غزّة ويوسف – عليه السلام (قصيدة)
غزّة ويوسف – عليه السلام (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
غزّة ويوسف – عليه السلام (قصيدة)
بقلم: أبو علي الصُّبَيْح
رأى يوسفُ الأحلامَ صبحًا أقبَلا
فأسرَّها في صدرِه وتجمَّلا
رأيتُ كواكِبَ ساجدينَ لعزَّتي
والشمسُ قد أذعَنتْ ضياءً وانجَلا
فقالَ لهُ يعقوبُ: يا بُنيَّ اكْتُمِ الـ
رؤيا، ففي كَتْمِ الحديثِ تعقُّلا
فأضمرَ الإخوةُ الكِرامُ عداوةً
وتواطؤوا كيدًا يُريدونَ العُلا
وألقَوهُ في جُبٍّ عميقٍ مظلمٍ
فظلامُهُ في صدرِه ما زلْزَلا
فناداهُ ربٌّ: لا تَهَن، فاصبِرْ، فمَن
صَبَرَ ارتقى نحوَ العُلا وتعلَّلا
وأقبلَتِ القافُ الغريبةُ ترتوي
فأخرجَتْهُ وقد بدا متفضِّلا
وباعوهُ في سوقِ الحياةِ مُهانةً
لكنْ رِضا الرحمنِ أبهى وأجمَلا
فآواهُ عَزيزُ مصرَ في دِيارِه
وجعلهُ في كَنفِ الكرامةِ مُقبَلا
فلمّا دعتهُ امرأةٌ في غَيِّها
قالَ: المعاذَ بمن غفَرْتُ لهُ مَلا
وقالتْ: هِيتَ لكْ، فصانَ جوهرَهُ
وتمسَّكَ الطهرُ المُصفّى أعدَلا
فلمّا رآهُ النسوةُ انبهَرَتْ بهِ
والسكّينُ في كفِّ الغَوايةِ أرسَلا
قَطَّعنَ أيديَهُنَّ دهشًا وانثَنَتْ
أبصارُهُنَّ، وقُلنَ: ما هذا الرِّجَلا؟
هذا مَلاكٌ قد تجلّى نورُهُ
فالقلبُ في طلعتِه قد ذابَ لا
فقالتْ زُليخا: قد شهِدتُم ما بيَتْ
نفسٌ غرامًا في هواهُ تَذلَّلا
فنجّاهُ ربّي إذ تمسّكَ طاهرًا
فأفاضَ عونًا بالعزيمةِ أقبَلا
فكادوهُ كيدًا بالملامِ وزُجَّ في
سجنٍ بهِ امتحنَ الصبورَ وأَصقَلا
فأصبحَ في السجنِ الموحَّدِ آمرًا
مؤوِّلًا للرؤى، حكيمًا مُقبَلا
فأوَّلَ أحلامًا، فأعطى حُكمَها
فتحَ البصائرَ بالهدى وتفضَّلا
فلمّا أتى مَلِكٌ يسائلُهُ الرؤى
أوضحْتَ سرًّا في المنامِ وأحكَمَ لا
فأُخرِجْتَ من قَفَصِ القيودِ مكرَّمًا
وبدا لوجهِك نورُ يوسفَ أكمَلا
فصرتَ على عرشِ البلادِ مُعزَّزًا
تُعطي وتَمنَحُ بالوفاءِ مُفضَلا
فجاءَتْكَ إخوتُكَ الجياعُ وقد غدوا
يَسألونَ قوتًا في المجاعةِ مُقبَلا
فعاملتَهم بالعفوِ، لمّا اعترفوا
وغفرتَ ما صنعوا، وصنتَ المثقَلا
وقلتَ: لا خوفٌ عليكم بعدما
غَفرَ الإلهُ، فمن إليهِ توكَّلا
فأرسلتَ قَميصًا فيهِ نفحةُ رحمةٍ
أحيا البصيرةَ بعدما قد أفوَلا
فأقبلَ يعقوبُ الكبيرُ وقد رأى
نورَ البصيرةِ بعدَ دمعٍ أنهَلا
فرفعتَ والدَيكَ فوقَ عروشِهم
وأجلستَهم تاجًا على الدهرِ اعتَلا
كذاكَ دربُ الصابرينَ إذا ارتضَوا
نالوا الرضا، وتفيّؤوا ما أجْمَلا
ففي قصّةِ الصدّيقِ يوسفَ عبرةٌ
لِمَن اهتدى بالحقِّ أو قد تأمَّلا
وفي غزةٍ صبرُ الكرامِ تجدَّدا
كالنجمِ يُزهِرُ في الظلامِ ويُجتَلى
يا غزةَ الأحرارِ يا دارَ الفِدى
صبرُكِ علَّمَنا الثباتَ وأبهَلا
تُرمى وتُقصفُ كلَّ يومٍ قاصدًا
لكنْ يظلُّ عزيمُكِ المُتجبِّلا
لا تنحني، والريحُ تعصفُ حولَنا
أنتِ العمودُ، وأنتِ صخرٌ أثقَلا
يا غزّةُ الصابرةُ التي في أرضِها
قد واجهتْ طوفانَ بغيٍ مُرسَلا
يا غزّةُ المذبوحةُ لكنَّ العُلا
في جُرحِكِ الميمونِ يزهو مُقبَلا
فيكِ الرجالُ على الشهادةِ أقبلوا
ما خافَ موتًا مَن تعمَّدَ أقبَلا
فيكِ النساءُ على الكرامةِ قد مشَتْ
حُرًّا وأشعلنَ الضياءَ الأجمَلا
والطفلُ يضحكُ في الملاجئِ رافِعًا
روحًا تُبشِّرُ بالنضالِ وتُقبَلا
فاللهُ وعدَكِ بالنَّصَــرِ المبينِ إذا
صبرتِ، وكانَ الصبرُ درعًا مُثْمَلا
فانهَضْ إلى العليا، ففيكِ مَلاحمٌ
ستظلُّ تُكتَبُ في الكُتُبْ أبدَ الدُّهولا
ويُكتبُ في سفرِ الخلودِ صمودُها
ويكونُ خَتمُ القولِ: غزّةُ أقبَلا
—