منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نموذج تطبيقي ثالث:تفسير ءايات الإرث والوصية (5) معالم التفسير الاقتصادي؛

الدكتور أحمد الإدريسي  

0

نموذج تطبيقي ثالث:تفسير ءايات الإرث والوصية(5) معالم التفسير الاقتصادي؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

 

إن التشريعات والأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية والمتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع في كافة مجالات الحياة تشريعات ربانية متكاملة لا تترك من أمور الحياة صغيرة ولا كبيرة إلا عالجتها، ووضعت لها ضوابط لصلاح الفرد والمجتمع 

وسأحاول تفسير ءايات الإرث والوصية تفسيرا فقهيا واقتصاديا بإذن الله؛ وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. (النساء:11-12).  

1- المعنى العام: 

قال الإمام القرطبي: (وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى إنها ثلث العلم، وروي نصف العلم. وهو أول علم ينزع من الناس ويُنسى. رواه الدارقطني، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي. وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما“). وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كانت جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوهوعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة1)2. 

2- التفسير الفقهي:  

كانت العرب في الجاهلية تمنع الصغار من الإرث، وجاء الشرع الحكيم ليُعطيَ للورثة حقهم في الإرث؛ كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا، وهذا من عدل الإسلام. 

كما أمر الشرع الحكيم بأداء الحقوق لأهلها قبل تقسيم الإرث، ومنها الوصية والديون؛ قال القرطبي: (ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية؛ فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا ، وما كان في معناها على مراتبها أيضا، ويكون الباقي ميراثا بين الورثة،…  

ثم قال رحمه الله: إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين، والدين مقدم عليها بإجماع، وقد روى الترمذي عن الحارث عن علي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرون الوصية قبل الدين. قال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية. وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين قبل الوصية وليس لوارث وصية. رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني. فالجواب من أوجه خمسة:

الأول: إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما؛ فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ .

جواب ثان: لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها؛ كما قال تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة“. 

جواب ثالث: قدمها لكثرة وجودها ووقوعها؛ فصارت كاللازم لكل ميت مع نص الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، فإنه قد يكون وقد لا يكون. فبدأ بذكر الذي لا بد منه، وعطف بالذي قد يقع أحيانا. ويقوي هذا: العطف ب أو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو. 

جواب رابع: إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال .(يعني بينة) 

جواب خامس: لما كانت الوصية ينشئها من قبل نفسه قدمها، والدين ثابت مؤدى ذكره أو لم يذكره)3. 

ثم قال القرطبي في قوله تعالى؛ “غير مضار“: (نُصب على الحال والعامل يوصى. أي؛ يوصي بها غير مضار، أي؛ غير مدخل الضرر على الورثة. أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ؛ ولا يقر بدين . فالإضرار راجع إلى الوصية والدين؛ أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث ، فإن زاد فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها؛ كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف؛ فإن ذلك لا يجوز عندناوأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحةفإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين؛ فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة؛ هذا قول النخعي والكوفيين. قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن)4. 

3- التفسير الاقتصادي: 

جاءت التشريعات المتعلقة بالميراث لتعالج قضية مهمة في الواقع الإنساني؛ ألا وهي قضية التعامل بالمال، إذ تشتد المنافسة في طلبه والحرص عليه، وكثيرا ما تقع بسببه الخصومة والعداوة، والشحناء بين الأقارب. كما أن الورثـة هـم أقرب الناس لبعضهم في الغالب والشرع الحكيم يحرص في أحكامه علـى حفظ الحقوق، وحفظ العلاقة الاجتماعية في المجتمع المسلم لاسيما بين الأقرباء. 

لقد وضع الإسلام قواعد عامة للمواريث واحترم الملكية الفردية، وهذا من الدوافع التي تحفز الإنسان، على الاستثمار والإنتاج، وعلى بذل الجهد في اكساب المال، والمساهمة في رواجه وحمايته من التبذير والعبث. ومن التفسير الاقتصادي لآيات الميراث؛ عدالة تقسيم الإرث، وتنظيم الوصية وأداء الديون لأصحابها، وأن الشريعة الإسلامية وازنت بين قوة القرابة والحاجة إلى المال، فأقرباء الهالك أحق الناس وأولاهم بثروته. فمنع تكديس الأموال وتجميعها بإحداث نظام التوريث للأموال وتقسيمها بين الورثة من الذكور والإناث بنسب مفروضة ومحددة على الأصول والفروع والحواشي. 

وقيل إن الحكمة من تقديم الوصية على الدين هي تنبيه المسلم وحثه على تنفيذ الوصية، حتى لا تضيع الحقوق المالية، أو يلحقها الإهمال. كل ذلك يجعل الثروة تتفتت وتتوزع خلافا للنظم القديمة والحديثة التي تجعل المال الموروث في أياد قليلة سواء وصية أو قانونا. 

ويتجلى جانب الإعجاز في الإرث فيما يلي: 

1- يراعي نظام الميراث في الإسلام مصلحة الإنسان، ويتناسق مع فطرته، لأنه تشريع رباني أنزله الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يصلحه. 

2- نظام الميراث في التشريع الإسلامي جاء كاملاً، ولم يحتاج لأية إضافة أو تعديل، أو تطور. 

3- نظام الميراث في التشريع الإسلامي لم يستفد من النظم السابقة عليه، ولم يتأثر بها، ولم يقتبس منها. 

4- راعت صياغة هذا النظام في القرآن الكريم مصلحة الإنسان، من جانب الفرد والأسرة والمجتمع. 

5- جاء نظام الميراث منتظما ومتكاملا في ثلاث آيات من القرآن الكريم في سورة النساء بنفس الأسلوب القرآني الذي يخاطب العقل والوجدان. 

كما أن؛ “صفة العلم جاءت في أواخر جميع آيات المواريث؛ “إن الله كان عليما حكيما”، “والله عليم حكيم”، “والله بكل شيء عليم”، تؤكد أن الله تعالى هو العالم بمصلحة العبد في المواريث، وغيره. واقترن العلم بالحلم في أحد آيات المواريث، “وهذا تحريض على أخذ وصية الله وأحكامه بقوة وتنبيه إلى أنه تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة5. 

ومن الأحاديث الموقوفة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ روى الإمام مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (اٍتَّجٍرُوا فٍي أَمْوَالٍ اَلْـيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا اَلزَّكَـاةُ). جاء في كتاب القبس لابن العربي: (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حث على التجارة في أموال الصبيان أولياءَهم؛ لئلا تأكلها الصدقة…6 

وهنا تأكيد آخر لحفظ الحقوق المالية، والرواج الاقتصادي، وتحريك الدورة الاقتصادية. 

والحمد لله رب العالمين. 


– الحديث روى أبو داود والدارقطني.

– القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:3 / ص: 205-221.

– القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:3 / ص: 216.

– القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:3 / ص: 219.

– محمد رشيد رضا، تفسير المنار. (طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973م). ج:4/ ص:420.

– القبس في شرح موطأ ابن أنس، لابن العربي، تحقيق أيمن نصر الأزهري وعلاء إبراهيم الأزهري. (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م). ج: 2 / ص: 85-86.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.