كيف تورط مفهوم الهوية الكونية في عملية التوحيد القسري؟
بقلم: ذ. أنور بلبهلول
لطالما أفضى بنا الحديث عن الهوية إلى تعارضات و إختلافات في الرؤى و لعل هذا الأمر يبقى إفراز موضوعي لطبيعة و مكانة الموضوع فالهوية بمثابة البوصلة التي تحدد لجماعة ما مسارها فهي مرجعها الأساس لتحديد رؤيتها للأشياء وكذا رؤيتها لنفسها أي كيف تدرك جماعة أو أمة ما نفسها ضمن العالم وكيف تحافظ على ذاتها ضمن سياق التعدد الثقافي الذي يميز طبيعة التواجد البشري كحقيقة ثابثة وسنة كونية تؤسس لعملية التدافع التي يسعى الكل لها بشكل طبيعي.
لعله كان هناك تمايز ضل يهم العالم على الأرجح إلى زمن قريب حتى أمسينا نرى كما لو أنه هناك من يتجه نحو إخضاع البشرية جمعاء الى هوية موحدة تحت غطاء الهوية الكونية و هو ما دفع البعض لعدم أخذ الموضوع بالبراءة الكاملة بعد إنكشاف كل المزاعم القائلة بإنصهار البشرية ضمن هوية كونية تهم تاريخ الإنسانية وأن الانسان واحد و ما يجمعه أعظم من ما يفرقه سواء تعلق الحديث بالأفراد في جاكرتا أو الخرطوم أو جنيف…
كلها لم تكن سوى مطامح حالمة تدور في فلك ثلة من الناس لتغدو بعد ذلك عند أطراف محددة شعار وغطاء لخدمة مصالح سياسية وإقتصادية كبرى لمراكز الإمبريالية الجديدة التي تشتغل في مطابخ سرية لإعداد أشكال و صيغ محددة تجيب عن سؤال كيف يجب أن يكون العالم وفق رؤيتنا و مصالحنا نحن فقط.
إذن سوف يكون من البساطة الفكرية عدم إستحضار موضوع الهوية في مطابخ القوى التي تعدل النماذج والصيغ و كيف لا والأمر يتعلق بجماعات لديها مكونات حضارية عظيمة داخل هوياتها من شأنها بناء شخصيتها و تاريخها و هو ما يزعجها أي القوى الإمبريالية و كيف لا أيضا و الأمر يتعلق بالثقافة و نمط العيش فالهوية هي محدد مهم لأنماط عيش العديد من الجماعات والأمم و من ثم نحن هنا نتحدث عن الإستهلاك الذي تحدده أنماط العيش و لكي يكون مناسب لما ننتج نوافقه مع صيغة كونية تدمج العالم في هوية استهلاكية !عفو! هوية كونية موحدة!
كم هي شركات الموضى العالمية؟ و لماذا نجدها حااضرة في كل البلدان؟ كم هي ماركات الوجبات السريعة الموحدة عالميا؟ و ماركات الجعة الحاضرة في كل المباريات.. وغيرها و من أصحابها؟ و لأي هوية تنتمي؟ هوية العولمة؟ أم هوية الاستهلاك الموحد؟ أم ماذا؟
لاشك في أن عملية التوحيد التي عملت و لازالت تعمل عليها مراكز النشر الثقافي كما سماها الأنثروبولوجي فرانس بواش حققت غايتها عبر توسيع قاعدة المنتسبين لثقافة معينة من خلال طمس ما يميز الجماعات هوياتيا عبر مكونات الدين اللغة و اللباس و التقاليد.. و هو ما تحقق بنسب ضخمة بحيث سار الحديث عن الهوية الكونية دعاية رسمية تتوخى تجاوز الهويات المحلية عبر نعتها بالمنغلقة و الرجعية بينما حقيقة الأمر تجلت في صب الأفراد في قالب واحد يخضع الكل لهيمنة واحدة بشكل غير مباشر و لا يرمي للتعايش وفق المشترك الإنساني العظيم ولا لأي شيء من هذه الشعارات فأحداث كثيرة أسهمت في كشف زيف هذه الادعاءات لعل أعظمها تاريخية غزة الأخيرة.
يبدو أن الهوية سارت محدد أساسي و حاسم في عمليات الهيمنة التي تقوم عليها الإمبريالية الجديدة التي توظف الثقافة كنمط للهيمنة عبر الإستهلاك و تقوية للاقتصادات من جانب و سلطة عبر إخضاع الكل لنموذج يكرس التبعية من جانب ثاني حتى يتسنى تسويق النموذج المثالي للزعامة الكونية التي تقود كل شيء و تفعل ما تريد في عالم بإسره بشكل يسير و قادرة على حل كل المشكلات.
إذن يتضح من خلال تفكيك ما يحدث أننا أمام عملية مركبة للهيمنة تحضر فيها الهوية كفاعل أساسي بعد أن أدركت قوى و جماعات معينة أنه عليها أن تسيطر وهذا أمر طبيعي في ظل صراع الثقافات و الحضارات عبر التاريخ كما يذهب الأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس حيث يقول أن الحقيقة توجد داخل الجماعة الثقافية و كل ما هو خارج عنها فهو غير حقيقي .
لكن ما يجب أن يكشف بالضرورة عنه هو شعار الهوية الكونية و حقيقة ما يتداول حولها بإعتبارها الخير الأسمى و النموذج الخالص لتجاوز الخلافات و بناء الحضارة الكبرى للتاريخ البشري و غيرها من الأمور التي تتبدد يوم بعد يوم لتمسي بمثابة غطاءات لتحقيق التوحيد القسري الذي أصبحنا نحتكم إليه من خلال نموذج ثقافي واحد محكم بالضوابط التكنولوجيا وهوية واحدة تبدو ظاهريا جميلة لكن فحواها متسخ بفعل ضحايا الرافضين الغير المطبعيين و المؤمنيين بذواتهم و حقهم في الإختيار.
صفوة القول لا يمكننا البتة أن نقبل بالإخضاع الثقافي تحت مسمى الهوية الكونية و هو ما لا يعني أننا ضد التطور التكنولوجي و العلمي لكننا لن نكون أيضا ضد ثقافة ما أو نموذج أو جماعة… كما أننا لن نكون مع التوظيفات المسمومة للمفاهيم و التسيس النظري الذي يغطي الجرائم و المخططات التي تضرب التعدد و حق الثقافات في البقاء لأغراض الهيمنة الكاملة.