أعطونا الطفولة
أبو علي الصُّبَيْح
في آخر الحيّ، حيثُ تتعبُ الأزقّة من حمل الغبار، كان هناك بابٌ أزرق صغير، تقف خلفه أمٌّ تُخبّئ خوفها في طرف منديلها، وتعلّق على الحائط حقيبةَ طفلٍ لم يذهب إلى المدرسة منذ زمن.
كان الطفلُ يسألها كل صباح:
لماذا صارت السماءُ قريبةً من الأرض يا أمي؟
فتبتسمُ وهي تنظر إلى السقف المتشقق، وتقول:
لأنّ الله يريد أن يسمع دعاءنا أسرع.
وكان يعرف أنها تكذب كذبةً بيضاء،
كذبةً تشبه قطعة سكرٍ في فمِ جرحٍ كبير.
أعطونا الطفولة…
لا نريد من الدنيا غير نافذةٍ لا ترتجف،
وسريرٍ لا يوقظنا مذعورين،
وخبزٍ لا يصل إلينا بعد انتظارٍ طويل.
نريد صباحاً يشبه الصباح،
لا صفّاراتٍ، ولا ركضاً، ولا أمّاً تبحث عن أسماء أولادها بين الوجوه.
في الدفتر القديم كتب الطفل:
“عندما أكبر، سأصير عصفوراً.”
ثم شطب الكلمة وكتب:
“سأصير بيتاً.”
ثم شطبها وكتب:
“سأصير يداً تمسك يد أمي ولا تتركها.”
يا أيها العالم،
إنّ الطفل لا يحتاج إلى خطبٍ عالية،
ولا إلى كاميراتٍ تسرق دمعته ثم ترحل،
إنه يحتاج إلى ملعب،
إلى قلم،
إلى ضحكةٍ لا تخاف،
إلى ليلةٍ ينام فيها دون أن يودّع وسادته.
أعطونا الطفولة…
أعيدوا للأراجيح صوتها،
وللحقائب دفاترها،
وللحدائق عصافيرها،
وللأمهات نومهنّ الخفيف الذي كان يكفيه بكاء طفلٍ جائع،
لا هدير موتٍ يهبط من السماء.
في المساء، جلست الأمُّ قرب المصباح،
تحكي له حكاية عن مدينةٍ بعيدة
كان الأطفال فيها يركضون خلف المطر،
ويضحكون إذا ابتلّت أحذيتهم.
فسألها:
وهل كان المطر هناك لا يخاف؟
فضمّته إلى صدرها،
حتى صار قلبها باباً،
وصار صدرها وطناً صغيراً.
أعطونا الطفولة…
فقد كبر الصغار قبل أوانهم،
وصاروا يعرفون معنى الفقد قبل معنى الجمع،
ويحفظون طرق الهروب قبل جدول الضرب،
ويميزون الأصوات الثقيلة من خفّتها
كما يميز الأطفال في البلاد الهادئة أصوات الطيور.
يا طفلاً ينام على ذراع الحنين،
لا تكبر سريعاً،
فالزمن لم يترك لنا ما يكفي من البراءة.
تمسّك بضحكتك،
خبّئها تحت قميصك،
فربما احتاجها العالم ذات يوم
ليتذكر أنه كان إنساناً.
أعطونا الطفولة…
نريد أن يعود الطفل إلى مدرسته،
أن يكتب اسمه على اللوح،
أن يخطئ في الإملاء،
أن يضحك من صديقه،
أن يخاف من المعلّم قليلاً،
لا من الليل كثيراً.
نريد طفولةً فيها أمٌّ توبّخ ولدها لأنه كسر الزجاج،
لا لأنها تخشى أن يكسره الغياب.
نريد أباً يعود آخر النهار متعباً من العمل،
لا محمولاً على أكتاف الوجع.
نريد بيتاً بسيطاً،
صغيراً،
فقيراً إن شئتم،
لكنّه واقف.
أعطونا الطفولة…
فالطفولة ليست لعبةً على الرف،
وليست صورةً في يومٍ عالمي،
وليست شعاراً نعلّقه ثم ننساه.
الطفولة عهدٌ بين الأرض والسماء،
ومن خان طفلاً،
خان معنى الحياة كلّها.
وفي آخر الليل،
حين نام الطفل أخيراً،
فتحت الأمُّ كفّه الصغيرة،
فوجدت فيها حجراً أبيض.
سألته في الصباح: ما هذا؟
قال: هذا بيتنا الجديد.
سأبنيه عندما يكفّ العالم عن هدم الأشياء.
فبكت الأمُّ بصمت،
لأنها عرفت أن الطفل لم يعد طفلاً تماماً،
وأن الحروب حين تمرّ على الصغار
لا تتركهم كما وجدتهم.
أعطونا الطفولة…
أعطونا حقّ الضحك،
حقّ الخطأ،
حقّ اللعب،
حقّ الحلم،
حقّ أن يقول الطفل: غداً أجمل،
وهو يصدّق ما يقول.
أعطونا الطفولة…
قبل أن تصير الذاكرة مقبرةً واسعة،
وقبل أن يصبح السؤال أكبر من العمر:
لماذا كان علينا أن نخاف ونحن صغار؟