 498)
كُلٌّ خَلْقُ اللهِ وَمُلْكُهُ: ” يُشِير إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ الْأَعْلَى، الْخَالِقُ الْآمِرُ، لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إِذَا تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمَأمُورِ، فتح الباري – (ج 18 / ص 440)
- ﴿ ما يستفاد من الحديث﴾.
أَوْرَدَ عِمْرَانُ عَلَى أَبِي الْأَسْوَدِ شُبْهَةَ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ تَحَكُّمِهِمْ عَلَى اللهِ، وَدُخُولِهِمْ بِآرَائِهِمْ فِي حُكْمِهِ، فَلَمَّا أَجَابَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى ثَبَاتِهِ فِي الدِّينِ، قَوَّاهُ بِذِكْرِ الْآيَة، وَهِيَ حَدٌّ لِأَهْلِ السُّنَّة.
ثالثا: قوله تعالى: ﴿ إِذِ اِ۪نۢبَعَثَ أَشْقَيٰهَا ﴿12﴾﴾
- ﴿ الحديث 6 ﴾.
روى أحمد ، والبخاري في التفسير، وفي أحاديث الأنبياء، ومسلم في الجنة، عن عبد الله بن زَمْعَةَ – رضي الله عنه – قال: سَمِعت النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم – يَخْطُبُ ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا ، فَقَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – : (إِذ انْبَعَثَ أشْقَاهَا : انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزيزٌ عَارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ مثل أبي زمعة).
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
رواه أحمد 4/17، والبخاري في التفسير 10/333، 334 وفي أحاديث الأنبياء، ومسلم في الجنة 8/154 ( 2855 ) ( 49 )، والنسائي في الكبرى 6/515 .
- ﴿غريب كلمات الحديث﴾.
إذ انبعث: أي انطلق أشقى القوم بسرعة ونشاط، وعاقر الناقة اسمه قُدار، على وزن غراب، لعنه الله وأخزاه.
عارم: أي صعب كثير الشهامة والشر.
منيع: أي قوي دو منعة، أي له رهط يمنعونه من كل ضيم.
- ﴿ الحديث 7﴾.
روى أحمد، والنسائي في «الكبرى»، والحاكم في «مستدركه» عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال لعلي: « يا أبا ترابٍ ألا أحدِّثُكُما بأشقى النَّاسِ رجلين؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «أُحيمِرُ ثمودَ الذي عَقَرَ الناقة، والذي يضرِبُك يا عليُّ عَلى هذه، يعني قرنه، حتى تبلَّ منه هذه، يعني لحيته».
- ﴿ تخريج الحديث﴾.
رواه أحمد (18321)، والنسائي في «الكبرى» (8485)، والحاكم في «مستدركه» (4679) من طريق الإمام أحمد وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه الزيادة. وقال الذهبي في «التلخيص»: على شرط مسلم.
والأشقى الآخر المذكور في الحديث هو عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي.
وبه تمت سورة الشمس ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وذريته وزوجه وصحبه وحزبه أبد الآبدين.
[1] – النووي في شرح صحيح مسلم 9/26