منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسائل الإحرام  |سلسلة فقهيات الحج

  الأستاذ بنسالم باهشام

0

مسائل الإحرام  |سلسلة فقهيات الحج
بقلم:  الأستاذ بنسالم باهشام

  أي أنواع الإحرام أفضل؟|سلسلة فقهيات الحج

 

أولى المسائل التي يكثر عنها السؤال في عصرنا مكان لبس لبس ثوبي الإحرام، ويتحدد مكان إحرام الحاج أو المعتمر، من خلال نوع رحلته:

أ – تسبيق المدينة المنورة:

إذا كانت الرحلة للوفد الذي سيسافر معه الحاج أو المعتمر، سيسبقون المدينة المنورة، فالأفضل الاغتسال في الفندق بالمدينة المنورة، رجالا ونساء؛ تجنبا للانتظار والازدحام بالميقات بأبيار علي، والرحلة من المدينة إلى مكة ستدوم حوالي عشر ساعات، تتخللها بعض التوقفات بباحات الاستراحة. وعلى الحاج أو المعتمر أن يشتغل طوال هذه الرحلة بالتلبية والذكر، وعندما يصل إلى أبيار علي وهو الميقات المكاني للإحرام قرب المدينة المنورة. هنالك يلبس إحرامه. ويعقد نية العمرة، لأنه سيحرم بالتمتع، ويصلي ركعتين ويبدأ بالتلبية.

ب – تسبيق مكة المكرمة:

إذا كانت الرحلة للوفد الذي سيسافر معه الحاج أو المعتمر، سيسبقون مكة، فسيغتسل من بيته بالمغرب، ويحرم في الطائرة عندما يخبرونه أنه وصل الميقات الذي هو رابغ، ويعقد نية العمرة، لأنه سيحج بالتمتع، ويشرع في التلبية.
ثاني المسائل التي تعرض للحاج ولها صلة بركن الإحرام هي التلفظ بنية النسك، أي بالحج أو العمرة قبل الوصول إلى الميقات.
وللإجابة على هاته المسألة يتعين معرفة الآتي:

أ – مفهوم الإحرام وبيان حقيقته

جاء في “حاشية العلامة الدُّسُوقِي المالكي على الشرح الكبير، أن “حقيقة الإحرام عند الفقهاء هي: *نيَّةُ الدخول في نُسُك الحجِّ أو العمرةِ* “حاشية العلامة الدُّسُوقِي المالكي على الشرح الكبير” (2/ 21، ط. دار الفكر).

ب – التلفظ بنية النسك بالحج أو العمرة قبل الوصول إلى الميقات

الذي عليه جمهورُ أهل العلم؛ أن من أحرم قبل الميقات ونوى، صح إحرامه؛ قال العلامة ابن المنذر في “الإجماع”: *وأجمعوا على أنَّ مَن أحرم قبل الميقات، أنه مُحرم*[ابن المنذر في “الإجماع” (ص: 51، ط. دار المسلم)].

وقال العلامة ابن القَطَّان في “الإقناع”: *ومَن أحرم قبل أن يأتي الميقاتَ فقد أحرم بإجماعٍ مِن أهل العلم* [ابن القَطَّان في “الإقناع” (1/ 250، ط. الفاروق الحديثة)].

إلا أنه ترك الأفضل، فالنبي ﷺ لما وقَّت المواقيت قال: *هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ* [ رواه البخاري ( 1524 )، ومسلم ( 1181 )]. فالسُّنة له أن يُحرم من الميقات، وقصاراه أنه شدَّد على نفسه، والله جلَّ وعلا يسَّر له الأمر، وجعل الإحرام من الميقات حتى يكون هذا أيسر عليه، وحتى لا تطول عليه المدَّة في الإحرام، فإذا شدد على نفسه وأحرم قبل ذلك -إمَّا جهلًا وإمَّا لقصدٍ آخر- فإنَّ إحرامه ينعقد، وقصاراه أنه فعل مكروهًا، أو ترك ما هو الأفضل.

ثالث المسائل في هذا الصدد هو الإحرام بعد تجاوز الميقات بسبب النوم في الطائرة، مثل شخص سافر من المغرب إلى مكة بقصد أداء العمرة، ولكن وهو في الطائرة نام؛ وعند مروره بالميقات الذي هو رابغ، لم يحرم.

الإحرام من الميقات من واجبات الحج، فلا يسقط سهواً ولا جهلاً، لهذا فمن ترك الإحرام من الميقات – ولو ناسياً أو جاهلاً – فعليه دم يذبح ويوزع على فقراء الحرم، لقول ابن عباس – رضي الله عنهما – : *من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فعليه دم*، وقد كان الواجب على هذا الرجل أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، ولا شيء عليه إن رجع إلى الميقات فأحرم منه، لأنه فعل ما أمر به، فإن أحرم بعد مجاوزة الميقات، فعليه الدم. فمن جاوز الميقات غير محرم وهو يريد النسك، فقد ترك من نسكه شيئاً، وهو الإحرام من الميقات، فيلزمه الدم.

رابع المسائل هو لباس التبان للرجل المحرم، فقد روى البخاري ومسلم في “الصحيحين” عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، ما يلبس المُحْرِم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: *لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ*

فلبس اللباس الداخلي للرجل الذي يغطي العورة المغلظة، وهو ما يسميه العلماء بـ ” التُّبَّان ” ذهب الجمهور إلى أن لبسه ممنوع، ويدخل ضمن محظورات الإحرام، وأنه يقاس على السراويل، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه أولى بالمنع من السراويل.

قال ابن عبد البر – رحمه الله – في التمهيد : *وفي معنى ما ذكر في هذا الحديث من القمص والسراويلات والبرانس يدخل المخيط كله بأسره، فلا يجوز لباس شيء منه للمحرم ، عند جميع أهل العلم* [ التمهيد ( 15 / 104 )] وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – في فتح الباري: ( قال عياض : *أجمع المسلمون على أن ما ذُكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبَّه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل* ، وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس، وهو واضح .والمراد بتحريم المخيط : *ما يلبس على الموضع الذي جعل له ، ولو في بعض البدن*.[ فتح الباري ( 3 / 402 )] .

وما ورد من أثر عن عائشة رضي الله عنه في شأن الذين يرحلون هودجها لأن عورتهم كانت تنكشف، وأثر عمار بن ياسر رضي الله عنه، الذي كان ممثونا، أي يشتكي مثانته .فهو للضرورة، وهذا لا يدل على جواز لبسه بدون ضرورة .

لهذا فالصحيح: أنه يمنع الرجل المحرم من لبس التبَّان ، ويُحمل ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنه للضرورة ، وليس فيه نفي الفدية عمن لبسه.

ويُحمل ما ورد عن عمار بن ياسر أنه كان للضرورة بسبب إصابته في المثانة، لهذا يجوز لبس التبان لمن يتمزق جلده بسبب الاحتكاك ، ويخشى على نفسه الضرر ، ويجوز كذلك لمن به جرح في عورته ويحتاج لتغطيته ، ومثله من كان مبتلى بسلس البول – وهي حالة مشابهة لحالة عمار بن ياسر – ، وفي كل تلك الأحوال – وما يشبهها – على لابسه الفدية ، وهي : إطعام ستة مساكين ، أو صيام ثلاثة أيام ، أو ذبح شاة، قال تعالى في سورة البقرة : *فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ* [البقرة/ 196 ]. وروى البخاري ومسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْفِدْيَةِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: *مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى – أَوْ : مَا كُنْتُ أُرَى – الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً ؟ فَقُلْتُ: لَا . فَقَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ* [رواه البخاري ( 1721 ) ومسلم ( 1201 )].

وآخر مسائل الإحرام التي سنعرج عليها في هذه العجالة هي حكم من أحرم في الطائرة دون ملابس الإحرام، وصورتها أن ينسى الحاج أو المعتمر أخذ ثياب الإحرام معه في الطائرة، وسيمر فوق الميقات.

فلا يجوز لمن يمر على أحد المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه دون إحرام، والمراد بالإحرام، النية دون الاغتسال ولبس ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على لبس ثياب الإحرام؛ وليس كذلك، إذ لا يشترط في صحة الإحرام لبس ثياب الإحرام، بل مجرد النية يحصل به الدخول في الإحرام، ويجب على المحرم اجتناب محظورات الإحرام، كالملابس العادية إن تيسر له ذلك، وبناء عليه، فيجب على هذا الأخ الإحرام في الطائرة عند محاذاة الميقات ولو لم يجد ملابس الإحرام، فإذا حاذى الميقات أو قبله بيسير أحرم حتى يحتاط لسرعة الطائرة، فإذا حاذاه عقد نية الإحرام فوراً، ولا يجوز له تأخيره إلى الهبوط في جدّة، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى. ومن تجاوز الميقات من دون إحرام عمداً فهو آثم، وإن كان خطأً أو جهلاً أو نسياناً فلا إثم عليه، ويجب عليه أن يعود إلى الميقات ويُحرم منه، ولا دم عليه، لأنه استدرك وأحرم من الميقات الذي أُمِر بالإحرام منه، فلم يلزمه شيء، كما لو لم يتجاوزه، وإنما وجبت عليه العودة إليه، لأنه واجب عليه إن أمكنه فعله، فلزمه كسائر الواجبات تداركاً لإثمه وتقصيره، فإن لم يمكنه العودة إليه أحرم من مكانه، لزمه دم، وهو ذبح شاة توزع على فقراء مكة، ودليله في ذلك أثر ابن عباس رضي الله عنهما: *من نسي من نسكه شيئاً أو تركه، فليهرق دماً ـ قالوا: ومن جاوز الميقات غير محرم، وهو يريد النسك فقد ترك من نسكه شيئاً، وهو الإحرام من الميقات، فيلزمه الدم*

وأما إن أحرم مريد الحج أو العمرة من ميقاته دون أن يلبس ملابس الإحرام نظرا لعجزه عنها، فإن عليه أن يلبس ثياب الإحرام بعد نزوله من الطائرة، وعليه فدية على التخيير، وهي: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من أرز ونحوه، أو ذبح شاة، كما في حديث كعب بن عجرة وهو في الصحيحين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.