الجهل سيد الموقف
أشرف شعبان أبو أحمد
بداية الجهل هو نقيض العلم، سواء كان عدم علم بأمر ما إطلاقا، أو العلم عنه بخلاف ما هو عليه، ولا يختص الجهل بغير المتعلمين أو غير الحاصلين على درجات علمية وشهادات أكاديمية، كما لا يقتصر على الجهل بالعلوم التي يتم دراستها في المدارس والمعاهد العلمية، ولكنه يمتد ليشمل آفاق المعرفة ببعض أو بكل ما يحيط بالمرء والمجتمع من حوله، من أمور ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية وتاريخية بل دينية أيضا، وسواء كانت أمورا خاصة بأفراد أو هيئات أو عامة تخص المجتمع وغيره من المجتمعات. وفي الواقع لا يوجد شخص يجهل كل شيء، وقد تفضل الله عز وجل على آدم وعلمه الأسماء كلها، ويتوارث أبناء آدم هذا العلم جيلا بعد جيل، قال تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها ) البقرة 31 كما قال عز وجل في سورة الرحمن الآيات 1- 4 ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) قال قتادة: الإنسان يراد به جميع الناس فهو اسم للجنس. وقال سبحان وتعالى في سورة العلق آية 5 ( علم الإنسان ما لم يعلم ) والإنسان هنا آدم عليه السلام، علمه الله عز وجل أسماء كل شيء، فلم يبق شيء إلا وعلم آدم اسمه، بكل لغة، ثم توارثت ذلك ذريته خلفا بعد سلف وتناقلوه قوما عن قوم. كما لا تنتفي هذه الصفة عن الإنسان، قال تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) الأحزاب 72 قال ابن عباس: ظلوما لنفسه، جهولا بأمر الله وما احتمل من الأمانة. وقال مجاهد: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وقد وصم بعض الأنبياء أقوامهم به، قال نوح لقومه ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) هود 29 وقال لوط لقومه ( بل أنتم قوم تجهلون ) النمل 55 وقال هود لقومه ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) الأحقاف 23 كما قال يوسف لأخوته ( إذ أنتم جاهلون ) يوسف 89 كما قال موسى لبني إسرائيل ( إنكم قوم تجهلون ) الأعراف 138 كما قال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام للمشركين من قومه ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) الزمر 64 وقال تعالى عن مشركي قريش ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) الأنعام 111 وبالرجوع لسياق الآيات يمكن معرفة فيما كان جهلهم.
كما حذرتنا الآيات من الجهالة، وهي أن تفعل فعل بغير العلم، كما جاء في لسان العرب. قال سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) الحجرات 6 وقال عز وجل ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) النساء 17 وقال تعالى ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) الأنعام 54 وقال سبحانه وتعالى ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) النحل 119
وإن لم يكن الجهل بمستغرب، فالغريب حقا هو تلك الثقة والجرأة التي يتمتع بها من يتفوه بجهل،كما لو كان أصاب كبد الحقيقة، فادعاء جاهل بأمر ما، درايته وعلمه به، والتحدث فيه بملء فمه، وكأنه أحد جهابذة عصره، وبما لديه من كاريزما وقدرة في استخدام أعضاء أجساده ونبرات صوته على الإقناع، ينجذب إليه من هم على شاكلته أو دونه في الجهل بالأمر، وكلما زاد التفات الناس حوله، ارتفعت مكانته في نظرهم، وزاد ثقة بأن ما هم عليه من جهل هو تمام المعرفة بعينها، وقد نهى سبحانه وتعالى عن كون الإنسان يتكلم فيما لا يعلم، أي يقل في شيء ليس له به علم، والإنسان مسئول عن سمعه وبصره وقلبه، قال تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) الإسراء 36 والجاهل هو الشخص الذي يفتقر إلى العلم أو المعرفة أو الفهم في موضوع معين أو عدة مواضيع، في أي من المجالات، قال تعالى ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) البقرة 273 وكل شخص يحسب أمرا ما على خلاف حقيقته، وخلاف ما هو عليه فهو جاهل. والجاهل قد يكون مدرك لجهله، ومثل هذا يكون لديه الرغبة بتعلم ما لم يكن يعرفه، وقد يكون جاهلا غير معترف بجهله، ومثل هذا فهو رافض لأي شكل من أشكال التعلم، وقد يكون جاهلا يتبنى الجهل منهجاً، وقد يحارب ويمنع الآخرين من التعلم والاستنارة. قال ابن الحاج الناس أربعة أقسام: عالم وهو يعلم أنه عالم فيتعلم منه، جاهل وهو يعلم أنه جاهل فعلموه، عالم وهو يجهل أنه عالم فنبهوه تنتفعوا به، جاهل وهو يجهل أنه جاهل فاهربوا منه، وللأسف فقد صارت أحوال الكثير منا اليوم من هذا القسم الرابع وهو الجهل والجهل بالجهل. وقد استعاذ سيدنا موسى بالله من أن يكون منهم، قال تعالى ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) البقرة 67 كما حذر الله عز وجل سيدنا نوح من ذلك أيضا، قال تعالى ( فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) هود 46 كما قالها سبحانه وتعالى لسيدنا ورسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ( فلا تكونن من الجاهلين ) الأنعام 35 ومن قبل دعا سيدنا يوسف ربه قائلا ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) يوسف 33 وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه بالإعراض عنهم، قال تعالى ( وأعرض عن الجاهلين ) الأعراف 199 وهذا إن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه، وقال تعالى ( لا نبتغي الجاهلين ) القصص 55 وفي بيان لما يجب عليه عباد الله حال مخاطبة الجاهلون لهم، قال تعالى ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) الفرقان 63
كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بظهور الجهل وانتشاره مع اقتراب الساعة، ففي الحديث الصحيح ( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ) وقال ( إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا ثم قيل لهم أفتونا في ذلك ) وعندما يفتون هؤلاء بجهلهم يتمكن الجهل من الناس ويفشو بينهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ) والأصاغر سواء كانوا في السن فهم من ليس عندهم تجربة، والأصاغر في العلم من ليس عندهم علم كامل. وإذا كان المقصود من هذه الأحاديث الجهل بالأمور الدينية، وإنه آت لا مفر منه ويسبق الساعة، فإن الشاهد للعيان بأن الجهل بات أمرا شائعا وشاسعا وشاملا للأمور الدينية والدنيوية، ومن
أسباب ذلك:
أولا: التطور الدائم في مختلف فروع العلوم، والتقدم التكنولوجي الدءوب وسيطرته على مختلف نواحي الحياة وإحلاله محل الطاقة البشرية، وما يصاحب ذلك من تجديد متواصل للأفكار وللآراء، بالإضافة لكثرة الأحداث والوقائع وتلاحقها سواء كانت عالمية أو إقليمية أو محلية، وما ينتج عنها من تغير مستمر وسريع للأحوال والأوضاع سواء كانت مجتمعية أو شخصية، مما يجعل من الصعب مواكبة كل هذه التغيرات أولا بأول، فيتواجد من هو على جهل منها، ولن يبلغ شخص طيلة حياته منتهى المعرفة أو العلم في أي منها، قال تعالى في سورة يوسف آية 76 ( وفوق كل ذي علم عليم ) حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدأ وتعلمته البشرية تباعا من لدن آدم وإليه يعود.
ثانيا: ما تقوم به بعض مؤسسات السلطة، في كثير من بلدان العالم، خاصة في تلك التي تعدو دولا نامية، باحتكارها للمعرفة وللمعلومة وللخبر ولكافة الحقائق، وبقائها ضمن حلقاتها الضيقة، وإخفائها عن الشعب، وتفننها في وضع الخطط والتكتيكات التي تبقيه في جهل عما تقوم به وعما يدور حوله، وتبقيها هي في معرفة تامة عن جهل الشعب، وترك الشعب للجهل وللجهلة، إلا عما تريده لهم معرفته، على الرغم من إن حق الشعوب في المعرفة أصبح من بديهيات زماننا الحالي، وقد بينت آيات القرآن الكريم صورة لفرض رأس السلطة رؤيته على أفراد الشعب، قال تعالى مخبرا عن حال فرعون وهو مخاطبا لقومه ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) غافر 29 وقال ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) القصص 38 كما قال ( أنا ربكم الأعلى ) النازعات 24 يفرض فرعون رؤيته على قومه، فلا يرون إلا بعينه، ما يشاء لهم أن يروه، وما يراه هو إنما هو الصلاح والصواب، هكذا يعتقد ويأمر به قومه، وما أعلمكم إلا ما أعلم، أنا وحدي إلهكم، ولو كان ثمة إله غيري لعلمته، وقال تعالى ( وقال فرعون وما رب العالمين ) الشعراء 23 جاء في التفسير الوسيط: هذا السؤال يحمل في طياته استنكارا أن يكون هناك إله سواه. وفي تفسير ابن كثير: كانوا يعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون. ونتيجة هذا، قال تعالى ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) طه 79 كما بينت الآيات أيضا صورة لأخبار عامة الشعب بالمعلومة، قال تعالى ( يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ) يوسف 46 جاء في تفسير البغوي: المقصود بالناس هنا أهل مصر. لعلى أرجع إلى الناس بتأويل الرؤيا لما فيها ما يخص أحوال معيشتهم خلال سنوات قادمة لعلهم يعلمونها، كما جاء نفس البيان في قول نملة لرفقتها من بني جنسها، عند استشعارها بالخطر الذي يهددهم، قال تعالى ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) النمل 18 جاء في السعدي: نملة منبهة لرفقتها وبني جنسها، فنصحت هذه النملة وأسمعت سائر النمل، أو أنها أخبرت من حولها من النمل ثم سرى الخبر من بعضهن لبعض حتى بلغ الجميع.
ثالثا: تبؤ أنصاف المتعلمين أو من هو دونهم لمواقع القيادة ومراكز المسئولية في كثير من المصالح وميادين الخدمات العامة، فهم لا يريدون أن يتعلموا، ولا يريدون للمتعلمين أن يزدادوا علما ولا تعمقا في دراستهم ولا دراية ولا إلماما بمهام عملهم وما يخصه من قريب أو بعيد، فضلا أن يكون لهم دور في صناعة القرار وتقرير المصير، وما يصاحب ذلك من استبعاد المتخصصون الملمون بحقيقة الأمور ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، والذين هم على دراية بمجريات الأحداث وتطورها، وذوو باع طويل في العمل بمجال تخصصهم، المدركون لقيمة كل كلمة تخرج من أفواههم، الصادقون في أقوالهم المبتغون لوجه الله، ومع الإبقاء على من يطوعون علمهم وعملهم لخدمة أهداف معينة يزيفون فيها الحقائق ويحرفون فيها الكلم عن مواضعه.
رابعا: ما يتطلبه البحث عن المعرفة التامة لبعض الأمور والإلمام بها، من مجهود وطاقة في التفتيش والتنقيب والفحص، فإذا كان الباحث من هواة اقتناء الكتب، سيعفيه هذا من الذهاب للمكتبات العامة والمكوث فيها بالأيام والليالي لقراءة كتاب، وإن لم يجد فيه ما يبحث عنه ويشبع نهمه، سيقرأ كتابا ثانيا وثالثا ورابعا وهكذا حتى يتحصل على ما يريد، وهو جالس بكل أناقة وملتزم بآداب الجلوس في الأماكن العامة، وقد يتعرض الباحث للمسائلة وللمضايقات لكونه يخوض فما غير مسموح بمعرفته كما يتهيأ هكذا لبعض المسئولين، فضلا عن قراءة عشرات الصحف والمجلات وسماع الإذاعات المختلفة ومشاهدة قنوات التلفزيون والاطلاع على وسائل التواصل الاجتماعي، لمعرفة الآراء والآراء المعارضة، ليستشف من بينهم الحقيقة. ويختلف الناس فيما ليس لهم به علم، وضرب القرآن مثلا لذلك، قال تعالى في سورة الكهف آية 22 ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ) سيقول فريق من الناس هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول فريق آخر هم خمسة سادسهم كلبهم، وتقول جماعة ثالثة هم سبعة وثامنهم كلبهم، وعقب ذلك قوله تعالى ( قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ) ربي هو الأعلم بعددهم، ما يعلم عددهم إلا قليل من خلقه. والمعرفة لا تنساب مع الماء ولا تتطاير مع نسمات الهواء، والبحث عنها من الأمور الشاقة والتي تحتاج لمعاناة وصبر، لذا تكررت كلمة الصبر في آيات سورة الكهف في الحوار الذي دار بين سيدنا موسى وسيدنا الخضر سبع مرات، قال تعالى ( قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا ) الكهف67-69 وقال عز وجل ( قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ) الكهف 72 وتكررت نفس الكلمات في آية 75 من نفس السورة، وقال تعالى ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) الكهف 78 وقال عز من قائل ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) الكهف 82 فلا علم إلا بالصبر، ومن تعلم تألم، والذي لا يصبر لا يتعلم، ولكن من أسباب حصول الصبر هو إحاطة الإنسان علما وخبرة بذلك الأمر الذي أمر بالصبر عليه، كما جاء في الآيات السابقة. والبديل عن عدم الصبر على العلم، وتحمل المشاق من أجله، أما الجهل به، أو الميل لتلقيه من أي بوق كائنا من كان، أو قراءة مختصر المختصر من أي مصدر، والاقتناص من هنا نص ومن هناك قصة، مكون من هذه القصاصات المختزلة الحقيقة التي يريدها والتي تنسجم مع هواه.
ختاما فإن القول بأن الجهل سيد الموقف، عبارة ليس فيها من المبالغة شيء، لما تعكسه من واقع ملاحظ في كثير من الحوارات والأحاديث التي تدار بين الناس في أماكن تجمعهم بالمقاهي والنوادي والساحات وأماكن عملهم ولقاءات السمر بينهم، وما يثار بينهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناولون فيه أحوال حياتهم ومجتمعاتهم، وتنم جميعها عن الجهل.