كيف السبيل ليكون حجنا على منهاج النبوة؟
الأستاذ عثمان غفاري
في هذه الأيام تتوجه القلوب وترنو الأبصار وتتأجج الأشواق ويزداد الحنين، إلى البيت العتيق والمشاعر المقدسة إلى عرفة والمزدلفة، ومنى والملتزم والحطيم وزمزم، إنها المشاعر التي حركت المشاعر فنطق وجدان الشاعر:
أشواقنا نحو الحجـاز تطلعـت * كحنين مغترب إلى الأوطـان
إن الطيور وإن قصصت جناحها * تسمو بفطرتها إلى الطيـران
الحج فضائل ونوائل، ومثوبات ومكارم في الدين والدنيا، والأولى والأخرى، فالحج باب رحب لحط الأوزار، وغسل الأدرانِ، وتكفير الخطايا والرزايا، وانقلاب في العادات والذهنيات والأنانيات، وتربية للروح الجماعية ما إن حججنا حجا منهاجيا جامعا، فكيف السبيل لذلك؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه الأسطر متوكلين على الله.
لنعلم هل حجنا حج منهاجي جامع نعرض أحوالنا على ثلاث خصال وهي:
أولا: على الفهم
من الفهم أن ندرك أن الكمال هو التجرد عما سوى الله، لذلك فقد أنعم الله على هذه الأمة بالحج إذ فيه التجرد عن الأهل والترفه وفيه اختيار الغربة عن الأقارب والعشائر والمساكن، بل وفيه أعمال كثيرة لا حظ للنفس والعقل فيها قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال بعض العلماء: أداء الشعيرة شيء وتعظيمها شيء آخر، من تعظيمها أن تؤديَها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تعظيمها أن تؤديها على شوق وطيب نفس، لا على تأفف وتململ، فلا يعقل ولا يقبل أن يتحرى الحاج سنةً أو مستحباً، ويرتكب من أجلها معصية، أو يتجاوز فريضة، فلا يُعقل ولا يُقبل أن يذهب الحاج إلى بيت الله الحرام قبل أن يتفقه بأركان الحج، وسننه، ومستحباته، وصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الحاج، يقول عمر رضي الله عنه: “تفقهوا قبل أن تحجوا” فالعبادة أيها الأخوة في حقيقتها تعني خروج العبد من مراده إلى مراد ربه، وهذا يبدو جلياً واضحاً في الحج، فالحج لغة القصد والمقصود الله في بيته. والمؤمن دائما في حج لأنه يقصد الله في شأنه كله، في نيته وعمله. وإذا كانت مناسك الحج لأيام معدودات، فإن الحج أشهر معلومات، والحج قبل ذلك وأثناءه وبعده قصد يستغرق سنوات العمر، فليحرص كل حاج على مع الأفعال والأقوال على الأحوال.
ماذا شعر وهو يطوف؟ ماذا شعر وهو يسعى؟ كيف عاهد الله في عرفات؟ ماذا أُلقي في روعه…؟
ثانيا: على الهم
هم قطع العلائق ومن معانيه رد المظالم والتوبة النصوح فلا يقدم على الله قدوم العبد العاصي فيرد، وقطع علاقة القلب عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون متوجها إليه بوجه قلبك كما أنك متوجه بوجه قالبك. وليتذكر عند قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة وهذا السفر آت لا محالة، وها هنا لابد من الصحبة والجماعة فلقد طار بعض العلماء العاملين في سماء الحج، وسبحوا في بحوره الواسعة بل غاصوا فيها، فكانت لهم لمحات وضيئة ينبغي أن تستحضر، فخلع الحاج ملابسه المَخيطة والمُحيطة، والتي تعبر بشكل أو بآخر عن دنياه، عن حجمه المالي، عن مرتبته الاجتماعية، بل عن درجته العلمية أحياناً، وارتداؤه اللون الواحد، والتصميم الواحد تجسد العدل والمساواة، وتبرز الإنسان على فطرته السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان، وتذكره بكفنه ولفه فيه، وتدخله في أفق الممنوعات حتى في باطنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وقالوا عن الطواف حول البيت طواف المحب حول محبوبه، توثيق للعهد بين العبد وربه، تعبير عن حب عميق لرمز التوحيد، “فعظموا الكعبة والحجر الأسود” لا لذاتيهما، ولكن نعظم ما ترمز إليه، من أنها بيت الله، ومن أن هذا الحجر يمين الله، فمن فاوضه فقد فاوض كفَّ الرحمن وغير ذلك كثير، ويأتي موقف عرفة بما هو صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة، وعليه أن يستعدَّ له منذ الآن لأن رحلة الحج يعود منها إلى وطنه، ولكن المحشر العظيم يوم القيامة لا يعود منها إلى وطنه….
ثالثا: على العزم
كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر حكمة عطائية تجعلنا نوصي الحاج اقتباسا لا تأسيسا بخمسة صادات هن شروط نجاح الحاج والمعتمر وفلاحه ينبغي أن يضعها في الحسبان ونصب الاعتبار، وأن يوليها واسعا من الاهتمام والاحترام وهذه الصادات هي:
أ) الصاد الأولى: الصلاة في وقتها داخل الحرم لا خارجه…
ب) الصاد الثانية: الصحبة لأنها دليل على الخير ومعين على البر وعاصم من الفتنة والعجز والكسل، وحافز على الفطنة واليقظة والعمل…
ج) الصاد الثالثة: الصبر وهو ملازم للصلاة والصحبة….
د) الصاد الرابعة: الصرف مالك الذي جمعته من حلال…
ه) الصاد الخامسة: الصدق وهو من أمهات الخصال….
فلا تنشونا من دعائكم الصالح، فمن نسي أخاه في مواطن الذكر والدعاء فحبه له ادعاء.