سؤال: كيف ترون وكيف تُقَيِّمُونَ ما يقع اليوم في فل.سط.ين والأمة العربية والإسلامية؟
د. فؤاد هراجة
سؤال: كيف ترون وكيف تُقَيِّمُونَ ما يقع اليوم في فل.سط.ين
والأمة العربية والإسلامية؟
بقلم: د. فؤاد هراجة
بداية لابد من التأكيد على منهجيتنا في مقاربة ما يقع من أحداث في الساحة العربية والإسلامية وفي باقي العالم، فنحن باعتبار خلفيتنا الإسلامية ننظر دائما إلى الأحداث بعينين، عين على الوحي وما يدبره الله سبحانه في كونه، ثم عين على مجريات الواقع؛ فالعين الأولى تسلحنا باليقين والطمأنينة والأمل الدائم، وتجنبنا اليأس والوقوع في ردود الأفعال واستعجال النتائج، في حين تزودنا العين الثانية بالخبرات والتجارب البشرية وعصارة ما وصلت إليه الحكمة البشرية. في هذا السياق نقول، أن سنن التاريخ بحسب الوحي والمبشرات النبوية تسير في اتجاه بداية التمكين لهذه الأمة الإسلامية، ولو استقرأنا التاريخ لوجدنا أن الأمة الإسلامية سبق لها أن انبعثث مرارا وتكرارا من تحت الرماد كطائر الفينيق، مخلدة دروسا في التحدي والتجدد واقتحام كل العقبات، فما تعيشه الأمة اليوم لن يكون أبشع مما عاشته زمن التتار والمماليك من تشتت وضعف واستباحة لكبريات الحضائر الإسلامية، ومع ذلك غالبت هذه الأمة الموت وخرجت حية من تحت الرماد، بل وحررت القدس من يد الصليبيين.
هذه الدروس التاريخية المتتالية طيلة 15 قرنا تعلمنا أن ننظر بحدس كلي للتاريخ حتى لا نغرق في جزئيات الأحداث ونضيع في تفاصيلها، فبوصلتنا كانت وستبقى هي فلسطين، فما دامت المقاومة ثابتة ومستمرة ومتجددة، وما دامت الشعوب ملتفة حولها تدعمها ماديا ومعنويا، فالأمة يقظة وتنبض توقا إلى التحرر، وما بقاء هذه الروح حية في جسم الأمة رغم قرن من الاحتلال وكل محاولات مسخ الهوية، إلا دليل قاطع أن قومة الشعوب مسألة وقت فقط. لذلك فإن ما يقع اليوم للأمة من استبداد حكامها، واستباحة ثرواتها، وتقسيم أراضيها، وتفقير شعوبها، وتحويلها إلى ساحات معارك وسوق للأسلحة، كل هذا لا يغذو في نظرنا سوى ابتلاء واختبارا وتمحيصا جماعيا لهذه الأمة، ليميز الله الخبيث من الطيب، فتسقط أقنعة المفسدين أمام من سحروا أعينهم بالشعارات الزائفة، ويصبح مطلب الجميع رحيل المفسدين وكنس ما خلفوه من فساد.
قد يقول قائل وكيف سنصل إلى هذا المنعطف، وكيف سيقع هذا التحول؟ الجواب على كل من ينشدون التغيير أن يستنفذوا كل أسباب الإعدادوالتخطيط وتوحيد الجهود ورص الصفوف وزرع الأمل، وينتظروا فعل القدر الإلهي، فبالأمس البعيد أشعل اغتيال ولي عهد النمسا الحرب العالمية الأولى، وبالأمس القريب أشعل البوعزيزي رحمه الله ثورات الربيع العربي، ولا ندري غدا متى ساعة الصفر التي سيزهق فيها الباطلل، وبأي سبب سيجري الله سبحانه مقاديره التي لا تستقدم ساعة ولا تستأخرها؟
كل ما نحتاجه اليوم إلى جانب اليقظة السياسية والتخطيط الاستراتيجي هو اليقين باعتباره أعلى مراتب الإيمان وأكملها. لماذا اليقين لأننا أمام أهوال يشيب لها الولدان والرسول صلى الله عليه وسلم علمنا حديثا في غاية الأهمية:
«اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» رواه الترمذي والحاكم.
في هذا الدعاء النبوي تنبيه إلى ضرورة مواجهة الظلم والثأر من الظالمين والانتصار على أعداء القيم والأخلاق الإنسانية، ولا سبيل للصبر على ذلك إلا اليقين الذي يهون علينا المصائب ويستصغرها ويشجع على اقتحامها وتجاوزها.