شواهد القراءات في كتاب “شرح قطر الندى وبلّ الصدى” لابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ)
الدكتور الطيب رحماني
شواهد القراءات في كتاب “شرح قطر الندى وبلّ الصدى” لابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ)
الدكتور الطيب رحماني
بعدما توسعت الدولة الإسلامية ودخلت تحت لوائها شعوب غير عربية أخذت اللغة تلين وفترت سليقة المتكلمين بها، وتساهل كثيرون في استعمال الشاذ والضعيف، فما كان من العلماء المحققين إلا أن انبروا لتقعيدها مستمدين شواهدهم من النصوص الموثوقة كالقرآن الكريم والحديث الشريف الذي صح سنده، وكلام العرب الذي عاشوا أثناء وقبل فترة التقعيد.
1- القرآن الكريم والشاهد النحوي:
الشاهد لغة الحاضر الذي يتحدث بما علم، قال ابن فارس “الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام…فالشاهد اللسان والشاهد الملَك”[1] ومن المعنى العام تنبثق الدلالة الخاصة لمصطلح الشاهد النحوي، فهو “كلام لمن يوثق بعربيتهم يؤتى به إثباتا لقاعدة من قواعد النحو”[2]
وقد اعتبر علماء اللغة القرآن الكريم المصدر الأول للاستشهاد واضعين نصب أعينهم حجية القرآن لفظا ودلالة، فهو الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بلسان عربي مبين، منزه عن الخطأ والنسيان، والزيغ والتحريف، ناطق بالحق، معجز باللفظ والمعنى، مشتمل على جوامع الكلم ومجامعه، فحري به أن يكون شاهدا على كلام البشر ومنطلقا لتقعيد العربية.
2- القراءات القرآنية والشاهد النحوي:
تعد القراءات القرآنية مظهرا من مظاهر التنوع اللغوي في القرآن الكريم، فهي روافد لغوية ثرية بما تختزنه من اختلافات معجمية أو اشتقاقية أو تركيبية…
وتنقسم القراءات إلى: متواتر، وآحاد، وشاذ. وكان تمييز هذه الأقسام على أساس ثلاثة ضوابط: صحة السند، وموافقة المصاحف العثمانية ولو احتمالا وموافقة العربية بوجه من الوجوه سواء كان أفصح أم فصيحا.
وكون موافقة العربية ضابطا في اعتبار مرتبة القراءة إقرار بأن هذا القرآن عربي بألفاظه وتراكيبه…إلا أن التجوز في الفصيح والأفصح دليل على أن مدارك العلماء بالعربية محدودة مهما اتسعت، وأن الذي أوحى إلى عبده ما يوحى أعلم بمسالك اللسان العربي، فلا عجب أن يأتي في القرآن وجه هو بموازين البشر أقل فصاحة من غيره.
وقد تفطن الراسخون في علوم العربية ذوي الحظ من القرآن إلى هذا البعد مبكرا فتعاملوا معها بأدب جم وتقدير كبير واضعين في حسبانهم مراتب اللغة من فصيح وأفصح وصواب مغمور وضعيف مشهور…وقد حكي عن ثعلب قوله: إذا اختلف الإعرابان في القرآن لم أفضل إعرابا على إعراب فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى”[3]
3- نماذج من شواهد القراءات في كتاب “شرح قطر الندى” لابن هشام:
“قطر الندى وبل الصدى” متن نفيس يلخص قواعد العربية ويجمع متفرقاتها ويتفرد باقتناص فرائدها، وقد قام مؤلفه بتصنيف شرح له معززا إياه بالشواهد والأمثلة، مستقصيا فروع المسائل وتفاصيلها بما يفيد المبتدئ، موردا من النكت النحوية ما يدل على دقائق العربية…
ويجعل ابن هشام القرآن الكريم في صدارة شواهده، فهو يذكر المسألة ثم يثني بالشاهد القرآني وما يرتبط به من دلالات أو استنتاجات قبل أن ينتقل إلى غيره.
ويلاحظ القارئ أن المصنف يُكِنُّ تقديرا بالغا للقراءات والقراء فلا يردّ القراءات الثابتة بالرواية وإن خالفت الأفصح، ولا ينتقدها بل يعتبرها شاهدا على استعمال لغوي آخر في الباب، ذلك أن “مرجع القراءة الرواية لا الرأي”[4] وأن “القراءة سنة متبعة”[5] بينما أفهام البشر وإدراكاتهم نسبية متفاوتة.
والمسائل اللغوية التي استدعى فيها المؤلف القراءات القرآنية كثيرة ومتعددة[6] نورد بعض نصوصها من كتاب ابن هشام حتى يتبين للقارئ ما استنتجناه:
– حكم الفعل بعد أن المصدرية: وفيه مسائل منها قول المؤلف: “…لأنْ المصدرية باعتبار ما قبلها ثلاث حالات: إحداها أن يتقدم عليها ما يدل على العلم فهذه مخففة من الثقيلة لا غير، ويجب فيما بعدها أمران أحدهما رفعه، والثاني فصله منها بحرف من حروف أربعة، وهي حرف التنفيس، وحرف النفي، وقد ولو، فالأول نحو: “عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ”[7] والثاني نحو ” أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا”[8] والثالث نحو: علمت أن قد يقوم زيد، والرابع نحو: “أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا” وذلك لأن قبله: “أَفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا”[9] ومعناه فيما قال المفسرون أفلم يعلم، وهي لغة النخع وهوازن…ويؤيِّده قراءة ابن عباس “أفلم يتبن” وعن الفراء إنكار كون ييأس بمعنى يعلم وهو ضعيف”[10]
لقد أيد المؤلف قول المفسرين بأن (يعلم) بمعنى (ييأس)، وضعّف رأي الفراء، واستدعى قراءة ابن عباس دليلا لترجيح الوجه اللغوي الأول، ومن ثم علّل حكم الرّفع (رفع يشاءُ بعد أن المصدرية).
ومنها قوله: “والثانية أن يتقدم عليها ظنٌّ، فيجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، فيكون حكمها ما ذكرنا ويجوز أن تكون ناصبة، وهو الأرجح في القياس والأكثر في كلامهم، ولهذا أجمعوا على النصب في قوله تعالى: “ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا”[11] واختلفوا في قوله تعالى: “وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ”[12] فقرئ بالوجهيين”[13]
فإجماع القراء على نصب الفعل في الآية الأولى دليل معزِّز للقياس، بينما اختلافهم في قراءة الآية الثانية دليل على صحة الحكمين: الرفع والنصب.
وقوله: “وأما إعمالها مضمرة فعلى ضربين: لأن إضمارها إما جائز أو واجب، فالجائز في مسائل: إحداها أن تقع بعد عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل، كقوله تعالى: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا”[14] في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يرسل، وذلك بإضمار أن والتقدير: أو أن يرسل، وأن والفعل معطوفان على وحيا، أي وحيا أو إرسالا، ووحيا ليس في تقدير الفعل”[15].
فقراءة بعض السبعة بنصب يرسلَ دليلٌ على جواز إضمار أن قبل الفعل، وقراءة غيرهم بالرفع دليل على ترك الإضمار.
– حكم الاسم المتقدم على الفعل: قال المصنف: “وإنما يترجح النصب في ذلك (نصب الاسم إذا كان الفعل الذي بعده طلبيا) لأن الرفع يستلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ وهو خلاف القياس، لأنها تحتمل الصدق أو الكذب، ويُشكِل على هذا النحو قوله تعالى: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا”[16]…وكذلك قوله تعالى: “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا”[17] والقراء السبعة قد أجمعوا على الرفع في الموضعين. وقد أجيب عن ذلك بأن التقدير: مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فالسارق والسارقة مبتدأ ومعطوف عليه، والخبر محذوف، وهو الجار والمجرور، واقطعوا جملة مستأنفة، فلم يلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ…”[18]
فقراءة السبعة دليل على جواز رفع الاسم قبل الفعل وإن كان طلبيا، مع أن الأولى النصب قياسا.
– حكم المستثنى بعد الكلام غير الموجب: ذكر المصنف أنه “لا يخلو أن يكون الاستثناء متصلا أو منقطعا، فإن كان متصلا جاز في المستثنى وجهان: أحدهما أن يجعل تابعا للمستثنى منه…والثاني: أن ينصب على أصل الباب، وهو عربي جيّد، والإتباع أجود منه”[19]. وأضاف مفسرا معنى الكلام غير الموجب وذاكرا شواهده: “ونعني بغير الإيجاب النفي والنهي والاستفهام، مثال النفي قوله تعالى: “مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ “[20] قرأ السبعة غير ابن عامر بالرفع على الإبدال من واو (ما فعلوه)، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على الاستثناء، ومثال النهي قوله تعالى: “وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ”[21] قرأ أبو عمرو وابن كثير بالرفع على الإبدال من (أحد)، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما أن يكون مستثنى من (أحد)، وجاءت قراءة الأكثر على الوجه المرجوح لأن مرجع القراءة الرواية لا الرأي، والثاني: أن يكون مستثنى من (أهلك) فعلى هذا يكون النصب واجبا، ومثال الاستفهام قوله تعالى: “وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ”[22]، وقرأ الجميع بالرفع على الإبدال من الضمير في (يقنط)، ولو قرئ (إلا الضالين) بالنصب على الاستثناء لجاز ولكن القراءة سنة متبعة“[23]
فقد ذهب المصنف إلى أن اتباع المستثنى بعد الكلام غير الموجب أجود من نصبه على الاستثناء، ولكنه لما ذكر اختلاف القراءات في الوجهين، لم يقلل من قدر القراءة التي جاءت على خلاف الأجود، بل اعتبرها شاهدا على الجواز، بل نص على أن القراء تؤخذ بالرواية لا الرأي، فهي سنة متبعة، وهذا ينسجم مع ما ذهب إليه علماء القراءات من أن شرط القراءة الصحيحة أن توافق العربية على وجه أفصح أو فصيح لا غير.
[1] معجم المقاييس في اللغة، ت شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 1، 1433هـ/2011م، ص 539.
[2] المعجم المفصل في النحو العربي، عزيزة فوال بابستي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1413هـ/1992م، ص 561.
[3] البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، ت أبو الفضل الدمياطي، دار الحديث، القاهرة، 1427هـ/2006م ، ص 235.
[4] قطر الندى، ص 268
[5] نفسه، ص نفسها
[6] استدعى ابن هشام القراءات القرآنية في أكثر من ثلاثين موضعا
[7] المزمل، 20
[8] طه، 89
[9] الرعد،31
[10] قطر الندى، ص 70
[11] العنكبوت ، 2
[12] المائدة، 71
[13] قطر الندى، ص 72
[14] الشورى، 51
[15] قطر الندى، ص 73
[16] المائدة، ص 38
[17] النور، 3
[18] قطر الندى، ص 211-212
[19] قطر الندى، ص 267
[20] النساء، 66
[21] هود، 81
[22] الحجر، 56
[23] قطر الندى، 268