الصوامة القوامة حفصة رضي الله عنها(2) الكرام البررة
الأستاذ يعقوب زروق
الكرام البررة
الصوامة القوامة حفصة رضي الله عنها
بقلم: الأستاذ يعقوب زروق
من أعلام قراء الصحابة الصوامة القوامة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بنت الفاروق عمر رضي الله عنه.
زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. وابنة وزيره وصاحبه عمر رضي الله عنه. أنتقي من فضائلها الجمة ما يتعلق بكتاب الله تعالى.
أبدأ بقصتها في سورة التحريم والتي وإن كانت عتابا على خطإ بدر منها إلا أن في طي ذاك العتاب منقبة عظيمة أبينها لاحقا. أشار إليها القرآن مع عائشة رضي الله عنهما في القصة المعلومة في السيرة. وملخصها أنهما اتفقتا لما رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عند إحدى نسائه فيشرب عندها عسلا. فأخذتهما ما يأخذ النساء من الغيرة. فاتفقتا إن أتى إحداهما أن تقول له: ما هذه الريح التي أجد منك. وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه ريح غير طيبة. فحرم على نفسه شرب العسل. فأنزل الله سورة التحريم.
فأنزل الله فيهما رضي الله عنهما: ﴿إِن تتوبا إِلى اللهِ فقد صغت قلوبكما، وإِن تظاهرا عليهِ فإِنّ الله هو مولاه وجِبرِيل …﴾ الآية [التّحرِيم: 4].
هذه القصة في طيها ما يدل على عظمة القرآن الكريم وعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ لا محاباة في الحق. وما جاء القرآن إلا ليزكي النفوس ويرتقي بها إلى الإحسان في العبادة والمعاملة ولا شك أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم هن أول من تزكى به وأصلحن به أخطاءهن وتبن به التوبة النصوح. ﴿إِن تتوبا إِلى اللهِ فقد صغت قلوبكما﴾ فتحققت لعائشة وحفصة شهادة الله بإصغاء القلب. وهده فضيلة عظيمة لأنهما تابتا إلى الله ما إن نزل القرآن وعلمتا بالخطإ. فكانت هذه الآية كرامة في ظرف عتاب. وفي القصة ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب حتى يطلعه الله عليه ليخرس من يدعون أن القرآن من عنده. فلما أطلعه الله عليه ما كان ليسكت عن الحق صلى الله عليه وسلم.
ومما يدل على فضائل حفصة رضي اللع عنها قصة تطليقها من الرسول صلى الله عليه وسلم . حيث أنزل الله تعالى جبريل عليه السلام يأمره بإرجاعها. وشهد لها جبريل أنها صوامة قوامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلقها قال لِي جِبرِيل: راجِع حفصة، فإنّها صوّامةٌ، قوّامةٌ، وإِنّها زوجتك فِي الجنّةِ.[1]
كانت رضي الله عنها حريصة على تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وفهمه. قالت : قال رسول اللّهِ صلّى اللّه عليهِ وسلّم: ” إِنِّي لأرجو أن لا يدخل النّار – إِن شاء اللّه – أحدٌ شهِد بدرا، والحديبِية “. قالت : فقلت : أليس اللّه عزّ وجلّ، يقول : { وإِن مِنكم إِلّا وارِدها }؟ فسمِعته يقول: { ثمّ ننجِّي الّذِين اتّقوا ونذر الظّالِمِين فِيها جِثِيّا}.[2]
تعلم الناس قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ صلّى في سبحتِه جالسا قطّ حتّى كان قبل وفاتِه بعامٍ فكان يصلِّي في سبحتِه جالسا فيقرأ السّورة فيرتِّلها حتّى تكون أطول مِن أطول منها.[3]
ائتمنها أبوها رضي الله عنه على كتاب الله. فإن أبا بكر رضي الله عنه حين جمع القرآن في الصحف كانت الصحف عنده ثم عند عمر بعده. ثم عند حفصة رضي الله عنها عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: فكانتِ الصّحف عِند أبِي بكرٍ حتّى توفّاه الله، ثمّ عِند عمر حتّى توفّاه الله، ثمّ عِند حفصة بِنتِ عمر.[4]
ولما عزم عثمان رضي الله عنه على جمع القرآن في المصاحف طلب منها الصحف وردها إليها بعد انتهاء الجمع.
رضي الله عنها وأرضاها.
[1] – ابن حجر العسقلاني، فيض القدير (4/ 501)
[2] – مسند احمد 26440
[3] – صحيح ابن حبان (2508)
[4] – صحيح ابن حبان 6099