منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ … إشارات إلى مهن الكتاب

ميلود عبد الرحمن بنعتيك

0

من ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ … إشارات إلى مهن الكتاب

ميلود عبد الرحمن بنعتيك

ممارس مِهَنِي في مجال الكتاب والمكتبات

عضو مؤسس للجمعية المغربية لمهن الكتاب

 

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾… بهذا الاستهلال الرباني الجليل تبدأ أطول سور[1] القرآن الكريم، في إشارة إلى أن «الكتاب» ليس لفظًا عابرًا، بل مرجعا وجوديا ومعرفيا. إنه نصٌّ مكتوب محفوظ في الصدور والسطور، جعله الله هدىً للمتقين، ودليلًا على أن الكتابة ليست فعلًا بشريًا مجردًا، بل قيمة مركزية في الوجود الإنساني. ومن هذا المعنى تنطلق قراءةٌ تتلمّس إشارات يمكن أن تُستلهَم منها صلاتٌ وروابط بين القرآن الكريم والمهن المرتبطة بالكتاب والكتابة، من دلالةٍ لفظية إلى أخرى عملية ومعرفية.

في سورة العلق، أول ما نزل من الوحي، يأتي الأمر الإلهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ بِالْقَلَمِ﴾. لا تقف الدلالة عند مجرد القراءة، بل تتجاوزها إلى ربطٍ عميق بين الإنسان والقلم، أي بين المعرفة والتدوين. فالتعليم يكتمل حين يُدوَّن، وحين تنتقل الفكرة من الذهن إلى أثرٍ مكتوب يثبت ويُتداول. وهكذا يصبح القلم أداةً لتأسيس العلم ووسيلةً لاستمراره.

وفي سورة البقرة نجد توجيهًا مباشرًا إلى الكتابة في سياق الحياة اليومية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. هنا تنزل الكتابة من مقامها المعرفي إلى ميدان التطبيق؛ فهي ليست رمزًا ثقافيًا فحسب، بل ضرورة اجتماعية تحفظ الحقوق وتنظم المعاملات. والأمر بالكتابة في هذا السياق تشريعيٌّ وعمليٌّ، يؤكد أن توثيق الديون والعقود جزءٌ من بناء مجتمع عادل منظم.

وفي سورة القلم يرد القسم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، وهو قسمٌ يرفع من شأن القلم وما يُكتب به. فالقسم بالكتابة إعلاءٌ لقيمتها الحضارية، إذ تُحمل عبرها المعاني والتشريعات والثقافة. كما يرد في القرآن ذكر الكتب التي تُحصى فيها أعمال البشر يوم القيامة، في تصويرٍ لكتابةٍ محكمة تُسجَّل فيها الأفعال والنيات. وهذا الامتداد من الكتابة الدنيوية إلى الأخروية يمنح الفعلَ الكتابيَّ بُعدًا وجوديًّا يتجاوز حدود المادة.

وعند الانتقال من الدلالة النصية إلى الواقع، يتبين أن القرآن لم يذكر المهن الحديثة المرتبطة بالكتابة بأسمائها، لكنه أسّس أرضيةً معرفية وروحية جعلت الكتابة فعلًا محوريًا في الحياة. فقد نشأت في الحضارة الإسلامية مهنٌ متعددة متصلة بالكتاب: كتابة المصاحف، ونسخ المخطوطات، وتدوين العقود في الدواوين، وتصنيف العلوم وغيرها. ولم تكن هذه المهن وليدة فراغ، بل ثمرة ثقافة قرآنية جعلت التدوين وسيلةً لحفظ العلم، وتنظيم المجتمع، ونقل المعرفة عبر الأجيال.

من هنا يمكن القول إن القرآن أشار إلى المهن المرتبطة بالكتاب والكتابة بصورة غير مباشرة، من خلال تأكيده على أهميتها المعرفية والتطبيقية والروحية. فقد وضع الكتابة في قلب الثقافة الإنسانية، وجعلها وسيلةً للتوثيق والتعليم والنظام. وكل مهنة تقوم على الكتاب والكتابة، في الماضي أو الحاضر، يمكن النظر إليها بوصفها امتدادًا لتلك الدعوة الأولى: اقرأ، واكتب، واحفظ بالقلم.

أخيرا، إذا كان القرآن الكريم، ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾، باعتباره وحيا ربانيا قد افتتح رسالته بالأمر بالقراءة، ونوَّه بالكتاب، وأقسم بالقلم، وأمر بالكتابة توثيقًا للحقوق، فكيف يمكن أن نستكشف في ضوء هذه الإشارات القرآنية رسائلَ ومعانيَ جديدة لمهن أخرى، من ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ ، ذات ارتباط وثيق بالكتاب، تجعلها شراكةً في حفظ العلم، وصيانة القيم، وبناء الوعي الإنساني وتشييد العمران؟


[1] سورة البقرة والتي من بين أسمائها  الزهراء، سنام القرآن، فسطاط القرآن، البكر، العوان وهي أقرب إلى أوصاف تشريف منها إلى أعلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.