من الاحتجاج بالخطاب إلى الاحتجاج بالجسد
بقلم: ذ. ياسين احمادون، المغرب
أضحى الفضاء العام في المجتمعات المعاصرة مجالا مركزيا لتجليات الصراع الاجتماعي والتعبير عن الاختلافات القيمية والثقافية، حيث لم تعد الاحتجاجات تقتصر على الخطاب السياسي التقليدي أو المطالب الاجتماعية المباشرة، بل تجاوزت ذلك لتتخذ أشكالا جديدة تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع وفي أنماط الوعي الفردي والجماعي. وفي هذا السياق، برز الجسد كوسيط احتجاجي بديل، يتم من خلاله التعبير عن الرفض والمطالبة بالحقوق، خاصة في ما يتعلق بالحريات الفردية وحرية المرأة وعلاقتها بالمجال العام.
ويكتسي موضوع حرية الجسد في الفضاء العام أهمية خاصة داخل المجتمعات المحافظة، حيث تتداخل الأبعاد الدينية والثقافية والقانونية في ضبط السلوكيات الجسدية وتحديد المقبول والمرفوض منها. ويهدف هذا المقال إلى مقاربة ظاهرة الاحتجاج بالجسد من منظور سوسيولوجي، من خلال تتبع انتقال الاحتجاج من الخطاب إلى الجسد، وتحليل تمظهراته داخل المجال الحضري المغربي، مع التركيز على السياقات الاجتماعية والثقافية التي تحكم هذه الممارسات وتؤطر ردود الفعل تجاهها.
الاحتجاج بالشارع العام: بناء مقاومة للتقاليد
الاحتجاج في أبسط مفاهيمه هو الاعتراض على أمر ما، بالرغم من كون هذا الاعتراض عبارة عن رفض أو مطالبة أو غير ذلك.
لا غرابة أن الجسد كان وسيبقى حاضرا في الحركات الاجتماعية والحركات السياسية التي وصمت التاريخ الإنساني، “فالثورة من الأفعال الرئيسية المحركة للتاريخ، فهي لا تتوقف أبدا، وتحمل في داخلها ما يبشر بالمستقبل دائما، بل تعلن بحضورها عن تغير يطال الإنسان والأمم والتاريخ كلما انفجرت وأذنت بالتغيير”.(شيخة،2019، ص4)
ومنه فلا بد وأن تناط آليات الاحتجاج وأشكال الثورة إلى التغيير والتحول، مادام أن الظاهرة الإنسانية والاجتماعية دائمة التغير والدينامية، الشيء الذي يجعلنا نتساءل حول الأشكال الجديدة للاحتجاج. وغالبا ما تبرز أشكال الاحتجاج في المدن والمجال الحضري، لكون هذا الأخير أكثر احتواء للأفراد، إلى جانب أنه يضم مجموعة من المؤسسات السياسية والأمنية ومؤسسات المجتمع المدني، ليصبح بذلك الشارع العام مجالا خصبا لظهور هذه الأشكال من الاحتجاجات.
الاحتجاج بالخطاب
إن الخطاب لطالما كان يلعب دورا جوهريا في الاحتجاج وفي الدفاع والرفض أو المطالبة بالحقوق، إذ أن الخطاب سواء الشفوي منه أو المكتوب يعتبر آلية لا غنى عنها في الدفاع والمطالبة بالتغيير أو التعبير عن الرفض.
إن الاحتجاج في شكله العادي يفرض نوعا من الحشد والتعبئة على مستوى الجماهير والمحتجين لكي ينجح فعل الاحتجاج. وقد كانت الشعارات والهتافات وسيلة تلك الجموع لإعلان احتجاجها والتأثير في غيرها ممن يخشى بطش الحكام لإظهار مقاومته واحتجاجه،(صبحي 2020، ص553) ولكي تكون هناك تعبئة واسعة لا بد للخطاب الاحتجاجي أن يكون مبنيا على أسس سيكولوجية واجتماعية تعبر عن الواقع التي تعيشها الفئة المحتجة وتعبر عن رفضها أو مطالبها.
وحتى يكون خطاب الاحتجاج مؤثرا وناجعا في إقناع تلك الجموع غير الواعية بآلية الدفاع عن حقوقها، كان لا بد من اعتماد الخطاب على أفعال الكلام لما لها من وظائف ذات صلة بقصد الباث/ المتكلم(المرجع السابق)، ويتجلى دور المخاطب أو الخطاب بشكل عام في دفع أكبر عدد ممكن إلى التضامن والتعبئة كما أنه يشكل قوة تأثير في الطرف المقابل (رئيس، حكومة، نظام…).
ويجدر الإشارة إلى أن كل حركة احتجاجية تشمل مجموعة من المفاهيم والشعارات التي تستخدمها، ممثلة بذلك الوضع الاجتماعي للفئة المحتجة أو مطالبها.
الاحتجاج بالجسد
الجسد لا بد وأن يحضر في جميع أشكال الاحتجاج والحركات الاجتماعية، فوجود الفرد يعني وجود جسد الذي يعتبر الصورة الخارجية له.
كما أنه وبسبب التغيرات التي طرأت على المجتمعات وبفعل ظاهرة العولمة برزت مجموعة من أشكال الاحتجاج، من قبيل: الاحتجاج بالجسد، الاحتجاج بالفن، الاحتجاج بالإضراب عن الطعام، الاحتجاج عبر وسائط الإعلام الجديدة…، فالجسد في نظر الكثير من الأفراد هو ملك خاص للفرد له كامل الحرية في القيام فيه بكل تغيير، لهذا كثرت في السنوات الأخيرة بعض حالات من الاحتجاجات الجسدية (هناك مجموعة من الفيديوهات التي تعرض بعض الأفراد يضرمون النار في أنفسهم معبرين بذلك عن رفضهم لقانون معين أو لتعرضهم…).
ويؤكد الباحث في قضايا الجسد، هشام العلوي، أن الجسد يمثل حقلا تتفاعل فيه السلطة والسلطة المضادة، معطيا المثال بفرنسا التي حاربت “البرقع” واللباس الأفغاني في المكان العام لأنه لا يقدم صورة عن الجسد الذي يترجم قيم الجمهورية، وبالحركات الاحتجاجية خلال الثورة الفرنسية في نهاية القرن 18 التي أطلق عليها اسم “بدون سراويل”، المجسدة من المنظمات العالمية المعروفة بإظهار الأجزاء الحساسة من أجساد أعضائها كخطوة احتجاجية، توجد منظمة بيتا للرفق بالحيوان، المعروفة بشعار: “أفضل أن أكون عاريا على أن أرتدي فروًا”، وكما هو واضح من الشعار، فهي تنادي بالتخلي عن أكل اللحوم والاعتماد فقط على الطعام النباتي، إضافة لنبذها كل أنواع الرياضات التي يستغل فيها الحيوان، ومن بينها رياضة مصارعي الثيران التي تحتج عليها المنظمة سنويا، بإقامة “سباق العرايا”، الذي يركض فيه المتعاطفون مع الثيران كما ولدتهم أمهاتهم، في محاولة للضغط على الحكومة الإسبانية من أجل إيقاف هذه الرياضة القاتلة للثيران، لروح الثورة الرافضة للتقليد والمحافظة ونمط العيش الأرستقراطي.
الجسد البيولوجي أم اجتماعي
اهتمت الفلسفة منذ عصور بالإنسان ككائن اجتماعي وكان اهتمامها بالإنسان يتمثل في كونه كائنا يختلف عن الكائنات الأخرى بالعقل والتفكير، مهملة بذلك جسد الإنسان ودوره في التأثير على شخصية الأفراد وميولاتهم ورغباتهم. وعلى دربها ذهب علم الاجتماع الكلاسيكي ووقع في الزلل نفسه، إلا أن علم الاجتماع الحديث وبعد ظهور عدة نظريات ودراسات سوف يعيد إصلاح الخطأ الذي وقع فيه وسوف يهتم بجسد الإنسان ليس فقط كجسد بيولوجي يحمل الذات الإنسانية ولكن كجسد يؤثر بالمجتمع ويتأثر به. فأصبح بذلك الجسد مشروعا لعلم الاجتماع الرياضي وفي صلب اهتمامه.
خلص هذا المقال إلى أن الاحتجاج بالجسد يمثل شكلا جديدا من أشكال التعبير الاجتماعي الذي فرضته التحولات الثقافية والقيمية التي يعرفها المجتمع المعاصر، خاصة في ظل العولمة وانتشار وسائل الإعلام الحديثة. فالجسد لم يعد مجرد كيان بيولوجي محايد، بل أصبح حمولة رمزية واجتماعية تعكس علاقات السلطة والصراع داخل المجال العام، وتكشف عن التوتر القائم بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والضبط الاجتماعي.
كما بينت الدراسة أن الفضاء العام، رغم كونه مجالا مشتركا يفترض فيه استيعاب التنوع والاختلاف، يظل محكوما بمنظومة من المعايير والقيم التي تحدد حدود الممارسة الجسدية المشروعة، وهو ما يفسر حدة ردود الفعل تجاه بعض أشكال الاحتجاج الجسدي داخل المجتمع المغربي. وفي هذا الإطار، يظهر أن الجدل حول حرية الجسد ليس سوى تعبير عن صراع أعمق حول الهوية والقيم وأنماط العيش، صراع مرشح للاستمرار ما دامت التحولات الاجتماعية والثقافية متواصلة، وما دام الجسد يحتل موقعا مركزيا في معادلة السلطة والمقاومة داخل المجال الحضري.