يشترك الإنسان وسائر المخلوقات في الوجود، فلكليهما أصل مشترك، ومصير واحد، ومن ثم كانت الأرض بمقتضى العهد الأول مع الله عز وجل، أمانة بيد الإنسان وليست “أمَةً” له، يحييها وتحييه، يحملها وتحمله، تؤويه وتواريه، مستخلفا فيها غير مفسد.
إلاّ أن الواقع المعاصر الذي نشهده اليوم، بعيدٌ عن قيم الأمانة والاستخلاف بسبب الاستنزاف الجنوني للموارد الطبيعية، والتدخل في بنيتها والتغيير في نظامها، والذي نجم عنه اختلال واسع في البيئة بمختلف مجالاتها، فظهرت سلوكات غير أخلاقية إزاء مختلف المناطق الحيوية من الطبيعة، إنسانية و حيوية ونباتية و مائية و مناخية و فضائية…، فراح الإنسان إثر ذلك يبحث عن مخرج، لعلّه يُنقذ ما أفسده عقله الذي انقلب بالضرر عليه من حيث أراد الصلاح، فتواضع على قوانين بيئية كونية لم يستطع الانخراط فيها، مما أتاح للفلسفة العملية في العقود الأخيرة، فتح أوراش في مجال الواجب والمسؤولية والحرية، و تدشين ظهور الأخلاق التطبيقية البيئية.
في سياق هذه التحديات الإيكولوجية، تظهر راهنية فلسفة الائتمان الطاهائية، والتي تجعل من الموجودات في العالم الائتماني أمانات لدى الإنسان، تُقيّد تصرّفه بالمؤتمَن عليه صيانة ورعاية، ذلك لأن الفعل الخُلقي يحيط بالعالم بأسره إحاطة الخالق بمخلوقاته؛ إذ لكل خَلق حقوق خُلُقية تخصّه، بخلاف الحرية المطلقة التي تزيغ عن كل قيد وضابط، غير مكترثة بما تحدثه من فساد في الأرض وهلاك في الحرث والنسل.
في هذا الصدد تأتي هذه المداخلة، استجلاءً لملامح مقاربة الدكتور طه عبد الرحمن للأخلاق البيئية، بدءا بكشف الصلة بين الوحي والبيئة، مرورا بتحديد الأسس الفلسفية للائتمانية ومبادئها، وانتهاء بتنزيل الفقه الائتماني على الإشكالات الأخلاقية البيئية.
المحور الأول : الصلة بين الوحي والبيئة آياتيا
لقد بدّل الوحي تصور المسلم للعالم، وبلور ثقافة فكرية كونية جديدة أساسها التوحيد، فالمحيط البيئي الذي قد يبدو بلا أهمية و كشيء مهمل أو ثانوي، قد وصّفه القرآن بأنه مشترك مع الإنسان في ثلاثة أمور مصيرية، أولها: الحدوث والتكوين، وثانيها: التسبيح والعبادة بمقتضى الإرادة التكوينية، وثالثها : تجلي أسماء وصفات الخالق جلّ وعلا.
أ ـ البيئة عبارة عن آيات تكوينية
يعتبر الوحي العالمَ المرئي، آيات تكوينية وليس مجرّد ظواهر، وهي تتصل اتصالا بالوحي باعتباره آيات تكليفية، فمن سمات الظاهرة؛ التحيّز في المكان الخارج، فتظهر وتُحس في العالم المرئي، ولا يتعدى هذا النظر إلى التفكر في أسرارها العميقة الوجودية، حتى أن علماء الطبيعة وعلماء الاجتماع، يطلقون على ما يظهر من سلوك إنساني أو مظهر طبيعي؛ اسم الظواهر، في حين أن الآية لفظ قرآني دقيق يدلّ على العلامة، وعلى شيء خفيٍّ، لا يمكن الوصول إليه ببساطة، تلك الآية؛ هي السمة أو الأثر والتجلّي لشيء خفيٍّ، وهو الخالق الأعلى تبارك وتعالى.
والظاهرة بتعريف طه عبد الرحمن؛” كلّ ما يظهر للعيان محدّدا في الزمان والمكان، وحاملا لأوصاف تقوم بينها علاقات موضوعية، كما هو نزول المطر، فهو متسبب عن تبخر المياه، ثم تراكّمها بسبب البرودة في سحب، ثم تحولها إلى قطرات ذات حجم لا يقبل أن تبقى معلّقة، فواضح أن هذه كلها علاقات مضبوطة وملحوظة”[1]، لذا فالعالم كما يقول، “ليس مجرد جملة من الظواهر، وإنما هو جملة من الآيات، وشتان بين الظاهرة والآية، إذ مقتضى الظاهرة أن تخضع لضوابط التعقيل ومحددات التفصيل، في حين أن مقتضى الآية أن تدل على معنى خفي، وهذا المعنى الخفي إنما هو دلالتها، على أن لها خالقا يتقدس عن مماثلتها”[2].
ومن ثم يكون معنى الظاهرة بلغة القرآن؛ هو المُلك، أو ” النظر المُلكي”[3]، كما في قوله جل وعلا، {ولله مُلْك السَّماوَاتِ والأرْضِ ومَا بَينهُمَا يَخلُق مَا يَشَاء}[4]، أما “الآية: فهي الظاهرة منظورا إليها من جهة المعنى، الذي يزدوج بأوصافها الخارجية، دالاّ على الحكمة من وجودها، وهذا المعنى: هو عبارة عن قيمة ينبغي لمن يُدركها العمل بمقتضاها …ولمّا كان كتاب الأمة المسلمة يسمي عالم الآيات باسم عالم الملكوت، جاز أن نسمي النظر إلى الأشياء بوصفها آيات، باسم النظر الملكوتي”[5].
بناء على ما سبق؛ يكون” الأصل في نظرة المسلم إلى الأشياء أنها تأمل في آيات[6]، أي نظرة ملكوتية ولا يُصار إلى عدّها ملاحظة لظواهر، أي نظرة ملكية إلا بدليل كما إذا باشر الكشف عن قوانينها السببية”[7]، وبذلك يكون ” للمسلم نظرين اثنين إلى الأشياء لا ينفك يزاوج بينهما: نظر أصلي يتدبر به الأشياء، هو النظر الملكوتي الذي يُوصله إلى الإيمان، ونظر فرعي يدبّر به الأشياء، وهو النظر الملكي الذي يوصله إلى العلم “[8].
تلك الآيات بنوعيها التكليفية والتكوينية، تشترك في الدلالة على الخالق جلّ وعلا بنفس القدر، والذي يتولّى الجمع بينهما هو الإنسان، كونه قادرا على أن ” يجمع بين النوعين من الآيات، فهو من جهة خَلقه آية تكوينية كبرى، ومن جهة خُلقه، آية تكليفية عظمى، ومن ثم فإنه يظلّ بفضل جانبه التكويني متعلق بالعالم، وبفضل جانبه التكليفي متعلقا بالدين، ولا حياة له بغير هذا التعلق المزدوج، حتى ولو أنكر الدين”[9]، وبذلك يكون للإنسان برأيه وجودان، “فكما أنه موجود في العالم وجود آية تكوينية، فكذلك هو موجود في الدين وجود آية تكليفية… فالعروج إلى الدين كالخروج إلى العالم آياتيا؛ وهكذا؛ فالشعور الآياتي بالدين كالشعور الآياتي بالعالم”[10].
ب ـ الوحي والبيئة
إن الناظر في نصوص الوحي بعين التأمل والتفكر، ليبصر النظرة القاصدة والعميقة التي يوليها القرآن الكريم لموضوع البيئة، ذلك أن صفة العدل الثابتة لله جل وعلا، تحققت قبل خلق الإنسان في البيئة التي سيعيش ويُستخلف فيها، لقوله عز وجل: {خَلَقَ السّمَوات والأَرْضَ بالحَقِّ}[11]، لهذا فالقرآن سعى في كثير من الآيات، إلى خلق شعور عميق بالبيئة لدى الإنسان، يليق بمستوى خلافة الأرض، والمستقرئ لموارد البيئة في القرآن يجد عدة مستويات وسمات لتعامل الإنسان مع البيئة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
- المستوى الوظيفي :
وتشمل كل آيات التسخير، والتي تدعو وتحثّ الإنسان على الالتفات إلى البيئة المخلوقة التي تلبّي حاجات الإنسان، ومثاله قوله عز من قائل: {هُوُ الذي جَعَلَ الشّمسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُورًا وقَدّره مَنازِلَ لتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنين والحِسَاب}[12]، وقال تعالى {هُوَ الذي سَخّرَ البَحْر لِتاكُلُوا مِنْه لَحْمًا طَرِيا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْه حِلْيَة تَلْبَسُونَهَا }[13]، وقوله عز وجل { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا رَوَاسِي}[14].
- مستوى الاعتبار والتأمل :
يقتضي الاعتبارُ، العبورَ من أحكام النظر إلى أسرار العِبر، فيكون المعتبِر هو من يرى الظواهر على أنها آيات، حتى تتوافق آيات الوحي التكليفية مع الآيات الظاهرة، والتي تكون عونا له على تذكر خالق هذه الآيات، الخلّاق العليم، كقوله تعالى: {أفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }[15]، وقوله تعالى : {قُل سِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقُ}[16].
- المستوى الجمالي :
تشير بعض الآيات الواردة في القرآن الكريم، إلى الطابع الجمالي الذي تتّسم به البيئة، حيث يسرّ الإنسان بمرآها ويفتتن بمحاسنها، وعجيبٌ أن يهتم القرآن بهذا الجانب، ويدعو إلى التفكر في حسن خلقها بعين الجمال والإجلال، كقوله عز وجل: {إنَّا جَعَلْنا ما علَى الأَرْضِ زِينَةً لهَا لنَبلُوهم أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلا}[17]،{أمّن خلق السَّماواتِ والأرْضَ وَأنْزلَ لَكُمْ من السَّمَاءِ مَاءً فأَنْبَتْنا بِهِ حَدائقَ ذَاتَ بَهْجَة}[18]، و قوله جلّ وعلا :{وَلكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حينَ تُريحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُون}[19]، فإن كان الوحي يدعو، بل؛ يأمر بالتفكر في منظر النبات والحيوان لاستشعار الجمال والجلال، فكيف يكون موقفه ممن يفسد، ويسرف، ويدمّر، ويغيّر خلق الله تعالى؟
- المستوى التوازني :
يشيرالقرآن في بعض آياته إلى سمة التوازن في البيئة، حيث يدعو إلى مراعاة والتناغم البيئي، مصداقا لقوله جلّ وعلا: { إنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ}[20]، وقوله تعالى: {وَأَنْبَتْنا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}[21]، {والسَّماءَ رفَعَها وَوضَعَ المِيزَان ألَّا تَطْغَوْا فِي المِيزان}[22]، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ}[23]، وقوله جل من قائل: { قَدَّرَ فيها أقْواتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}[24]، إشارة في هذه الآيات، إلى أن الموارد الطبيعية محدودة، في حين أن أكثر ما يعانيه العصر اليوم استنزاف الموارد، مما أدى إلى نُدْرة الماء، وحسب ما قرره علماء المائيات، أن آفة شح المياه؛ من أعظم الإنذارات التي تهدد الإنسانية.
- مستوى الأنس:
يقول عز وجل: {وَما مِن دَابَّة فِي الأَرضِ ولَا طائرٍ يطيرُ بجَناحَيْهِ إلَّا أمَمٌ أمثالُكُم مافَرَّطْنا في الكِتَابِ من شَيء ثُمَّ إلَى رَبِّهِم يُحْشَرونَ }[25]، يقصد القرآن في مثل هذه الآيات، تنبيه الإنسان بالصلة بينه وبين المخلوقات، فأثناء سيرورتنا الاستخلافية والاستعمارية للأرض، تشترك معنا أمم أُخرُ تسبح الله، لكننا لا نفقه تسبيحها، وهي في خصائصها المرئية والخفية تعد أمما أمثالنا، والمسلم مطالب أن يتعامل مع هذه الأمم من منطلق الرحمة، كما يؤكد المعنى ذاته طه عبد الرحمن، “لا يصارع الطبيعة ولا يتسلط عليها، وإنما يخاطبها، بل يوادّها ويراحمها ، حتى تبوح له بأخبارها وأسرارها…ولكنه أبدا لا يقدسها، وإنما يقدس من بث فيها هذه الأسرار جل وعلا، فالطبيعة أمّ الإنسان وليست أمة له، فقد خرج من رحمها كما يخرج من رحم أمّه التي ولدته، والوالدة لا تكون أمة لولدها”[26].
هكذا، نجد أن القرآن الكريم قد حدّد عدة مستويات لعلاقة الإنسان بالبيئة، لكن لايكفي لتحليل الموضوع، أن نستحضر تلكم الآيات، فنقدمها كشواهد فقط، بل ينبغي التفكير في السبل التي تخلق الالتزام الأخلاقي تجاه الطبيعة، فما مبرر الحفاظ على الأرض بمختلف عناصرها؟ ثم كيف يمكن أن يُصرف اعتقاد السّموّ والسّيادة عند الإنسان تّجاه تلك العناصر الحيوية؟ هذا ما يمكن أن نلتمسه في الفلسفة الائتمانية عند طه عبد الرحمن.
المحور الثاني : الأخلاق و البيئة
أ ـ الخلل البيئي والأزمة الأخلاقية
نجم عن التطور الصناعي والعلمي الذي بلغ مداه في الأزمنة الأخيرة، اختلال واسع في البيئة بمختلف مجالاتها، جرّاء الاستنزاف الجنوني للموارد الطبيعية والتدخل في بنيتها والتغيير في نظامها، فظهر ما يسمى بظاهرة الانحباس الحراري، واضمحلال طبقة الأوزون، ذلك أن؛ “الدول الغنية والمتقدمة والصناعية تساهم بأكثر من نصف التلوث الذي يصيب العالم، إذ تنتج الدول الغنية من المنتجات الصناعية في شمال الكرة الأرضية نحو 85% من إنتاج العالم”[27]، وهذا ما يؤكده طه عبد الرحمن، حينما يرى” أن المسؤولية عن هذه الآثار تقع في المرتبة الأولى، على الدول الكبرى التي تقود الانتشار التسليعي في العالم، وتمارس كل الضغوط السياسية والاقتصادية لتسريع وتيرته، عن طريق المؤسسات الدولية مثل : البنك الدولي أو الصندوق المالي الدولي، أو المنظمة العالمية للتجارة…”[28] وقد نتج عن هذا الانتشار التسليعي، مجموعة من العلاقات التسليعية :
ـ “العلاقة التسليعية التي تربط الإنسان بالطبيعة.
ـ العلاقة التسليعية التي تربط الإنسان بالآخرين.
ـ العلاقة التسليعية التي تربط الإنسان بنفسه[29]“.
أما عن “الفساد الذي يترتب على العلاقة التسليعية التي تربط الإنسان بالطبيعة : فيتمثل؛ في إيذاء الطبيعة بما يجعل آثار هذا الأذى تقع على غير فاعليه، فضلا عن فاعليه؛ وآثار هذا الإيذاء المتعدي بادية للعيان في البرّ والجو والبحر، بين انثقاب طبقة الأوزون، وتغيّر المناخ وتزايد التلوث، وتآكل التربة وزحف التصحّر وانقراض بعض أنواع الحيوانات ” [30] .
في ظل هذا الوضع القيامي كما يسميه طه عبد الرحمن، برز شعور بالمسؤولية اتجاه الطبيعة، وحاول العالم بشتى أطيافه ومعتقداته إعادة تصور البيئة على أنها موئل لكل الكائنات، وعلى أن الإنسان ما هو إلا عنصر من عناصر الطبيعة المتنوعة من جهة، والمنسجمة والمتناغمة وجوديا من جهة ثانية، فكان من بين إرهاصات النظرة الكونية للبيئة العالمية أن برزت الدعوة إلى القيم والأخلاقيات المرتبطة بالبيئة، التي ” تنظر في السلوكات التي ينبغي اتخاذها إزاء مختلف المناطق الحيوية من الطبيعة، إنسانية كانت أو حيوية أو نباتية، أو مائية أو مناخية أو فضائية “[31] ، ومن ثم ظهرت بوادر التفكير في أخلاق تجمع أمم العالم في إطار النشاط الحواري الذي مارسته مختلف التيارات الدينية، وبمقتضاه تمت، عدة اتفاقيات دولية وعالمية، كيوم الأرض، وقمة الأرض، واتفاقية كيوتو، ومبادرة وثيقة الأرض[32]، وقد أفرزت أبرز هذه المؤتمرات والاتفاقيات عن إصدار بيان متميّز تحت اسم “إعلان من أجل أخلاق عالمية”، والذي ينصّ في مجمله على التزام المجتمعات أفرادا ومؤسسات على احترام الطبيعة، والتخلّق بالأخلاق البيئية.
وقد انتقد طه الإعلان العالمي، وتساءل ما إن كان هذا ” الإعلان من أجل الأخلاق العالمية يجعل الخلقية تتقدم في العالم”[33]، واعترض على مضامينه ووصفها بالفاشلة، كونها لا تنهض بعلاقة الإنسان بالطبيعة، ذلك أن المؤتمر الذي أسفر عنه إعلان الأخلاق العالمية، هو في أصله برلمان أديان العالم، ورغم أن واضعي الإعلان ينتسبون للأديان، إلا أن نصوصه أخلت بشرط ما سماه التمكن الديني، وعَزا هذا الخلل إلى أن هذه الأخلاق المسماة عالمية، لا ترفع مكانة الدين في العالم، بقدر ما تنهض بالقيم التي تم الإتفاق عليها على أنها تحد من أزماته، ذلك أن واجب الديانات الأول، هو أن تعمل على أن يستمر دورها في هداية الأمم إلى ما ينفعها ويصلحها، ….وليس أن تسعى إلى أن تكون الأخلاق المتفق عليها كفاية دونها، بل غَناء عنها”[34]، فالغاية من الإعلان ليس اتفاق الأديان، وإجماعها على مبادئ ونصوص الإعلان العالمي، لكن الغاية هي: هل بمقدور هذه الأخلاق أن تحقق تقدم خلقي في العالم.
لذا قام المفكر بكشف مظاهر الإخلال في تلك الأخلاق، والتى من بينها الإخلال بشرط التمكن الديني، حيث “يكتفي بأن ينسب الأخلاق إلى الأديان على وجه العموم، ولا يتعدى ذلك إلى التأسيس على الدين”، وشتان بين النسبة إلى الدين والتأسيس على الدين”[35].
هذا وقد اعترض طه أيضا على دعوة الإعلان العالمي إلى قيم أساسية مأخوذة من الدين، وإسقاطه لقيمتين أساسيتين، اعتبرهما برلمان الأديان غير عالميتين، وهما :
أولا ـ واجب تمكين الدين في العالم ، ثانيا ـ واجب الارتقاء بالأخلاق في العالم.
وقد ناقش الحجج والأدلة التي تفضي برأيه إلى أن؛ ” الدين الواحد أولى من هذا الإعلان بتحقيق التقدم الأخلاقي المطلوب، ممثَّلا خير تمثيل في الدين الإسلامي، وذلك لكون إمكاناته الأخلاقية تسَع إمكانات غيره من الأديان السماوية وتزيد عليها “[36]، لأنها تمدّ الإنسان بالقيمة، ذلك المعنى الخفي، الذي “يجده الإنسان في قلبه ولا يدركه بحسه، لكنه مع وجود هذا الخفاء، يبقى هذا المعنى هو الذي يهديه في حياته، ويرقى بإنسانيته “[37]، هذا بخلاف القيم التي تنبني عليها الأخلاق العالمية، والتي يصفها د. طه بأنها ” علمانية التوجه، مادية التحقق تؤدي إلى إخلاد الإنسان إلى الأرض؛ فيلزم أن تكون القيم الدافعة للمفاسد التسليعية على العكس من ذلك” [38].
وبناء عليه، يقدم المفكر، بديلا عن هذه القيم وحدد الشروط الواجب توفرها حتى تكون كفيلة في دفع هذا الانتشار التسليعي المضرّ بالبيئة، كاشفا عن الخلل الذي اعترى هذا الإعلان العالمي، والذي يجعله قاصرا عن أي تغيير منشود اتجاه البيئة، وقد تبدّى له؛ أن دور الدين غائب تماما في الارتقاء بهذه الأخلاق، وهو بالنسبة له ـ أي الدين ـ شرط الأخلاق، به فقط تكون قادرة على التزكية، بحيث تحول الشعور وترتقي بالسلوك، والثاني، أن تكون قيما مستقلة بمنطقها، بحيث تقصُر عن استيعابها المقولات التسليعية والثالث، أن تكون قيما مغايرة في عقيدتها، بحيث لا تندرج ف يالجنس الاعتقادي الذي تندرج فيه القيم التي انبنى عليها الانتشار التسليعي.[39]
ويضيف طه عبد الرحمن؛ أن الأسباب التي أدت إلى الإخلال بالتوازن البيئي تكمن في سببين رئيسين هما: ممارسة اللعب، واتباع الهوى، فاللعب في العلم؛ “هو أن يخوض العالم في تجاربه من غير مقاصد محدّدة سلفا، مكتفيا بالتطلع إلى ما يسفر عنه هذه التجارب من نتائج، قد يكون ضررها على الإنسانية أكثر من نفعها؛ أما الهوى في العلم، فهو أن يقوم العالم بأبحاثه، متبعا فيها ما تمليه عليه أغراضه الشخصية وميوله الذاتية لا يبالي إن كانت فيها منفعة منفعة للإنسانية أو لم تكن فيها “[40]، وفي تصوره للتقدم الذي أضحى مرتبطا بتدمير العالم، والذي يطال البيئة على نحو غير مسبوق، ينظّر د. طه إلى مجموعة من “القيم التي ينبغي استحداثها، كقيمة، “الائتمان على المستقبل” ، ذلك أن “تبعات الأفعال الحالية أصبحت غير محدودة الآثار في القادم من أجيال الإنسان وفي المكنون من أشياء الطبيعة “[41].
ب ـ المرتكزات الائتمانية للأخلاق البيئية
سعى الدكتور طه عبد الرحمن، أثناء انتقاده للفلسفة الغربية في تصورها لعلاقة الإنسان بالطبيعة، إلى استشكال ثلاث نقاط أساسية:
أولها: أن الأخلاق هي المحدّدة لماهية الإنسان وحقيقته وليس العقل.
وثانيها: أن ماهية الأخلاق ليست مختصة فقط بالعلاقة الإنسية.
وثالثها: أن الدين هو المؤسس للأخلاق ومنه تُستمدّ.
أما عن الأول، فينتقد د.طه هذه الماهية التي انبنت عليها الفلسفة الغربية منذ مطلع القرن السابع عشر، والتي كان من روادها فرانسيس بيكون الذي رفع شعار”المعرفة قوة للسيطرة على الطبيعة”، حيث غدا العلم عنده وسيلة بهدف السيطرة على الطبيعة، تلك الفكرة التي رسّخت مركزية الإنسان عند الفلاسفة بعد بيكون، فأهملت قيمة الأشياء الأخرى الموجودة في الطبيعة كالحيوان والنبات.
ويرى طه أن هذا التصور يضيّق حقيقة الإنسان أيما تضييق، فليس العقل هو المميز للإنسان بل الخُلق، حيث ” لا إنسان بغير خلق، وقد يكون العقل ولا خلق معه، لا حسنا ولا قبيحا، وهو حال البهيمة، ولو قل نصيبهما من العقل عن نصيب الإنسان منه”[42] ، ومن ثم تجب “العناية بالأسباب الطبيعية للحياة التي يضمّها كوكب الأرض، نظرا لأن الموجودات في هذا الكون متعلق بعضها ببعض، ولأن الصلة المطلوبة بالطبيعة ليست هي الفعل فيها، وإنما التفاعل معها”[43]، ويؤكد طه أن: “أصل التحقق بالماهية الأخلاقية التي هي الكفيلة بدفع التحديات التي يعانيها العالم، سواء كانت اجتماعية أو بيئية، هذه الأخلاق المغيّرة للأنفس والمورثة للقيم من شأنها، أن ترفع هذه التحديات العلمية التي تتسبب فيها التجارب الجينية والنشاطات الإشعاعية والتحولات البيئية”[44].
فالأخلاقية في الفكر الطاهائي؛ هي مبدأ طلب الصلاح، و” وحدها التي تجعل الإنسان مستقلا عن أفق البهيمة، فلا مراء في أن البهيمة لا تسعى إلى الصلاح في سلوكها، كما تسعى إلى رزقها مستعملة في ذلك عقلها؛ فالأخلاقية هي الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية التي تستحق أن تنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي”[45]، لهذا؛ “ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان، مهما كان متغلغلا في التجريد “[46].
أما عن الاستشكال الثاني : فهو قائم في نظر د.طه على تصور ضيق للأخلاق ، كونه يحصر العلاقة الأخلاقية في العلاقة الإنسية، ويرى أن ” في هذا الاختزال إفقار للأخلاق بما لا يزيد عليه؛ لأن تعامل الإنسان يتعدى تعامله مع الآخرين إلى التعامل مع سائر المخلوقات، حية كانت أو ميتة، ناطقة كانت أو جامدة، بحيث يتعين عليه أن يأخذ بالقيم الأخلاقية في تصرفاته معها، كائنة ما كانت، بل إن الإنسان يتعامل مع نفسه باعتبار أن لها حقوقا عليه…وتخلّقه مع الخالق كفيل بأن يجعله يتخلّق مع الكائنات كلها، بدءا من نفسه “[47].
وبهذا المعنى تكون الأخلاق متصفة بالشمولية، وبيان ذلك؛” أن الأخلاق لا تتناول علاقات الفرد بخالقه، أو بما سواه من الأفراد في المجتمع فحسب، بل أيضا تتناول علاقاته بالكائنات الحية، حيوانات أو نباتات، ولا تقف الأخلاق في توسعها عند هذا الحد، بل إنها تتعداه إلى أن تشمل كل شيء، جامدا كان أو حيا، معنويا كان أو ماديا “[48].
نأتي الآن للاستشكال الثالث، والذي مفاده؛ أن الدين هو المؤسِّس للأخلاق ومنه تستمدّ، فإن كانت الهوية الإنسانية تتأسس على الأخلاقية، فإن هذه الأخلاقية خاصة، ليست ككل أخلاقية وإنما هي مؤيدة ومسدّدة بالشرع، باعتباره كمل في أطواره التاريخية إبّان البعثة المحمدية، التي ما أرسل نبيها إلا لتمام مكارم هذه الأخلاق، فأخلاق الإسلام وحدها دون غيرها، هي القادرة والكفيلة بتقويم الأفعال على وجه أفضل، لجريان الأفعال المتعلقة حتى بالبيئة في إطار التكليف والأحكام الشرعية، ذلك ما يفهم من قول الفيلسوف؛ أن “الأخلاق إنما هي أول الأفعال التي تصدر عن ملكات الإنسان، فتكون أكثر من غيرها تغلغلا في الحقيقة الدينية، بحيث لا مجال للانفكاك عنها “[49]؛ ولأن “أسباب الأخلاق موصولة بأسباب الدين، حتى أنه لا حدود بينة مرسومة بينهما”[50]، “ومعلوم لكل متخلق بأخلاق الدين، أنه لا أوفى بهذا الغرض من العمل الذي يكون مستمدا من شرع هذا الدين “[51].
المحور الثالث : مفهوم الائتمانية ومبادئها
أ ـ مفهوم الائتمانية
ينطلق مفهوم الائتمان عند طه عبد الرحمن، من خلال الميثاقين اللذين يؤطران نظريا فلسفته العامة؛ ميثاق الإشهاد الذي أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالقه، والأصل فيه: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}[52]، وميثاق الائتمان الذي حمل الإنسان بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها هذه الأسماء[53]، يوم العرض الغيبي العظيم الذي ابتلى به الحق سبحانه وتعالى مخلوقاته كلها، إذ عرض عليها حمل الأمانة”[54]، والأصل فيه قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[55].
وقد صاغ الفيلسوف طه عبد الرحمن مبدءا، يمكن أن نجعله مبدءا يؤطر تعامل الإنسان مع البيئة: “لتسلم بأن الإنسان مؤتمن على كل مخلوق في العالم، كائنا ما كان”[56]، ذلك أنه لا سبيل إلى التخلق اتجاه البيئة إلا بمبدأ الائتمان الذي تتصدر فيه قيمة الأمانة متوليا دفع المفاسد التي أصابت التعامل مع الطبيعة” [57].
فالأمانة بهذا المنظور الائتماني” تقوّم أخلاق الناس بما يجعلهم يعاملون خيرات العالم، لا على أنها مجرد موارد يستغلونها، وإنما آيات لها اعتبارها، كما أنها تدخل في نسق مستقل من القيم يطبعها صفاء الوجدان، كالثقة والأمن والصدق والعهد والوفاء”[58]. يقابل هذا المبدأ حسب د. طه مبدأ عدم التناقض، أو مبدأ الاتساق المجرّد، الذي تأخد به الفلسفة الغير إئتمانية، فإذا كان مبدأ عدم التناقض يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فإن مبدأ الأمانة يقيّد هذا التجريد، حيث يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان متى كان العقل مسؤولا[59]، “بدءا من المسؤولية عن عدم الجمع بين الشيء ونقيضه، وانتهاء بالمسؤولية عن نتائجه النظرية وآثاره العلمية”[60]، فالمسؤولية على هذا النحو،”تحفظ مما ليس يُحفظ بدونها، كصناعة السلاح الفتاك وتلويث البيئة، والعقل المسؤول يمنعه اتساقه عن أن ينتج ما قد يضرّ بالوجود، كثيرا أو قليلا مبرهنا على كماله، في حين أن العقل غير المسؤول لا يمنعه اتساقه من ذلك، بل قد يجعله يعتبر إنتاج ما لا يضر، وإنتاج ما يضر بمنزلة واحدة، بل قد يزين له إنتاج ما يضر، فيُقدم عليه من غير تردّد ولا تهيّب “[61] .
والعقل الذي يجرّد الإنسان من روح التملك ” متحملا كافة مسؤولياته التي يوجبها كمال عقله، بدءا بالمسؤولية عن الأفعال، وانتهاء بالمسؤولية عن المسؤولية، مرورا بالمسؤولية عن الذات والمسؤولية عن الناس والمسؤولية عن سواهم من الكائنات الحية، والمسؤولية عن الأشياء، بل المسؤولية عن العالم “[62] .
وتأسيسا على مقتضى الائتمان الإلهي، يخلص المفكر المجدّد إلى أن الإنسان حر ومختار منذ وجوده في العالم الغيبي، فحرية الاختيار مقترنة بتحمل الأمانة، اقتران الشرط بمشروطه، ولئن جاز أن يكون الإنسان مختارا في تحمل الأمانة، فيجوز من باب أولى أن يكون مختارا في تدبير حياته على مقتضى هذه الأمانة أولى؛ لأن القادر على الأصل قادر على الفرع[63]، ولما كان الشرط الذي ينبني عليه تحمل الأمانة هو : الاختيار، حيث لا أمانة مع الإكراه والإجبار، فقد نبه المفكر؛ لمعنيين أساسيين يستلزمان مفهوم الاختيار، هما : الخيرية والمسؤولية، فالاختيار يستلزم الخير الذي يُتوصل إليه بالعقل، لأن مقتضاه؛ “أن ترجح من الأطراف المتضادة المقدورة لك، الطرف الذي يظهر لواسع عقلك أنه خير لك، في عالمك المرئي وعالمك الغيبي”[64]، أما المسؤولية، فهي مستصحبة الفعل، فكونه مختارا يجعله يشعر بالمسؤولية، حيال ما وقعت عليه إرادته، وكل ما يمكن أن تقع عليه إرادته، خاصة ما كان داخلا في التشريعات فهو في وسعه، وغير خارج عن طاقته[65].
ب : مبادئ الإئتمانية
أولا ـ مبدأ الشاهدية
يكشف طه عبد الرحمن من خلال هذا المبدأ؛ الصلة الوثيقة بين التخلّق واستحضار شهادة الإله، فالله جل وعلا لا يشهد الشعائر فقط ، بل يشهد سائر الأعمال خفيها وظاهرها، لذلك كانت العبادة من منظور الإسلام برأيه، لها فلسفة خاصة انفرد بها عن سائر أطوار الدين، ليكون الإسلام في طوره الأخير تاما، بحيث تتغلغل أخلاقه في مجالات حياة الإنسان كلها، ذلك أن المسلم،”يأخذ قيمه من الدين الخاتم الموافق لكمال الفطرة، محققا لها في كل أفعاله”[66]، ولما كانت الأخلاق مرتبطة بما هو باطن أكثر مما هو ظاهر، وجب بالمنطق السليم أن تكون هناك رقابة باطنة غير ظاهرة، تحفظ هذه الأخلاق من الآفات التي تصيبها، هذه الرقابة؛ ينبغي أن تكون عليا فوق كل شيء، فوق الإنسان نفسه، وعقله وقلبه[67].
فالشاهدية؛ كما حدّدها طه؛”صفة الشهادة التي يتجلى بها الحق سبحانه وتعالى على عباده شاهدا لأفعالهم وأحوالهم، جِلّها ودقِّها وشاهدا عليها بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته، وهي تقابل في الفلسفة الغربية الغير ائتمانية، مبدأ الهوية المجرد، والذي يقضي بأن الشيء هو هو، بخلاف مبدأ الشهادة الذي يقضي بأن الشيء هو هو، متى شهد عليه غيره، ومن سمات هذه الشهادة التعدد والغيرية، لأن كل الموجودات في العالم الائتماني، تتمتع بحق الشهادة، فهناك شهادة الإله و شهادة الرسول و شهادة الإنسان القريب و شهادة أطراف الإنسان و شهادة الكائنات الأخرى[68].
وهكذا يجزم طه أنه؛ “لولا هذه الشهادة العليا ما كان التخلق درجات لا تقف عند نهايته”[69]، حتى يبلغ الإنسان الائتماني في أعماله مرتبة الإحسان، ولنتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذّبحة، وليحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيرح ذبيحته«، فالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال توجيهه، يزرع أخلاق الرفق والحلم والأناة، في التعامل مع كل شيء على وجه العموم، حتى مع الحيوان حين ذبحه.
ثانيا ـ الإيداعية
مدار هذا المبدأ الائتماني حول مصطلح ” النسبة “، وقد فصّل القول فيها الدكتور في كتابه روح الدين، وهو لا يفتأ يشير إليه في جل أعماله، ناقدا للفلسفة الغربية و مؤسسا من خلاله لمبادئ فلسفته الائتمانية، إذ الائتمانية تنافي النسبة، وكلما زاد الشعور بالنسبة انحدر الشعور بها، وبالتالي تُنسى المسؤولية، فالنسبة كما حددها؛ هي كون الإنسان” ينسب الأشياء إليه، ولا تزال هذه النسبة تتزايد عنده ويتسع نطاقها، مورِّثة إياه الشعور بأنه أضحى يملك ويسود ما تنسبه إليه، حتى تنبعث فيه الرغبة في السيادة على غيره من الخلق”[70]، ثم هذا التصور يجعل الإنسان يشترك مع الله في الملكية، فتربي عنده خلق السيادة على الطبيعة، “لا بمعنى أن يكون أشرف كائن فيها وإنما أن يتصرف فيها على مقتضى إرادته، لكن هذه السيادة تورثه غرورا يجعله ينازع الإله في تربّبه وينازعه في تدبيره ” [71].
ولذلك كان مبدأ الإيداعية قادرا على أن يمحو تجليات النسبة في نفس الإنسان، و أن يورّثه أخلاقا ليست من صنف الأخلاق الدهرية، أوالأخلاق النفسية أو أخلاقيات السطح، والتي قوامها على النسبة أو الملكية، تلك “الأخلاقيات التي وضعها الحداثيون، وما زالوا يضعونها من أجل دفع أسباب الشر، أو الأذى الذي لحقهم، وما زال يلحقهم بما كسبت يدُ الحداثة، ذلك لأن دفع هذه الأسباب المؤذية، لا يكون إلا بقيم تعلو درجات على هذه الأسباب”[72] ، والأخلاق التي تكون بهذا الوصف هي أخلاق بلا روح، و الأخلاق بلا روح كلا أخلاق، لن تنفع الإنسان في خاصيته الإنسانية” [73].
فالإيداع برأي الفيلسوف ” أن تملك ما تملك، لا ابتداء، أي بنفسك، وإنما بواسطة، أي بخالقك الشاهد لك وعليك، بحيث يكون عبارة عن أمانة يودعها لديك، فالوديعة إذن هي الشيء الذي يجعله الخالق الشاهد في حوزتك، موكلا إليك أمر رعايته، وكل ما يوكِل إليك الخالق رعايته يقتضي حقوقا لك، وحقوقا عليك، إلا أن التمتع بحقوقك فيه موقوف على أداء الحقوق التي عليك بشأنه “[74] ، ويضيف إلى أنه ينبغي تقديم حقوق الوديعة قبل تمتع المودع لديه بحقوقه، ومن شأن هذا التقديم أن يكون ” حدّا من نزوعه إلى اختزالها في الملك، ماحيا صفتها كآية تكوينية كما أن فيه توسيعا لنطاق شعوره بالمسؤولية، إبرازا لصفته كآية تكليفية”[75]، فالإيداع بهذا المعنى؛ “عبارة عن إيداع رعاية، بحيث يكون كلّ ما خلق الله جل جلاله من أجل الإنسان، هو عبارة عن ودائع أودعها إيّاه، يمتلكها كيف يشاء، ويتحقق بها كيف يشاء شريطة أن يصون حقوقها”[76]. وهكذا يستتبع مبدأ الإيداعية بالضرورة أن تكون الأرض وسائر المخلوقات، وديعة عند الإنسان ينتفع بخيراتها تحققا بالوسطية والاعتدال، ويتصرّف في ثرواتها ممتثلا لأمر الله تعالى في صيانة حقوقها، مصداقا لقوله تعالى:} يَا بَني آدَم خُذوا زِينتَكم عِند كُلّ مَسْجد وكُلُوا واشرَبُوا ولاَ تُسرِفوا إنّه لا يُحِبّ المُسْرفِين } [77]
ثالثا ـ التزكية
يقابل هذا المبدأ، مبدأ الثالث المرفوع الذي تتبناه الفلسفة الغير ائتمانية، والقاضي بأن الشيء إما هو وإما نقيضه، لكنه في الفلسفة الائتمانية يكون مقيّدا، بحيث “يقضي بأن الشيء إما هو وإما نقيضه متى كان العمل مطلوبا”[78]، وبناء عليه يكون كل إنسان برأي الفيلسوف متحققا بالآية الكريمة:{فألْهمَها فُجُورَها وتَقْواهَا، قَد أفْلحَ مَنْ زَكّاها وقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاهَا}[79]، إذ لا خيار ثالث بين الأمرين، ” إما تزكية أو تدسية “[80]، فروحانيات التزكية أوالروحانيات الائتمانية، هي عبارة عن كفاح الذات، من أجل أن تسترجع فطرتها الأولى التي خُلقت عليها، بحيث تنتقل من فلك النفس الذي تسبح فيه إلى فلك الروح، وعلامة ذلك التجّرد من النسبة إلى الخلق، وإفراد الخالق بها، قياما بمقتضيات الميثاق الأول وواجبات الأمانة الكبرى” [81].
ولكي يصل الإنسان إلى معاملة البيئة من حوله على أنها أمانة، لابد من سلوك طريق التزكية؛ لأنها ” أقدر من غيرها على التصدي للعلل الاجتماعية، بل للآفات العالمية، خُلقية كانت أو روحية “[82]، والتي من بينها أخلاقيات البيئة.
من خلال مبادئ الفلسفة الائتمانية، نخلص إلى أن التزكية والأخلاق لا تختصّ بالأفراد بعضهم ببعض فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى كل المخلوقات، من هنا يتبين ثقل المسؤولية الملقاة التي حملها الإنسان، فكل ما في الكون يسأل عنه الإنسان بمقتضى الايداعية بدءا من نفسه وانتهاء بماء وضوئه، فإن كان المسلم منا يحاسب على إسرافه في ماء وضوئه، ألا يقتضي المنطق السليم أن يحاسب على إذايته وإسرافه في الموارد الطبيعة، هكذا ينبغي أن يُفقه الدين، لأن؛ أوامره سبحانه لابد أن تجلب للإنسانية من أسباب الخير وموارد المصلحة، ما لو استنفر البشر أعقل عقلائهم وأعلم علمائهم لأن يجلبوا لأنفسهم ما يضاهيها، خيرا وصلاحا، فيما يسطرون من قوانين من عندهم، لما وجدوا إلى ذلك سبيلا، حتى ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا”[83] .
المحور الرابع : الفقه الائتماني وآفة الإفساد في البيئة :
يمدّ طه عبد الرحمن بشكل غير مسبوق جسور التواصل، ويوطد أواصر القرابة بين علم الفقه والنظر الفلسفي، ولقد أتاحت فلسفته الائتمانية هذا الاتصال، الذي ما كان معهودا من ذي قبل، لذا يمكن أن نجيز لأنفسنا القول، أن الجانب الأبرز في التمثيل لعلاقة الدين بالفلسفة، والذي هو موضوع هذه الندوة القيمة، هو؛ “الفقه الائتماني” الذي جاء بديلا عن الفقه الائتماري، ذلك أن الفقه هو المجال القانوني من الدين، والأخلاق هو المجال العملي من الفلسفة، والدين ما أتى إلا ليتمم مكارم هذه الأخلاق. فبناء على إمكانية هذا الاتصال، انتبه الفيلسوف لآفات تواجه الشعوب الإسلامية فضلا عن غيرها، وهي في الواقع، بمثابة نوازل ابتليت بها الأمة، وعمّت بها البلوى، وعجز الفقه الإسلامي عن الخوض فيها، بحيث لا تعدو جهوده أن تكون استنباطا لأحكام بناء على أدلة من الكتاب والسنة، فهل يمكن للفقه الائتماني الذي يقترحه الدكتور، أن يتصدى للإشكال البيئي، كما تصدى للآفات الثلاث: التفرّج والتكشّف و التّجسّس؟، سؤال نغامر به كثيرا لكنه يطرح نفسه بشدة، لاسيما، بعد الرؤية الجديدة للفقه البديل، والذي يمكن أن يفتح لنا آفاقا واسعة للبحث والاجتهاد.
أ ـ الفقه الائتماري:
من بين الإشكالات التي يتعرض لها الفقه الإسلامي، سواء من حيث الدرس الفقهي أو الفقه العملي والفتوى، مسألة ضآلة الأخلاق في الاعتبار وتزايد ضمورها، والملاحظ عند استقراء التراث الفقهي عبر تاريخه، انفصاله عن مدلوله الحي الأول، الذي يجعل أحكامه التشريعية وسيلة فقط، ومادة حاملة للقيم التشريعية،، لذا يمكن القول، أن حديث” إنّما بُعثت لِأُتَمّم مَكَارِم الأَخْلاَق“، لم يحظ لدى علماء المسلمين، خاصة الفقهاء منهم بالاهتمام والعناية سواء على مستوى الفهم أوعلى مستوى التنزيل، بقدر ما هو محتفى به في العلوم الأخرى، في حين أن الحديث بمثابة القاعدة الكلية الضابطة للغاية التي من أجلها كانت البعثة المحمدية.
وأيضا مما يمكن أن يُستدل به في هذا الباب، ما تحدث عنه الأصولي أحمد الريسوني، في إحدى دراساته حول علاقة الفقه الإسلامي بمكون الأخلاق، حيث يرى أن: “النظر إلى الأخلاق والتحدث عنها بمنطق الوجوب واللزوم والتحريم والمنع، أي بلغة الفقه والأصول، فهذا ما لا نعثر عليه إلا نادرا وعابرا”[84]، ويرجع سبب هذا الفصل حسب الأصوليين، إلى صعوبة ضبط الأخلاق وبناء الأحكام عليها، بخلاف الفقه الذي يتحرى الضبط بالمناطات والتعليل السببي، وقد التفت العز بن عبد السلام لهذه المسألة داعيا إلى وصل القيم بأحكامها، حتى وإن لم تظهر مناطاتها بصورة محددة، كما يفهم من قوله: “فإن ما لا يحدّ ضابطه لا يجوز تعطيله، ويجب تقريبه”[85].
ولكي يُخرج الفقه الإسلامي من أزمة الركود والجمود، يميز طه عبد الرحمن، بين نوعين من الفقه؛ أحدهما الفقه التقليدي، أو ما اصطلح عليه بالفقه الائتماري، الذي يعنى فقط بالجانب القانوني من الحكم الشرعي المستنبط من أدلته التفصيلية، حيث أضحى عبارة عن رسوم تعبدية فقط، وبدا بالغ تركيزه على الأدلة التفصيلية الجزئية، والحال؛ أن هذه الأدلة الجزئية ما هي إلا قدر ضئيل جدا مقارنة مع عموم الخطاب الشرعي، هذا بخلاف الفقه الائتماري الذي يعيد للقيم الخُلقية الثاوية في الأحكام الشرعية قيمتها، ويُعنى بالتلبّس قبل الترسّم، آخذًا القيم والأخلاق عن الأحكام الشرعية بطرق استدلالية، ومسالك اجتهادية جديدة ينتقل على إثرها الفقيه من فقه الأَمْرية إلى فقه الآمِرية، ذلك أن الأصل في صلة المأمور بالآمر سبحانه وتعالى؛ هي صلة المشهود بالشاهد الأعلى، بمعنى؛ أن الشاهدية الاتصالية تتقدم على الآمرية التشريعية، فقبل أن يكون الفقيه مذكرا بأوامر الله تعالى، ينبغي أن يقيم علاقة مباشرة ومتواصلة بالمفسدين سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات أوحكومات، ويعالج الآفات الباطنية التي تتسبب في انحراف سلوكهم، حتى ينقلهم بالتدريج من حال الاختيان إلى حالة الائتمان، فما الخطوات التي يخطوها الفقيه الإئتماني، والتي يمكن من خلالها التصدى للتحديات الأخلاقية الكبرى، التي نتجت عن التقدم الهائل الذي حققه الإنسان المعاصر، والتي من بينها التحديات البيئية؟
ب ـ العمل الاجتهادي للفقيه الائتماني
ينبغي على الفقيه الائتماني أن يهدي المضرّ بالبيئة إلى العمل الشرعي في أبعاده الخلقية، لا في رسومه الخارجية، وهاهنا يؤسس طه عبد الرحمن للعمل الاجتهادي، الذي يتميّز عن الاجتهاد التقليدي، حيث ينهض الفقه بدور لا يقدر عليه غيره، آخذا القيم الأخلاقية الثاوية في الأحكام الشرعية بطريق الاستدلال، و من الأسماء الحسنى بطريق الاستبصار، إذ هو إدراك وجداني أكثر منه استدلالي؛ ولأن الأحكام الشرعية عبارة عن تجليات للأسماء الحسنى، فهي منشأ القيم السامية، لذا؛ لابد من وصلها بهذه الأسماء فيستدل بها على القيم الأخلاقية التي تثوي فيها، وعليه لابد للفقيه من الانخراط العملي في معالجة آفة انعدام أو ضعف الوازع الأخلاقي، فيميّز بين مستويات ثلاث في تعامله مع الخطاب الشرعي، بين مستوى النظر ومستوى العمل ومستوى الاستعمال، ثم يفرّق بين المسلك الاجتهادي، و المسلك الأصولي، والمسلك التفكري،”[86] آنئذ فقط سيُتمكن من الجمع بين الوجهة القانونية للأحكام الشرعية والوجهة الأخلاقية، ذلك أن المسلم برأي فيلسوفنا لا يحتاج إلى صناعة الفقه، بقدر ما يحتاج إلى تزكية النفس، بحيث تكون أخلاق الجوانح هي الأصل في أعمال الجوارح.
ب ـ الفطرة و الحياة النفسية
من بين مظاهر السمو والكمال في الشريعة الإسلامية؛ أنها تعنى بظاهر الإنسان كما تعنى بباطنه، بل قد ترتب الظاهر على الباطن، بحيث إذا انخرم وفسد، اختل معه السلوك الظاهري، لذا ينبّه طه عبد الرحمن الفقيه الائتماني، على إحياء فطرة عند المسلم، لأنها عبارة عن مستودع القيم والمعاني الملكوتية التي تحملها بموجب النفخة الإلهية، وهي قيم ومعاني مأخوذة من الأسماء الحسنى، يتجلى بها الحق على عباده تخليقا لهم وتكريما، فكل فساد لهذه القيم والمعاني هو فساد لهذه الفطرة، وعلى قدر هذا الفساد يكون البعد عن الشاهد الأعلى، وإذا زاد الفساد زاد البعد، بينما النفس والتي هي قوة مُلكية تتعلق بالقيم الأشيائية، وتتأسس على الحياة النفسية ذات الصبغة المادية، وقد انتقد د.طه عبد الرحمن مناهج التحليل النفسي التي نسيت أو تناست بنظره، مكون الروح والفطرة، فوقعت في أخطاء جسيمة، جراء المعرفة النفسية التحليلية التي حصّلها الإنسان المعاصر، في شتى مناحي الحياة، هذا بخلاف؛ “النظر الائتماني يوصل إلى باطن روحي يرتقي بالظاهر، بينما النظر التحليلي يوصل إلى باطن نفسه ينحط بالظاهر، فيحصل له إذ ذاك اليقين بأنه؛ إن عجزـ أي الإنسان المعاصرـ عن معرفة نفسه باستعمال عقله، فهو عن معرفة روحه باستعمال عقله أعجز”[87].
ولهذا كان الفقه الائتماني؛ يولي العناية الكبرى بالروح التي غفل عنها علماء المسلمين، وخاصة فقهاؤهم، “فكل ما تكون فيه الروح من شأن هو أمانة في عنقها، ناهضة بواجباته، حتى تردّه إلى مالكه بحق سبحانه وتعالى”[88]، ومن هذه الواجبات بطبيعة الحال، حقوق الكائنات التي تشترك مع الإنسان في الوجود.
ج ـ تقدم الشاهدية على الآمرية
يتحدد السلوك الاجتهادي للفقيه الائتماري بصفتين أساسيتين هما : القولية والأمرية، بحيث تتسم العلاقة التي يقيمها الفقيه الائتماري مع المفسد أيا كان شكل هذا الفساد، علاقة قولية، لا علاقة عملية، إذ يزوّده بأحكام شرعية تخصّ مظاهر هذه الآفة، وآثارها، ولا يجاوز تبليغ هذه الأحكام الشرعية رتبة الموعظة، أي “لا يُتوسّل فيها بطريق الجدل، ولا تؤخذ بطريق العمل، بل تكون متفرعة على أدلة شرعية محددة، ويبقى الناظر مخيرا في العمل بهذه الأحكام، فإن شاء أخذ بها، وإن شاء تركها، ولا يحمله الفقيه على العمل بها”[89].
كما يقيم الفقيه الائتماري أيضا مع المفسد علاقة أمرية، “لا علاقة شهودية، إذ الأحكام القولية التي يستنبطها ترد في صورة أوامر إلهية، حتى ولو كانت أحكام تجويز أو إباحة، لا في صورة مشاهد إلهية، والأمر بما هو أمر يُشعر بوجود الإسماع وتقدّمه على غيره من الأفعال،…” [90].
ولنا في رسول الله أفضل شاهد على هذا السبق المنطقي، وهو أسبقية الشرط على المشروط، والتي يعبر عنها طه عبد الرحمن بأشكال بيانية كالقول : ” لا أمر بغير آمر، الآمر قبل أمره، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، مكث في مكة فترة ليست باليسيرة يدعو الناس إلى التحلي بمكارم الأخلاق، والتي من بينها الإطار الأخلاقي الذي أسسه لنمط تعامل المسلم مع البيئة، كقوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التمثيل : “لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا، وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ، وَلَا تَغْلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ “[91]، فالفقيه الائتماري كما يرى الفيلسوف، لا ينازع في أسبقية الآمر على الأمر لكنه: ” لا يخصص لها أية وظيفة في استنباطاته وفتاويه، اللهم إلا ما كان من الإحالة إلى الشارع باعتباره فرع من أحكامه، ووكل إلى العالِم التفريع عليها”[92]، وعليه يمكن أن نخلص من خلال هذا المعنى، أن المسلم المخاطب بالخطاب الشرعي، لاينتفع بالأوامر والأحكام إلا بالقدر الذي يبقى على وصلها إشهاديا، وهذا بالضبط ما يتغياه الفقه الائتماني.
د ـ فاعلية الحياء وآثاره على البيئة:
لقد انتزعت الحضارة الغربية من الإنسان المعاصر خلق الحياء، وطالت هذه الآفة المجتمعات الإسلامية على السواء، تلك المجتمعات التي كان الأجدر بها أن تمثل الحياء في أبعد صوره، ذلك أن خلق الحياء حسب المفكر هو أساس الأخلاق، فإن غاب، ذهب الخير كله، مصداقا للحديث الشريف: “لا يأتي الحياء إلا بالخير”[93]، فمازال صلاح الإنسان يزيد بزيادة الحياء فيه، إلى أن يعامل كل المخلوقات بدءا من نفسه، على أنها أمانات، ومازال هذا الخلق في النقصان إلى أن يتسفّل الإنسان في درجات الفساد والتسلط على الكائنات، منازعا الخالق عز وجل في تدبيرها وتغيير خلقها.
ولقد لفتت الأحاديث الواردة في خلق الحياء انتباه طه عبد الرحمن، فعمل على التأسيس لذروة سنام الأخلاق، انطلاقا من تلك الأحاديث الستة[94]، واعتبرها المبادئ الأساسية التي يتحدد بها هذا الخلق في الإسلام، فيكون دور الفقيه الائتماني؛ الاجتهاد في استنباط الأحكام انطلاقا من مسلمة مفادها كالآتي :
المقدمة الأولى: تنبني الأحكام الشرعية على الأخلاق / المقدمة الثانية: تنبني الأخلاق على خلق الحياء، النتيجة: تنبني الأحكام بلا استثناء على الحياء، مهما بلغت هذه الأحكام درجة التجريد، ذلك أن الحياء؛ هو الأقدر على حفظ الشاهدية الإلهية، مهما انقضى زمن التكليف.
ولنأخذ مثالا على ذلك بالدليل التفصيلي الذي ينهى عن الإسراف في الماء: في قوله صلى الله عليه وسلم: “ولو كنت على نهر جار”، فالفقيه الائتماري ينشغل برسم الطاعة وهي عدم الإسراف في الوضوء، بينما الفقيه الائتماني يخلق لدى المبذّر أو المسرف شعورا بالشاهد الأعلى فيستحيي منه، وبالتالي سيحرص على الاقتصاد في المياة في الوضوء، وبالضرورة وبالأولى مجالات استعماله كلها، وهكذا يكون خلق الحياء هو الضابط والمعيار كلا زاد اصطبغ الحكم بقية أكبر، وكلما نقص ضمرت القيمة التي يحملها الحكم الشرعي، وما تزال القيمة في النقصان، إلى أن يصير الحكم مجرد ترسم خال من أي ثمرة أو غاية وهو ما لا يقبله الشرع.
خاتمة :
إن الشريعة التي اختارها الله تعالى لتحقيق الاستعمار والخلافة، ما فرّطت في شيء ممّا يمكن أن يصلح الناس، وروح العبادة الحقّيّة التي يؤسس لها الدكتور طه عبد الرحمن على ضوء فلسفة الائتمان، لا تستثني من مجالاتها قضايا البيئة، فالتدبير الأخلاقي للعالم هو الأصل في الدين، كذلك؛ يعرض الفيلسوف طه عبد الرحمن الإسلام من خلال عطاءاته وإسهاماته الكبرى، التي تهم البشرية جمعاء، ومن خلال خصوصيته التي تتمثل أساسا في عالميته، بحيث لا دين أشمل منه، ولادين أكمل منه، هذا الدين الذي قصد أن يخلق لدى الإنسان إحساسا وجدانيا بالبيئة، وأن يعكس صور معاني أسماء الله الحسنى، ظهورا وتجليا، فبالبيئة يُطلب الله في أسمائه وصفاته، وبها يُهتدى للعالم الغيبي، الذي هو سرّ الوجود المرئي. لذا ينبغي على الإنسان المعاصر الذي نكث مواثيق ربه، ووقع في الخيانة، أن يتذكّر التزامه بالأخلاق تجاه العالم من حوله، حتى يدركه إدراكا ملكوتيا، يكون أصلا لإدراكه المُلكي.
أهم المصادر والمراجع :
ـ سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربي، الطبعة السادسة، 2016، الناشر : المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ـ الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري، الطبعة الثالثة، 2014، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ـ روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، الطبعة الرابعة، 2016، نفس الناشر.
ـ سؤال العمل، بحث في الأصول العلمية في الفكر والعلم، الطبعة الثانية، 2012، نفس الناشر.
ـ بؤس الدهرانية، النقد الإئتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الطبعة الأولى، 2014، الناشر : الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.
ـ روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الإئتمانية، الطبعة الثانية، 2012، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ـ العمل الديني وتجديد العقل، الطبعة الرابعة، 2009، الناشر المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ـ شرود ما بعد الدهرانية، النقد الإئتماني للخروج من الأخلاق، الطبعة الأولى بيروت ، 2016، المؤسسة العربية للفكر والإبداع.
ـ سؤال المنهج في أفق التأسيس لأُنموذج فكري جديد، الطبعة الأولى، 2015، المؤسسة العربية للفكر والإبداع.
ـ تجديد المنهج في تقويم التراث، الطبعة الرابعة، 2012، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ـ دين الحياء، من الفقه الإئتماري إلى الفقه الإئتماني، الجزء الأول أصول النظر الإئتماني، الطبعة الأولى، بيروت 2017.
ـ اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، المغرب الطبعة الأولى 1998.
ـ أيوب أبو دية، علم البيئة وفلسفتها، دار وورد الأردنية للنشر والتوزيع، 200
[1] ـ طه، عبد الرحمن. الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2014، ص: 18.
[2] ـ طه، عبد الرحمن. روح الحداثة وحق الإبداع، مجلة الإيسيسكو، العدد 21، ص : 97.
[3] ـ نفسه.
[4] ـ سورة المائدة، الآية : 17.
[5] ـ يشهد لهذا الاصطلاح عند طه قوله جل وعلا : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، وليكون من الموقنين}، سورة الأنعام، الآية 75. الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري، ص : 19.
[6] ـ نتأمل قوله جل وعلا : { إن فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون }، سورة آل عمران، الآية : 191.
[7] ـ طه، عبد الرحمن. الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، ص : 19 .
[8] ـ نفسه.
[9] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط 1، 2014، ص : 96.
[10] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، ص: 96.
[11] ـ سورة التغابن، الآية : 3.
[12] ـ سورة يونس، الآية : 5.
[13] ـ سورة النحل، الآية : 14.
[14] ـ سورة الحجر، الآية : 19.
[15] ـ سورة الغاشية، الآية : 17.
[16] ـ سورة العنكبوت، الآية : 20.
[17] ـ سورة الكهف، الآية : 7.
[18] ـ سورة النمل، الآية : 60.
[19] ـ سورة النحل، الآية : 6.
[20] ـ سورة القمر، الآية : 49.
[21] ـ سورة الحجر، الآية : 19.
[22] ـ سورة الرحمن، الآية : 7.
[23] ـ سورة المؤمنون، الآية : 18.
[24] ـ سورة فصلت، الآية : 10.
[25] ـ سورة الأنعام، الآية : 38.
[26] ـ طه عبد الرحمن، مجلة الإيسيسكو، روح الحداثة وحق الإبداع، عدد 21، ص : 92.
[27] ـ أبو دية، أيوب. علم البيئة وفلسفتها، دار وورد الأردنية للنشر والتوزيع، ط 2008، ص : 160. يستعرض المؤلف في الكتاب، تاريخ المشكلة البيئية في العالم منذ القدم إلى عصرنا الحاضر، مفصلا أشكالها وأنواعها، وهو كتاب قيم جمع بين المنظور العلمي والفلسفي للبيئة.
[28] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، بحث عن الأصول العلمية في الفكر والعلم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،
ط : 2012. ص : 214.
[29] ـ نفسه، ص : 213
[30] ـ نفسه، ص : 214، 214.
[31] ـ طه، عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،
ط: 2016، ص : 22، 23.
[32] ـ يُنظر تفاصيل هذه الاتفاقيات، في كتاب علم البيئة وفلسفتها، بدءا من ص : 135.
[33] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، ص: 120.
[34] ـ نفسه.
[35] ـ نفسه، ص : 121.
[36] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، ص : 140.
[37] ـ نفسه، ص : 209.
[38] ـ نفسه، ص : 220.
[39] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، ص : 219، 220.
[40] ـ طه، عبد الرحمن. روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 4، 2016 ، ص : 233.
[41] ـ نفسه، ص : 237.
[42] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال المنهج في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط 1، 2015، ص : 72.
[43] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، ص : 117.
[44] ـ طه، عبد الرحمن. روح الحداثة، ص : 233.
[45] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، ص : 14.
[46] ـ نفسه، ص : 14ـ 15.
[47] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص : 139.
[48] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، ص: 82، 83.
[49] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، ص : 25.
[50] ـ نفسه، ص : 25.
[51] ـ نفسه، ص : 69.
[52] ـ سورة الأعراف، الآية: 172.
[53] ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، أصول النظر الائتماني، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط 1، 2017، ص: 1/17.
[54] ـ طه، عبد الرحمن، روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الإئتمانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 2، 2012، ص : 450.
[55] ـ سورة الأحزاب، الآية : 72.
[56] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال العمل، ص : 220.
[57] ـ نفسه، ص : 225.
[58] ـ سؤال ، 221.
[59] ـ نفسه.
[60] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص : 16.
[61] ـ نفسه.
[62] ـ نفسه، ص : 15.
[63] ـ نفسه، ص : 450.
[64] ـ نفسه، ص : 451.
[65] ـ يؤصل لهذا المعنى قوله جلّ وعلا : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }، سورة البقرة، الآية : 286.
[66] ـ طه، عبد الرحمن. الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري، ص : 228.
[67] ـ لنتأمل قوله جل وعلا : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}، سورة الأنفال، الآية : 24، وأيضا قوله تعالى : {أقرب إليه من حبل الوريد}، سورة ق، الآية : 16.
[68] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص : 15.
[69] ـ نفسه.
[70] ـ طه، عبد الرحمن. روح الدين، ص: 91.
[71] ـ نفسه، 78.
[72] ـ طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، ص : 26.
[73] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص: 128.
[74] ـ نفسه، ص : 99.
[75] ـ نفسه.
[76] ـ طه، عبد الرحمن. روح الدين، ص: 474.
[77] ـ سورة الأعراف، الآية: 31.
[78] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص : 19.
[79] ـ سورة الشمس، الآيات : 7، 8، 9، 10.
[80] ـ طه، عبد الرحمن. بؤس الدهرانية، ص: 19 .
[81] ـ نفسه، 149.
[82] ـ نفسه، ص : 17، 18.
[83] ـ طه، عبد الرحمن. روح الدين، ص : 453.
[84] ـ الريسوني، أحمد. دراسات في الأخلاق، ص: 27.
[85] ـ ابن عبد السلام، العز. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المحقق: طه عبد الرؤوف، كتبة الكليات الأزهرية، القاهرة،
ط 1991، 12/2.
[86] ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، ص 1/21.22، لا يسع المقام هنا للتفصيل في هذه المسالك الاجتهادية، لكثرة تفريعاتها.
[87] ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، 2/90.
[88] ـ نفسه، ص: 242.
[89] ـ نفسه، ص: 82.
[90]ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، 1/82.83
[91] ـ ابن مالك، أنس. الموطأ. رواية يحيى الليثي، تحت رقم: 949.
[92] ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، 113 1/.
[93] ـ العسقلاني، بن حجر. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، ط 1986 ، 4/538.
[94] ـ طه، عبد الرحمن. دين الحياء، 2/192.