الصحابيات قدوة نساء المسلمين في تربية الأطفال
عربي محمد بكر إسماعيل
الصحابيات قدوة نساء المسلمين في تربية الأطفال
بقلم: عربي محمد بكر إسماعيل
*إنَّ التربية في الإسلام ليست مجرّد تلبية للحاجات المادّيّة كالطّعام والشَّراب والكسوة، بل هي صناعةُ أجيال، وبناءُ همَم، وغَرْسٌ للعقيدة والقِيم في نُفوس النَّشْء. وفي تاريخنا الإسلاميّ الزّاهر، تَبْرُزُ الصَّحابيّات الجَليلات وأمَّهات المُؤمنين ونساءُ السَّلَف الصّالح كَأَعْظَمِ نَماذِج بَشَريَّة عَرَفَها التّاريخ في نهج التَّربية الإسلاميَّة الرَّشيدة. لَقَد صاغَت أُولئك العابدات الفاضلات أبناءَهنَّ ليكونوا قادَة الأُمَّة، وعُلَماءَها، وفُرْسانَها، ومُعَلِّمي البَشَريَّة؛ فهَادُنَّ الشَّدائِد، وصَبَرْن على البَلَاءِ، واجْتَهَدْن في بناء عُقول قادَتِنا وأزْواجِهم.
أوَّلًا: غَرْسُ العَقيدَة وحُبِّ اللهِ ورَسولِه :
*كانَت الصَّحابيّات يَبْدَأْن التَّربية من النَّواة الأُولى؛ وهي رَبْطُ القَلْبِ الطِّفْل بالعَقيدَة الصَّافية والتَّوحيد الخالِص، ومَحَبَّة النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وتَبْرُزُ في هذا المَقام أُمُّ سُلَيْم الرُّمَيْصاء بِنْت مِلْحانْ (رَضِيَ اللهُ عَنْها)، الَّتي جَعَلَت صَداق زَواجِها من أَبِي طَلْحةَ الإسْلام، وكان لَها مَنْهَجٌ فَريدٌ في تَرْبيَة ابنِها أَنَس بْن مالِك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ). فَلَم تَكْتَفِ أُمُّ سُلَيْم بتَعْليمِه التَّوحيد صَغيرًا، بَل قَدَّمَتْه خادِمًا لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ عَشْر سِنين، لِيَتَرَبَّى في مَدْرَسة النَّبُوَّة وَتَكْتَمِل شَخْصِيَّتُه الصّالِحة. يَقولُ أَنَس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «جاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ سُلَيْم إِلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَقَدْ إِزارَتْنِي بِنِصْف خِمارِها وَرَدَّتْنِي بَالنِّصْف الآخَر، فَقالَت: يا رَسولَ الله، هذا أُنَيْس ابْنِي أَتَيْتُكَ بِه يَخْدُمُك، فَادْعُ اللهَ لَهُ».
*كَذلِك نَجِدُ أَسْماء بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدّيق (ذات النِّطاقَيْن – رَضِيَ اللهُ عَنْهُما)، كَيْف رَبَّت ابْنَها عَبْد اللهِ بْن الزُّبَيْر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) – وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلود لِلْمُهاجِرين في المَدينَة – عَلى الشَّجاعة وَالاِعْتِزاز بالدّين وَالتَّمَسُّك بالحَقِّ دونَ خَوْفٍ أَوْ وَجَل.
ثانيًا: المُرونَة وَالتَّشْجيع ومُراعاةُ طُفولَة الأَبْناء :
*لَم تَكُن تَرْبيَة الصَّحابيّات قائمةً على القَسْوَة أو الجُمود، بَل بَنَيْن نَهْجَهُنَّ على الحَنان، وَاللَّعِب، وَالمُمازَحة، وَتَشْجيع الأَطْفال على العِبادَة بَأُسْلوب حَكيم يَمْزُج بَيْن الرَّحْمَة وَالتَّأْديب.
*يَظْهَرُ ذلِك جَليًّا في صَنيع نِساء الصَّحابَة في تَعْويد الأَطْفال على الصّيام؛ فَفي الحَديث الصَّحيح عَن الرَّبيع بِنْت مُعَوِّذ (رَضِيَ اللهُ عَنْها) قالَت في صِيام يَوْم عاشوراء: «فَكُنّا نَصومُهُ وَنُعَوِّد صِبْيانَنا، وَنَجْعَل لَهُم اللُّعْبَة من العِهْن (الصّوف). فَإِذا بَكَى أَحَدُهُم على الطَّعام أَعْطَيْناهُ ذَاك حَتَّى يَكونَ عِنْد الإِفْطار». هذا الأُسْلوب التَّرْبَوِيُّ الزّاهِي يُوَضِّح جَليًّا اسْتِخْدام اللَّعِب وَالمُغَرِّيات التَّرْفيهِيَّة لِتَرْغيب الطِّفْل في المَعالي وَدَرْء المَشَقَّة عَنْه.
*وهذا الحَسَنُ وَالحُسَيْن (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) رَيْحانَتا رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، كَيْف رَعَتْهُما أُمُّهُما فاطِمة الزَّهْراء (رَضِيَ اللهُ عَنْها) بالمَوَدَّة وَالرَّحْمَة، وسارَتْ على هَدْي أَبِيها المُصْطَفى الَّذي كانَ يُقَبِّلُهُما ويَحْمِلُهُما، فَنَشَأ سَيِّدا شَباب أَهْل الجَنَّة.
ثالثًا: شَحْذُ الهِمَم وَالتَّرْبيَةُ على المَعالي وَالشَّجاعة :
*كانَت الأُمَّهات في عَصْر الصَّحابَة وَالسَّلَف لا يَرْضَيْن لِأَبْنائِهِنَّ بالدَّنِيَّة أو الخُمول، بَل كُنَّ يَغْرِسْن في أَرْواحِهِم المَعالي مُنْذُ الصِّغَر.
*نَذْكُرُ في ذلِك الخَنْساء (تُماضِر بِنْت عَمْرو) رَضِيَ اللهُ عَنْها، الَّتي أَعَدَّت أبْنَاءَها الأَرْبَعَة لِمَعْرَكَة القادِسِيَّة، وَحَثَّتْهُم على الجِهاد وَالثَّبات بقَوْلِها المَشْهور: «إِنَّكُم أَسْلَمْتُم طائِعين، وَهاجَرْتُم مُخْتارين… وَاعْلَموا أَنَّ الدّار الآخِرَة خَيْرٌ من الدّار الفانِيَة». فَلَمّا اسْتُشْهِدوا جَميعًا قالَت بَصَبْرٍ وَثَبات: «الحَمْدُ للهِ الَّذي شَرَّفَني بقَتْلِهِم، وأَرْجو من رَبِّي أن يَجْمَعَني بهِم في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِه».
*وفي عَصْر التّابِعين وَالسَّلَف الصّالِح، بَرَزَت أُمَّهات صَنَعْن المَجْد لِأَبْنائِهِنَّ بالرَّغْم من اليُتْم وَالفَقْر.
*أُمُّ الإمام الشّافِعِيّ: ماتَ زَوْجُها وَالشّافِعِيُّ طِفْلٌ صَغير، فَحَمَلَتْهُ من غَزَّة إلى مَكَّة لِيَتَعَلَّم العَرَبِيَّة وَالقُرْآن، وَحَرَصَتْ على تَفَرُّغِه لِلْعِلْم بالرَّغْم من قِلَّة ذات اليَد، حَتَّى صارَ إمام المَذْهَب ومُجَدِّد العَصْر.
*أُمُّ الإمام أَحْمَد بْن حَنْبَل (صَفِيَّة بِنْت مَيْمونة): ماتَ أَبوهُ وَهُوَ طِفْل، فَقالَ عَنْها الإمام أَحْمَد: «حَفِظَتْنِي أُمِّي وَأَنا ابْنُ ثَمانِ سِنين، وَكانَت تُوقِظُني قَبْل الفَجْر وَتُسْخِنُ لي الماء، وَتَأْخُذُ بيَدي إلى المَسْجِد».
رابعًا: الدَّوْرُ التَّرْبَوِيُّ لِأُمَّهات المُؤْمِنين :
*كانَت أُمَّهات المُؤْمِنين أُسْوَةً لِكُلِّ نِساء العالَمين؛ فَهذِه خَديجَة بِنْت خُوَيْلِد (رَضِيَ اللهُ عَنْها) تَضْرِبُ مَثَلًا في الاِحْتِواء وَالنَّصْرَة ولين الجانِب، إِذْ رَبَّت بَنات النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على الصَّلاح والخُلُق الرَّفيع.
*وَهذِه عائِشَة أُمُّ المُؤْمِنين (رَضِيَ اللهُ عَنْها)، الَّتي كانَت مَلْجَأً لِأَطْفال المُسْلِمين وعُلَماء الغَد؛ فَكانَت تُرَبِّي وتُعَلِّم صِغار الصَّحابَة وَالتّابِعين أحْكام الدّين وَالرِّواية، وزَرَعَت يَتامى المُسْلِمين في بَيْتِها لِتَصْنَع عُقولَهُم على عَيْن الشُّنَّة المُطَهَّرة.
خاتِمَة :
*إنَّ حاجَة المَرْأَة المُسْلِمَة اليَوْم إلى تَمَثُّل سيرة الصَّحابيّات وأُمَّهات المُؤْمِنين أَشَدُّ من أيِّ وَقْتٍ مَضَى؛ فَالشّاشات وَالمُغَرِّيات تُحاصِرُ أذْهان الأَبْناء من كُلِّ جانِب، ولا سَبيل لِحِمايَة أَبْنائِنا وَتَنْشِئَتِهِم تَنْشِئَةً صالِحَة إِلاّ بالاِعْتِصام بهذا المَن think – المَنَهَج العَظيم؛ المَنَهَج الَّذي يُوازِنُ بَيْن العاطِفَة الجَيّاشَة والعَقيدَة الصَّلْبَة، وبَيْن الرَّحْمَة وَالمَسْؤولِيَّة. فَمَتى ما اقْتَدَت الأُمَّهات بأُمِّ سُلَيْم وخَنْساء وعائِشَة، خَرَّجَت الأُمَّةُ جيلًا مَرْهوب الجانِب، عالِي الهِمَّة، نافِعًا لِدينِه وأُمَّتِه.
المَراجِعُ الدّينِيَّةُ وَالتّاريخِيَّةُ :
1_ صحيح البخاري: الإمام مُحَمَّد بْن إسْماعيل البُخارِيّ – كتاب الصَّوم (باب صيام الصِّبْيان)، وكتاب الجهاد والسَّير.
2_ صحيح مسلم: الإمام مُسْلِم بْن الحَجّاج القُشَيْرِيّ – كتاب الفضائل (فضائل أُمِّ سُلَيْم وأَنَس بْن مالِك).
3_ سيَر أعلام النُّبَلاء: الإمام شَمْس الدّين الذَّهَبِيّ – المَكْتَبَة التَّوْفيقيَّة (تراجم أُمِّ سُلَيْم، الخَنْساء، أُمِّ الإمام الشّافِعِيّ، وأُمِّ الإمام أَحْمَد).
4_ الإصابَة في تَمْييز الصَّحابَة: الحافِظ ابْن حَجَر العَسْقَلانِيّ – دار الكُتُب العِلْمِيَّة.
5_ الصَّفْوة من سيرة الصَّحابيّات: الدَّكْتور عَبْد الرَّحْمَن رأْفَت الباشا.