منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين

هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين/ الأستاذ رشيد بغدادي

0

هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين

بقلم: الأستاذ رشيد بغدادي

لما استيأس سيدنا يونس بن متى عليه السلام من قومه، فارقهم فخرج من نينوى مغاضبا لوحده متعجلا، فعوتب على ذلك. أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلم يخرج من مكة إلا بعدما استوفى جميع سبل الدعوة فيها واستحال المكوث بين ظهراني المشركين. فلما عقدوا على تصفيته خرج منها طريدا مهاجرا إلى المدينة. ثم صدقت رؤياه صلى الله عليه وسلم رجوعه إلى مكة معززا مكرما، راكبا ناقته القصواء مطأطأ رأسه تواضعًا لله تعالى بما منّ عليه سبحانه من خزي للمشركين وفتح مبين و تمكين له في الدين رجع إليها، في منعة من أصحابه وقومه الذين بايعوه وجاهدوا معه لا يخافون في الله لومة لائم ، بعدما هُجّروا منها مستضعفين متسترين، تاركين ديارهم ومتاعهم وبذلوا المهج والأموال في سبيل الله تعالى ، قال فضالة  :

لوما  رأيت محمداً و قبيله       بالـفتح  يـوم  تكـسر الأصنـام

لرأيت دين الله أضحى بينا      والشرك يغشى وجهه الإظلام

دخل المسلمون مكة من الأبواب الأربعة، كل صحابي على رأس كل قبيلة، فأثمر الولاء نفعا وانقلب الضعف قوة وتحول الخوف أمنا وأذل الله قريشا وتحول الاعتناق انعتاقا في وقت كان كل من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد خارجا عن دين الآباء والأجداد وعرفهم وهي جريمة لا يمكن أن تمر إلا بعقاب. فتطهر المسجد الحرام من الشرك ورده الله إلى أهله وأضحت مكة وطنا آمنا وقبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

إلا المودة في القربى

  قال ابن عباس رضي الله عنه:”إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ” (1) فأول من قام بنذارته قومه من عشيرته ليكونوا له عونا على دعوته أو يكفوا عنه أذاهم إن لم يجيبوه في دعواه فقال لهم قول الله :“لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ “(2). فهم أقرب الناس معرفة به، شاهدين له بالأمانة وصدق الحديث. لكن الجاهلية الرعناء أبت إلا أن تصد الدعوة فور صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ووعدت بالويل والثبور لكل من اعتنق الإسلام أو حالف المسلمين. فلم تشفع لآي القرآن وبيانها وفصاحتها ولا لقرابة بعضهم، إلا من كان في منعة من قومه كرسول الله وأبي بكر. وعمدت قريش إلى تفريق أبي طالب وجمع من بني عبد مناف وهو ما شجع المشركين على تعذيب من أسلم من بني هاشم(3)

يقول عبد الله بن مسعود” فألبسوهم الدراع والحديد و صهروهم  في الشمس فما منهم إنسان إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول “أحد أحد”(4). عن الشعبي قال: دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب، فأجلسه على متكئه، وقال: ما على الأرض أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، قال له خباب: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال، فقال له خباب: يا أمير المؤمنين ما هو بأحق مني، إن بلالاً كان له من المشركين ما يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يوماً أخذوني، وأوقدوا لي ناراً، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رَجُلٌ رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص.(5)

“والله يعصمك من الناس”(6) أي: يعصمك من القتل، أما سنة الله في الأذى فهي جارية في خلقه، ليميز الخبيث من الطيب ويرفع الله به أقواما ليسودوا. قد لا يرى الداعية أثر دعوته في حياته لأن مرام الرسالة التبليغ، قال تعالى: “فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك” (7) أما إظهارها ونصرها فبيد الله تعالى. فالدعوة الصادقة نور لا يحجبها بطش الجبارين ولا كيد الكائدين.

لما أراد طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسى‏ الدخول إلى مكة وكان رئيس قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض نواحى اليمن، حشا في أذنيه كُرْسُفًا ليَلاّ يسمع من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأن قريشا استقبلته خارج مكة تريد كل من دخلها أن يحترز من رسول الله وتتوعد من يسمع منه . يقول : “فأبى الله إلا أن يسمعني القرآن” . فاسلم وبشر قومه بالإسلام وتبعه ثمانون منهم.

 استعملوا الهدايا والتحريض لاستمالة النجاشي إليهم ليسلمهم المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة، دبلوماسية باءت بالفشل في دولة العدل. تضييق وتوعد في الداخل وحصار في الخارج، و لم تستطع قريش مع ذلك إيقاف انتشار الإسلام لا بالحديد ولا بالنار، لا في مكة ولا في محيطها.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عن حلول للتخفيف عن أصحابه فهو الرحيم الرؤوف بهم الحريص عليهم ،عزيز عليه ما يعانون،  لم تكن الهجرة إلى الحبشة هروبا من بطش قريش فقط ولكن من أجل إظهار الشعائر الدينية التي لا تتم إلا في جو الحرية والعدل، لكن الغنم بالغرم كما يقال وسلعة الله غالية وسلعة الله الجنة ولن تكون هذه الأمة بدعة من الأمم السابقة.

الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس

 بعد دعوة العشيرة، الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته على الأفراد والقبائل داخل وخارج مكة يتبعهم قبيلة قبيلة، وفي مواسم حجهم وهو يقول :” يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة” (8) لكن قريشا كانت تقول “لولا نزل هذ القرآن على رجل من القريتين عظيم”(9) . أي لو كان القرآن حقا منزلا من السماء، فلينزل على أحد من أشرافنا وكبرائنا، كفر وكبرياء يمنعانهم من تقبل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما زال منطق الجاهلية يسري في الملك العاض في الإسلام  في عهد بني أمية  ومن تولى الحكم من بعدهم إلى يومنا هذا. فلما رأى عليه الصلاة والسلام الصد عن دعوته أخذ يخرج إلى القبائل خارج مكة، وإذا خرج لا تؤمن عودته إلا إذا دخل في جوار أحدهم .هنا اشتد أذى قريش للنبي الكريم وقد فقد السند  بعد وفاة عمه أبي طالب . فانتقلت دعوته  صلى الله عليه وسلم من عرض الإسلام بداية إلى عرض نفسه على القبائل .عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال:”كانَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يعرِضُ نفسَه على الناس في الموسِمِ فيقول:ألا رجُلٌ يحمِلُني إلى قومه، فإنَّ قُريشًا قد منعوني أن أبلِّغَ كلامَ ربِّي” (10)

هل تحتاج الدعوة الصادقة أن يعرض صاحبها نفسه على الناس؟ ألا تحتاج فقط إلى التبليغ وقد أُمِر الرسول  صلى الله عليه وسلم بذلك؟ “ليس عليك هداهم”(11) “إن عليك إلا البلاغ”(12)، وهل يستقيم اليوم والدعوة مكلومة ومحاصرة في بلدانها من طرف ظلم حكامها أن يعرض أصحابها أنفسهم على من يحميها ؟ .

للدعوة رجالها ونساؤها وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التبليغ والبيان ويمكن أن يسندها غيرهم، ففي الوقت الذي يمنع فيه الدعاة من أداء رسالتهم ، يكون كذلك الحكم جار على عمل كل فاضل أو حر يأبى الظلم ويرى نهب مقدرات دولته أمام عينيه، فالحرمان قرين الطغيان. ففي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق الأبواب بل القلوب لنا سنة. وما يزال قائما على ذلك حتى يلبي داعي الله من تحيى بها ومعها أنفسهم وتخرج من ظلمات الجاهلية إلى رحاب الإيمان. بعدما استنفذ سبل الدعوة في العشيرة ثم عرضها على الناس. يأتي أول الغيث، فتذعن النفوس الزكية لتعاليم الإسلام ويبايع بعض من أهل الأوس والخزرج وتتوالى بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على” نصرته في حرب الأحمر والأسود، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة عليهم، وألا ينازعوا الأمر أهله، وأن يقولوا كلمة الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم.”(13). قبل المبايعون في العقبة قرب منى على من يجمع شرائط البيعة ولهم الجنة وتسمى هذه البيعة ببيعة الحرب لعلمه صلى الله عليه وسلم أثر هذه البيعة على مستقبل الإسلام .

بيعة العقبة والقيد على الرقبة

 لقد أثمر الجهد بعد مضي ردحا من الزمن في مكة، وأصبح العهد المشترك سند المتعاقدين ويمكن إنفاذه لأن الدعوة أصبحت لها عصبة وحمية، إن الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يبايعون الله “إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ” (14) وبيعة الله هي تصديق قوله تعالى “إن الله اشترى من المومنين أنفسهم “(15). والحق عندما يجتمع له أهله ويعقدون له، ينتفي انتفاش الباطل فيصير للحق سطوة وما يلبث الباطل إلا قليلا حتى يزهق . ارتضى الصحابة هذه البيعة وهي بيعة على الطاعة والنصرة وعدم الفرار من الزحف، فكان من نتائج الوفاء لها ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تملكوا العرب في شبه الجزيرة العربية  وذلت لهم العجم . وجد حكامنا اليوم مصلحة في أخذ البيعة على الناس. فأصبحت بيعة من طرف واحد لا مبايعة ، لا رضاء فيها ولا تشاور، إذعان وخضوع للسلطان، وقيد مسلط فوق رقاب العباد من أجابهم إليها أضلوه ومن أبى سجنوه. استغلال بشع للدين وتحريف له. وما بين بيعة العقبة المسنونة والقيد على الرقبة المغلولة كما بين الطائر المسجون في القفص وهو في عناء والطائر الحر في السماء.

مشروع التحرر الذي جاء به الإسلام يصلح أن يكون عنوانا لمصلحة الشعوب اليوم بعد قرون من التخلف والاضطهاد. ويمكن لهذا المشروع عقده مع القرين في المروءة التواق إلى الحرية والسيادة ، تحت أرضية متفق عليها تسمى عقدا أو بنودا أو ميثاقا أو أي شيء آخر غير البيعة التي أسيء استعمالها وهي خاصة بالحاكم العادل. الأرضية المشتركة تسعى للتعاون على تثبيت دعائم الحريات العامة ونبذ الظلم . ولا يظن ظان أن الأرضية وإن كانت مشروعة وصيغت على مرأى ومسمع من الجميع ورضاهم ، تبقى محفوفة بالمخاطر وطريق تحققها مسيج بعيون الرقابة المانعة لكل تقارب ،خوفا من زوال نعمة الكراسي ، فتوعية الشعوب جريمة في عرف الاستبداد كما كانت الجاهلية تعتقد إبان الدعوة النبوية في مكة.

لما سمعت قريش بأمر بيعة العقبة ، راحت تطارد الركب المسافر المبايع حتى أدركت من رجاله سعد بن عبادة وفر الآخرون، فأخذه المشركون وربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله وعادوا به إلى مكة، حيث احتشدوا حوله يضربونه ولم يسلم منهم حتى دخل في جوار جبير بن مطعم والحارث بن أمية. أخلاق العرب وهو الجوار الحمية القبلية التي زكاها الإسلام في المدينة. ومن لم يقدروا عليه نعتوه بالصابئ كلمة توازي نعت المعارضين اليوم بنعوت تستقذرها العامة، حرب الدعاية والتشويش.  لم يثن الصحابة رضوان الله عليهم عن معتقداتهم لا التخويف ولا الإرهاب ولو كلفهم ذلك أرواحهم، فحق عليهم قول ابن مسعود رضي الله عنه:” من كان مستنا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلَّها تكلّفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم”.(16)

صبر و بشارة

 لو نظر المرء إلى مكائد الخصوم وشدتهم في أي زمان ومكان، و استعجل المؤمنون النصر دون فقه سنن الله تعالى في خلقه و غفلوا التأييد الرباني ، لكانت طريقتهم غير الطريقة التي سلكها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما يشير إليه توجيهه لخباب بن الأرت لما شكا له وسأله أن يدعو الله لهم وأن يستنصر لهم، فقال “والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” (17). بشارة ووعد صادق والتؤدة في مثل هذه المواقف ضرورية وعدم الاستعجال مفتاح من مفاتيح النصر. ومن يقدر على رد كيد المشركين لما أرادوا تصفية الرسول الكريم في بيته عن طريق تحالف السبعة ، ليتفرق دمه على القبائل وتسقط بذلك التهم والمتابعة. ويفلت الجاني من العقاب. جريمة دولة مكتملة الأركان. فأصابهم الله بالعمى و تسلل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم ، قال عز من قائل: “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون“(18) معجزة تكررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات عديدة، ويشهد التاريخ كرامات للصحابة على مر الحكم الراشدي ليبين لنا مولانا العظيم أنه مؤيد عباده الصالحين بالكرامات متى توفرت شروطها ليظهر الله أهل الحق على أهل الباطل. انتظار الفرج بعد الكرب عبادة وحياة المؤمن في هذه الدنيا صبر و بشارة و النصر آت عند يقين القادة.

مضرب الأمثال

 ما سميت بالدعوة الصادقة حتى كانت كذلك، فقد اجتمع الناس في المدينة من نَوازعِ القبائلِ لا يجمعهم حب إلا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والهجرة إلى الله. الدولة الناشئة لم تعترضها عقبات التأسيس. فمجتمع المدينة ضرب أحسن الأمثال في انصهار العادات والطبائع المختلفة واعتبرها تنوع ،ويزيد الدارس دهشة أن أهل المدينة لم يضيقوا ضرعا بالمهاجرين الضيوف الجدد، في المسجد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة ،فائتلفت أرواح الصحابة واشتدت أواصر الأخوة وبالقرآن الكريم انتظمت علاقاتهم فيما بينهم وبين غير المسلمين المجاورين للمدينة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يتفقد أحوالهم في بيوتهم ومسجدهم، يمشي في أسواقهم ، يعرف دورهم في الليل بتميز تلاوتهم ،إذا دعاه أحدهم أجابه ولو على كراع، يعجبه ويذكر تجاربهم المتميزة ،يثني على هذا ويبشر هذا ،يعذر عثرة مسيئهم ويمشي بينهم بالنصيحة .تربى الصحابة على عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يتراحمون بينهم ويعطف غنيهم على فقيرهم .كانوا يدا على من سواهم ” ويُجِيرُ على المسلمين أدْناهم “(19). المدينة أصبحت ملجأ آمنا لمن أراد أن يستجير برسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان مشركا، أو بأي أحد من سكان المدينة وإن كان من أقصاهم. أصبحت فيما بعد سياسة دولية تميزت بها اليوم ديموقراطيات العالم تسمى باللجوء السياسي(20).تخرج النساء في الليل ليصلين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفهن أحد من الغلس. كانت حلق العلم في بيت الله منطلق التعلم والتفقه والورع، كما لم يفته صلى الله عليه وسلم تشجيع تعلم اللغات الأجنبية ولم يستثن النساء من أن يستزدن من العلم ،طلب من الشفاء القرشية المعروفة بالطب أن تعلم حفصة كيف تداوي قروح لدغة النملة التي تصيب الجنين كما علمتها القراءة والكتابة ،وقد كانت السيدة عائشة ثالثة الصحابة في حفظ الحديث الشريف. أعار النبي الكريم اهتماما بالغا بالعلم لأنه دأب نهضة الأمم وتقدمها. ومن لطائفه صلى الله عليه وسلم أنه اعتلى منبره من يرتجز الشعر وفي بعض لياليهم كانت تقام عروض مسايفة الأحباش ، عرفوا بالجود و بالإيثار قال الرواة عن كرم أحد الأنصار وهو سعد بن عبادة « كانت جفنة سعد تدور مع النبي في بيوته جميعا». وقالوا: «كان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد من المهاجرين أو بالاثنين أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين». من أجل هذا كان سعد يسأل ربه دائما المزيد من خيره ورزقه. وكان يقول: «اللهم إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه»(21).أنزل الأنصار المهاجرين منزل الأقرباء فقربوهم إليهم وأغنوهم عن السؤال. قبيلتا الأوس والخزرج  لم تكونا على وئام إلا بعد اعتناقهم للإسلام ،فكوَّنتا النواة الصلبة للمجتمع المدني مع المهاجرين ، فانتفى التفاخر بالحسب والنسب وتناشب الحروب بينهما وأصبحت التقوى معيار الصلاح والتفاضل.المنافقون في المدينة شكلوا فرقة شاذة في المجتمع المدني وكانوا أشد على المسلمين من سلاح المشركين، لم يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال فيهم“لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ “.(22) رحمة وصبر وأناة. التقت قيم التسامح بقيم التضامن والقيم الفاضلة بأركان الإسلام فنسجت عمرانا أخويا في المدينة أصبح مضرب أحسن الأمثال في التاريخ، وعلى أساسه بنيت الدولة الإسلامية.

هل يكفي اليوم المؤسسات الخيرية والمانحين للقضاء على الفقر أو تقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء؟ هل تستطيع الجمعيات التي تعنى بحقوق الإنسان أن تنشأ مجتمعا فاضلا يتساوى فيه علية القوم والإنسان البسيط ،مجتمع يقوم على العدل ولا يظلم فيه أحد كما كان على عهد رسوا الله صلى الله عليه وسلم ؟

إنها ليست قيما ومثلا مبثوثة في الكتب فقط أو كلاما تردده الألسن، القيم التي عاشها الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشربوها من عقيدتهم ونشأوا عليها، فهي مقاصد الشريعة التي نزلت بها النصوص و التي شرعت الأحكام من أجلها. بعد أن فرق الحكم العاض بين الدولة والدعوة، انتقلت القيم إلى غيرنا فأصبحت اليوم أسا لبناء الحضارات ومعيارا للديموقراطيات ينادى بها في المحافل الدولية والمنتديات. وهذا يدل على أن رسالة الإسلام عالمية وأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.

حجة داحضة

توحدت القبائل في شبه الجزيرة العربية وارتبطت برباط الجماعة والتعاون على البروالتقوى،أصبحت لدى المسلمين قوة،قضوا على كل الأطماع الداخلية والخارجية التي أتت من عند المشركين واليهود أو من عند نصارى العرب الذين تحالفوا مع الروم على تخوم الشام .فمن دخل الإسلام فله ذلك ومن أبى فعليه بدفع الجزية. وقد دلت نصوص كثيرةعلى حرية المعتقد في الإسلام منها قوله تعالى: )لا إكراه في الدين( (23) وقوله: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم( (24) وحديث)اذهبوا فأنتم الطلقاء( (25) .ما ذهب إليه المغرضون من أن الذين اعتنقوا الإسلام من أهل الكتاب وغيرهم إنما اعتنقوه خوفا من البطش أو التنكيل، واستدلالهم بآيات القتال والنصوص المشابهة تفتقر إلى تمحيص ودلالة ،كمعرفة أسباب النزول وضوابط التفسير بالمأثور وعلى ضوء قواعد اللغة.  ويغضون الطرف ويصمون الآذان عن ما شرعه الله في حق غير المسلمين كما سلف.

 قيام حضارة الغرب وما فعلته همجية الصراعات الطاحنة في الحربين العالميتين وما خلفتاه من خسائر فادحة في الأرواح والمباني بلغت أكثر من خمسة وخمسين مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية لوحدها فقط (26) ،أضف إلى ذلك آثار الاستعمار الأوروبي والغزو الثقافي للدول الإسلامية . دولة أمريكا التي قامت على أنقاض السكان الأصليين بعد إبادتهم ،ألقوا القنبلة الذرية على مدينة «هيروشيما» اليابانية، دمرت 90% من مباني ومنشآت المدينة، وقتل أكثر من 80,000 شخص، كما جرح 90,000 آخرون، وبقي عشرات الآلاف بدون مأوى. (27) بعدها بثلاثة أيام قامت بإلقاء قنبلة أخرى على مدينة ناجازاكي. قتل على إثرها أكثر من 75,000 شخص. (28) المنصفون لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم سيجدون أن في تسعة أعوام من الحرب لم يسقط فيها إلا سبعمئة قتيل وكانت حروبا مثالية في تاريخ البشرية وهي حروب دفاعية لحرصه صلى الله عليه وسلم على حفظ الأرواح من كل الجانبين مع ملازمة المبادئ المعهودة من عدم التعرض للشيخ الفاني ولا للمرأة ولا للوليد ولا للعابد في صومعة ولا لقطع شجرة . وقد أثيرت مسألة إعطاء الجزية كذلك على أنها إذلالا للمغلوبين في دار الإسلام وامتهانا لكرامتهم. ومن المعلوم أن الجزية إنما شرعت لحماية الذميين وغيرهم في بلاد المسلمين ليؤدوا عبادتهم في أمان ،وترد إليهم أموالهم إذا عجز المسلمون عن الدفاع عنهم كما فعل  الصحابيان خالد ابن الوليد وأبو عبيدة وغيرهم من رد الجزية  لأهل حمص وأهل دمشق قبيل موقعة اليرموك، وتسقط إذا وجدت شروط تنفي وجوبها . قال السخاوي في المقاصد الحسنة حديث: “من آذى ذمياً فأنا خصمه. رواه أبو داود بلفظ: ألاَ من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا خصمه يوم القيامة”.

المشككون في شريعة المسلمين وعقيدتهم أو المسيؤون لديننا ولنبينا عليه الصلاة والسلام كثر، وهذا يقتضي منا رص صفوفنا ونبذ خلافاتنا وإبراز محاسن شريعتنا وهو كاف لردع كل ناقم أو حاسد، وإنما ذل من اعتز بغير الإسلام أو ابتغى الهدى في غيره. فما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن لا يرى أحدا من أمته في النار. كما لا يرضيه صلى الله عليه وسلم ما أحدثه المسلمون من بعده . فالأمة الإسلامية هي صانعة الحضارات وهي خير الأمم إذا أدت شرط ربها في الانتماء لهذا الدين من ولاية الله ورسوله والمؤمنين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفعل الخيرات. فالمسلمون هم أصحاب قيم ورسالة ، ورسل هذا الدين وحماته ولن يخذل الله من نصره .


الهوامش

(1)   رواه البخاري

(2)   سورة الشورى الآية23

(3)   سيرة ابن هشام

(4) أخرجه ابن ماجه

(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى

(7)  سورة المائدة – الآية 67   .                 ( 6)  سورة غافر – الآية 77

(8)  زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن القيم

(9)  سورة الزخرف – الآية 31

(10) رواه ابن ماجه

( 11)سورة الشورى – الآية 48

(12) سورة البقرة – الآية 272   .

(13) البداية والنهاية، ابن كثير

(14) سورة التوبة – الآية 111

(15) سورة الفتح – الآية 10

(16) ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله

(17) رواه البخاري

(18) سورة يس – الآية 9

(19) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد,

(20) Historical Memorials of Westminster Abbeyby Arthur Penrhyn Stanley(تعريف اللجوء السياسي)

(21) حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 13/201.

(22) أخرجه البخاري و مسلم

(23) سورة البقرة – الآية 256

(24) سورة الممتحنة – الآية 8

(25) رواه ابن إسحاق ، كما في “سيرة ابن هشام

(26) dw.com ظل الحرب العالمية الثانية ـ حجم الكارثة في أرقام

(27) Frequently Asked Questions #1″. Radiation Effects Research Foundation

(28) نفس المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.