سنن الله في إهلاك الأمم (8)
بقلم: الدكتور رمضان خميس
موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار (7)سنن الله في إهلاك الأمم
أولا:موقف المسلمين من سنة الله في إهلاك الأمم
تبين من واقع المسلمين المعيش مدى بعدهم عن الاعتبار بسنة الله تعالى عامة وبعدهم عن معرفة سنة الله في إهلاك الأمم خاصة، من هنا تكرر في القرآن الكريم نداؤهم، ولفت أنظارهم إلى العظة والعبرة بهذه السنة الماضية، والقانون الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، وكم وقعت من ممالك المسلمين دول وبادت شعوب وانتهت عروش واللاحق ينسج على منوال السابق، والخالف يتبع السالف، حتى لو دخل جحر ضب لدخله وراءه، وكم رصد أولو الألباب من علل، وشخصوا من أدواء؛ تنفيرا من ورود السابق موارد الهلكة، التي وقع فيها من غبر، والأمة بمجموعها تحدو نحو مواطن الهلاك، وأسباب الفناء، وإذا قورن حديث المسلمين عن العبرة بالأمم السابقة، وحديثهم عن فروع الفقه لظهرت منهجية التفكير التي يحياها المسلمون، لقد سقطت دول وانكسرت عروش وتبدلت خلافات، واستعبدت شعوب، وانتهكت أعراض، واغتصبت أراض، وغرفت في المياه كتب، وأين من حلل هذه الأحداث وأظهر أسباها، وعلل أحدوثها، ورد نتائجها لمقدماتها؟ وربط خوافيها بأوائلها؟، أين الأزهر ودراساته؟ وأين مكة والمدينة وبحوثهما؟ أين الزيتونة والقرويون والأموي؟ بأي قضية شغل شيوخها؟ أين الدراسات التي عنيت ببيان أسباب الخلل، ومواطن العلل، وتشريح هذه الأحداث تشريحا يبصر بالعاقبة، ويعرف بالنتيجة، ويقف الأمة على أسباب المصيبة كي لا تتكرر مرة أخرى، وأسباب النكبة حتى نفيد منها، ضاعت الأندلس، وضاعت فلسطين فكم من الدراسات والبحوث والمؤتمرات والندوات التي دعت إلى البصر بمواطن الداء؟ إنه لو قيس الكم المعرفي الذي خلفه السابقون في فروع الفقه بالكم الذي يدعو إلى البصر والنظر والتغلل الحقيقي لأسباب المحنة العامة والخاصة لبان للرائي هول الفرق وبعد ما بين منهج للتفكير ومنهج وطريقة في التناول وطريقة هل يكون حظ التعليق على ضياع الأندلس قصيدة
لكل شيء إذا ما تم نقصان . . فلا يغر بطيب العيش إنسان
أم يكون نصيبها سؤالا عابرا نحو
قلت يوما لدار قوم تفـانـوا — أين سكانك العـزاز علينـا
فأجابت هنا أقاموا قلـــيلا — ثم راحوا ولست أعلـم أينـا
أو نواحا، ليس أكثر من نواح، أو وله وبكاء، كما قال شوقي:
عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ
وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ
كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ
وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ
شُيِّعتِ مِن هَلَعٍ بِعَبرَةِ ضاحِكٍ
في كُلِّ ناحِيَةٍ وَسَكرَةِ صاحِ
ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ
وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ
الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ
تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ
وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ
أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ
وماذا بعد البكاء والنواح، وهل يرجع النواح الذاهب؟؟؟ لم تدرس السنن التي آلت بنا إلى هذا المصير والنواميس التي انطبقت علينا كما انطبقت على غيرنا، بل قصرنا في علم السنن عامة والنظر في سنة الإهلاك والبقاء خاصة.
عالج صاحب المنار هذا الموقف للمسلمين من السنن بعد أن وقف عليه وأسى له فتأثر به فتراه يقول: (إن المسلمين لم يقصروا في شيء من علم الكتاب والسنة كما قصروا في بيان ما هدى إليه القرآن والحديث من سنن الله – تعالى- في الأمم، والجمع بين النصوص في ذلك، والحث على الاعتبار بها، ولو عنوا بذلك بعض عنايتهم بفروع الأحكام وقواعد الكلام لأفادوا الأمة ما يحفظ دينها ودنياها، وهو مالا يغني عنه التوسع في دقائق مسائل النجاسة، والطهارة، والسلم والإجارة؛ فإن العلم بسنن الله تعالى لا يعدله إلا العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، بل هو منه، أو طريقه الموصل إليه).
ويلفت صاحب المنار نظر الأمة إلى منهجية القرآن في تناول السنن حتى من خلال المحاور التي يسوقها تسرية وتسلية مثل القصص فيؤكد أن القصص لا يعنى بالتاريخ ولا يقف عند أحداثه وتفصيلاته إلا بالقدر الذي يخدم قضية يريدها وهدفا يسعى إليه
فالعبرة من قصص القرآن العلة لا التاريخ
القصة في القرآن الكريم لها أغراضها الراقية وأهدافها السامية وإذا عرضت للتاريخ لا تعرض له لذاته، بل لأنه سبيل إلى عبرة تريدها، أو هدف تتغياه، من هنا يؤكد صاحب المنار على هذه القضية التي دار حولها خلاف فيما بعد بين العلمانيين وغيرهم، واعتمد بعضهم على كلام صاحب المنار لكنه كان كمن قرأ (لا تقربوا الصلاة)، ووقف عليها، من هنا يعالج صاحب النار هذه الجزئية فيقول: (إنه (القرآن) لم يقصد بها التاريخ وسرة الوقائع مرتبة بحسب أزمنة وقوعها، وإنما المراد بها الاعتبار والعظة بيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها، ومتى كان هذا هو الغرض من السياق، فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير).
الاعتبار بقصص القرآن
ويدعو صاحب المنار المسلمين للاعتبار بقصص القرآن وهديه وأنه لم ينـزل للتعبد بتلاوته فحسب وإن كانت تلاوته في ذاتها مطلوبة بقوله: (وإذا كنا تعتبر بما قص الله تعالى علينا من غير أهل الكتاب، كما قال: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) فإننا تعرف حكم أهل القران عنده تعالى مما ذكره عن أهل التوراة والإنجيل، كما نعرفه مثل قوله عز وجل (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وقوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) فكل هذه الآيات والعبر لم تحل دون اتباع هذه الأمة سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع كما أنبئت للتحذير، والقرآن حجة عليها كما ورد في الحديث ((والقرآن حجة لك أو عليك)) ولا شك أن من يتلو ألفاظ القرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزئ بربه.
➖سأل سائل من المقلدين حاضري الدرس بأن العلماء قالوا: إن القران يتعبد بتلاوته، فقال الأستاذ الإمام: نعم، ولكنهم لم يقولوا إنه أنزل لذلك وكيف يقولون ذلك، والله الذي أنزله يقول إنه أنزله: (ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)، فالقرآن وكذلك السنة يصرحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه، وجعل معناه – أو من معناه – أن الله تعالى يطالب عبادة بقراءة القرآن بدون تدبر ولا تذكر، وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد ((يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) وقد سماهم شرار الخلق، فهؤلاء الأشرار قد اتخذوا القرآن من الأغاني والمطربات، وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتقدير أخذته العزة بالإثم واحتج عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان، وهكذا انقلب على المسلمين، وضع الدين، ثم هم يتعجون مع ذلك كيف حرموا من وعد الله في قوله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) وضرب الأستاذ مثلا رجلا يرسل كتابا إلى آخر فيقرؤه المرسل إليه هذرمة أو يترنم به، ولا يلتفت إلى معناه، ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه، ثم يسأل الرسول أو غيره: ماذا قال صاحب الكتاب فيه، وماذا تريد منه؟ أيرضى المرسل من المرسل إليه بهذا أم يراه استهزاء به؟ فالمثل ظاهر وإن كان الحق لا يقاس على الخلق، فإن الكتاب لا يرسل لأجل ورقه، ولا لأجل نقوشه، ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه، ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به.
(يقول الأستاذ الإمام: إن الاستهداء بالقران واجب على كل مكلف في كل زمان ومكان، فعلى كل قارئ أن يتلو القران بالتدبر، وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به، ولا شك أن كل من له معرفة -ولو قليلة – باللغة العربية، فإنه يفهم من القرآن ما يهتدي به، ومن كان أميا أو أعجميا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرءوا له القرآن ويفهموه معناه، وقد تقدم التنبيه على هذا في مقدمة تفسير سورة الفاتحة، بل قال الأستاذ في هذا المقام: إني أعتقد أنه يجب على كل مسلم أن يقرأ القران أو يسمعه كله، ولو مرة واحدة في عمره، ومن فوائد ذلك أن يأمن من إنكار شيء منه إذا عرض عليه أو سمعه مع التشكيك فيه).
إن الأمة في حاجة ماسة لمن يبصرها بأسباب هلاك الأمم الماضية حتى تتعظ بها وتعتبر بعبرها فالسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.
*من كتاب سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار*