الموافقة بين الثورين درس للأمة الإسلامية، لتقوية الصف، والتصدي للأعداء | سلسلة خطبة الجمعة
الأستاذ بن سالم باهشام
الموافقة بين الثورين درس للأمة الإسلامية، لتقوية الصف، والتصدي للأعداء | سلسلة خطبة الجمعة
الأستاذ بن سالم باهشام
خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا.
عباد الله، يقول تعالى في سورة الحشر: ﴿ فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾ [الحشر 2]، فكل شيء في هذا الكون، إلا ولأولي الأبصار فيهم عبر، من ذلك؛ أن الصحابي الحكيم، أبا الدرداء رضي الله عنه، نظر إلى ثورين يحرثان في فدان، فوقف ثور يحك جسمه، فوقف الآخر. فبكى أبو الدرداء رضي الله عنه من هذا المشهد.
عباد الله، أفي هذا المشهد ما يبكي هذا الصحابي الجليل، أم أنه فكره في موقف من المواقف الحساسة؟
عباد الله، انظروا كيف يعتبر أصحاب البصائر النيرة، والقلوب المستنيرة من كل ما حولهم من مخلوقات، فيقولون: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران 191].
عباد الله، أتدرون سبب بكاء أبي الدرداء رضي الله عنه، وفيما ذكّره هذا المشهد الذي لا يستوقف الكثير منا؟ لقد ذكّره في التضامن والوحدة والانسجام، فماذا قال رضي الله عنه لما رأى ذلك، لقد قال: (هكذا الإخوان في الله، يعملان لله، فإن وقف أحدهما وافقه الآخر، وبالموافقة يتم الإخلاص، ومن لم يكن مخلصا في إخائه، فهو منافق) .
عباد الله، إذا كان هذا المشهد قد أبكى أبا الدرداء، وهو في زمن كان فيه التآلف والمحبة والانسجام سائدا بين المؤمنين، حيث تجد الأخ يشد عضد أخيه ويعينه، ولا يُسلمه ولا يخذله ولا يظلمه، فما أحوجنا للبكاء من هذا المشهد، ونحن في زمن تقطعت فيه الأواصر، وتنافرت فيه القلوب، واحتدم الصراع بين الأقارب والأصدقاء والجيران، وملئت المحاكم بالشكايات، واكتظت السجون بسبب الصراعات، ما أحوجنا إلى البكاء على حالنا ونحن ننتمي إلى بني آدم الذين كرمهم الحق عز وجل على سائر المخلوقات، فأصبحنا أحط من الثورين، فيا ويلتنا، أعجزنا أن نكون مثل هاذين الثورین؟ حیوانات بكم لا يعقلون، ورغم ذلك بينهم انسجام، في حين أن المؤمنين بينهم نزاع محتدم، فأين الإيمان، وأین أثره؟ والقلوب مشتتة ومتنافرة، والعداوة محتدة، والألسن متسلطة بعضها على بعض.
عباد الله، أين الألفة التي هي من ثمرة حسن الخلق، وحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق. وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر.
عباد الله، إن لم يسد الوئام الكامل؛ والتحاب في الله عز وجل بين المؤمنين، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا في غيرهم، كما لا يستطيعون أن يكونوا يدا واحدة على أعدائهم، والوئام يأتي من لين المؤمنين بعضهم لبعض، وتراحمهم، قال تعالى في سورة الفتح: ﴿مُّحَمَّدࣱ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَیۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح 29].
ومن التحاب في الله، واللين للمؤمنين، يبدأ التأليف، وتتكون عناصر القوة، وعناصر الدفع في وجه العدو، قال تعالى في سورة الفتح: ﴿أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَیۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح 29].
عباد الله، إن تربية القلوب على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أول خيط في حبل الله المتين، وإن شر ما يفرق جماعات المسلمين، غفلتهم عن الله، حتى نسوه فأنساهم أنفسهم، فقست القلوب من ترك ذكر الله.
عباد الله، روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَة: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلاَلِي؟ اَلْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي)، [صحيح مسلم (8/ 12)ح 6713]، الجزاء من جنس العمل، فكما كان المتحابون بجلال الله، يلتمس بعضهم بعضا للاجتماع عليه تعالى، التماسَ العطشان الظامئ منابع الماء العذب الزلال، ويتفقد بعضهم بعضا، ليتخذه للآخرة، ويطلب السالك منهم وجهه سبحانه بصحبة من يربط الله بقلوبهم وسلوكهم في السير قلبه، احتماءً واستظلالا تحت أجنحة الملائكة في مجالس العلم، والذكر والنصيحة… يطلب اللهُ تعالى في هذا اليوم المشهود، الذي لا ظل فيه إلا لمن أظله سبحانه، أحبابَه المتحابين فيه، يذْكرهم فيجعلهم تحت ظله في اليوم الحار العصيب، جزاء ما كانوا يذكرونه تحت عينه في الدنيا، ويتفقدهم، وهو أعلم بحالهم ومكانهم من بين الخلائق ليكرم وفادتهم، وهو أكرم الأكرمين، مثلما عظموا شعائره بين الغافلين، إنه مشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة، حين يُقَرِّبُ الله تعالى إليه صنفا من الناس، فيجلسهم على منابر من نور، وهم لا يحملون على أكتافهم مراتب النبوة، ولا درجات الصديقين، ولا نياشين الشهادة، لكنهم يحملون في صدورهم قلوبا مُنَوَّرَةً بذكره، متوحدة على محبته، وفي وجوههم سيما الراكعين الساجدين لجنابه، فاستحقوا بذلك غبطة الأنبياء عليهم السلام والصديقين والشهداء بأقصر السبل الموصلة إلى حضرته، والتي هي التحاب فيه سبحانه. روى الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم، والضياء من طريق الطبراني، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يبلغه عن ربه عز وجل: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ. اَلْمُتَحَابُّونَ فِيَّ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاُء) [أخرجه أحمد (5/328 ، رقم 22834) ، وابن حبان (2/338 ، رقم 577) ، والحاكم (4/186 ، رقم 7314) ، والضياء من طريق الطبراني (8/312 ، رقم 376)].
عباد الله، نقرأ كثيرا قوله تعالى من سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات 10]، ونعلم جميعا أن الأخوة والتحاب في الله هو القوة التي لا تغلب، لكنه في غیاب دستور المحبة في الله، وفي غياب برنامجه العملي الذي ينقلنا من حیز الكلام إلى حيز التطبيق، يبقى صف المؤمنين مفرقا، وتبقى العداوة متفشية، وتبقى الأنانية مستعلية، ويبقى كل واحد معجب برأيه، فهلا حاسبنا أنفسنا من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليتبين لنا الخلل، کیف يحبنا الله؟ وكيف ينصرنا؟ وجل علاقاتنا مبنية على المصالح الدنيوية. کیف يحبنا الله عز وجل ويؤلف بين قلوبنا، ونحن لا نتزاور في الله؟ لقد أصبح الشخص لا یزور أخاه في الله، وحتى في الرحم إلا لمصلحة دنيوية. بينما الصالحون من عباد الله، فيقطعون الفيافي والقفار، لزيارة مؤمن في الله، دون أن تربطهم بهم مصلحة دنيوية، وكانوا يبتغون بذلك رضا الله تعالى، وما أعده للمتحابين فيه، روی البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في صحيحه باختلاف يسير، عن أبي ھریرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زارَ رجُلٌ أخًا لَهُ في قريَةٍ، فأرْصَدَ اللهُ لَهُ ملَكًا علَى مَدْرَجَتِه، فقال: أينَ تُرِيدُ؟ قال: أخًا لِي في هذِهِ القرْيَةِ، فقال: هل لَّهُ عليكَ مِنْ نعمةٍ ترُبُّها؟ قال: لَا؛ إلَّا أنِّي أُحِبُّه فِي اللهِ، قال: فإِنَّي رسولُ اللهِ إليكَ أنَّ اللهَ أحبَّكَ كمَا أَحْبَبْتَهُ)، ومعنى تربه، أي تقوم بإصلاحها وإتمامها لمن لك عليه ولاية، كتابع وقريب لك، [أخرجه البخاري في الأدب المفرد (350)، ومسلم (2567) باختلاف يسير].
عباد الله، كيف يحبنا الله عز وجل، ويجمع شملنا، وأحدنا لا يسترخص ما عنده لإعانة أخيه في الله؟! أهكذا تكون الأخوة في الله؟!
إن أخاك الحق من كان معك***** ومن يضر نفسه لينفعك.
ومن إذا ريب الزمان صدعك *****شتت شمل نفسه ليجمعك.
عباد الله، إن طبيب هذه الأمة؛ سيدنا محمد صلى الله؛ خبير بخطورة داء المعاداة والمقاطعة، لهذا حذرنا من ذلك، وقال فیما رواه مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : ( لاَ تَقَاطَعُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)، [صحيح مسلم: 2563]، وروى مالك، في الموطأ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه،
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ). [موطأ مالك (5/ 1332) ح 3365]. ولقد عفا صلى الله عليه وسلم، وهو الطبيب الخبير بحال أمته، والمربي الرحيم، في الثلاثة أيام، لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفا عن الهجران في الثلاثة، ليذهب ذلك العارض.
عباد الله، ما سبب تداعي الأمم علينا كما تتداعى الأكلة على قطعتها سوى فرقتنا؟ وما سبب ذهاب قوتنا سوى تنافرنا؟ وما سبب عجزنا وضعفنا سوى تنازعنا؟ نتنازع على المال الزائل، ونتنازع علی جمال النساء المزيف، ونتنازع على الأبناء، ونتنازع على المناصب، ونتنازع على الشهرة، ونتنازع حول فروع الدين، ونخالف أمر الله عز وجل الذي ينهانا عن ذلك، فيقول في سورة الأنفال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46].
عباد الله، أية سعادة عند من سيجازى بعد الحساب بدخول النار؟ وأية سعادة عند من يُغضب العزيز الجبار، روى أحمد، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِل لمُسْلِمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فَوقَ ثلاثٍ، فمَنْ هَجَرَ فَوقَ ثلاثٍ فماتَ، دَخَلَ النّارَ) [رواه مسلم (2562) دون قوله: ” فمن هجر فوق ثلاث فمات، دخل النار”. وأخرجه النسائي في “الكبرى” (9116) من طريق شعبة، عن منصور، بهذا الإسناد. وهو في “مسند أحمد” (9092)]. وروى الطبراني، عن فضالة بن عبيد: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ( من هجر أخاه فوق ثلاث؛ فهو في النار، إلا أن يتداركه الله بكرامته) [أخرجه الطبراني (18/315، رقم 815). قال الهيثمي (8/67): رجاله رجال الصحيح] .
عباد الله، إذا كان كل بني آدم خطاء وخير الخطائین التوابون، فكيف تقبل توبتنا وقد تعادينا وتقاطعنا، لا لوجه الله، وإنما لحطام الدنيا وزخرفها، روى مسلم في صحيحه،
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رجلًا كانَ بينَه وبينَ أخيهِ شحناء، فيقول: أنظروا هذينِ حتَّى يصطلحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا)[ أخرجه مسلم (2565) باختلاف يسير]، أي أنه سبحانه وتعالى يؤخر غفران ذنوبهما حتى يصطلحا، وقال أبو داود: ( إذا كانت الهجرة لله، فليس من هذا بشيء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هجر بعض نسائه أربعين يوما)، أي أن التقاطع إذا كان بسبب ارتكاب الثاني الإجرام وفعل المعاصي، فلا يدخل ضمن الوعيد، وقد هجر ابن عمر رضي الله عنهما ابنا له إلى أن مات، وأخرج ابن المنذر، عن الشعبي، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إني لأبغض فلانا، فقیل للرجل: ما شأن عمر يبغضك؟ فلما كثر القوم في الدار جاء فقال: يا عمر! أفتقتُ في الإسلام فتقا؟ قال: لا؛ قال: فجنيت جناية؟ قال: لا؛ قال: أحدثت حدثا؟ قال: لا؛ قال : فعلام تبغضني؟ وقال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾[الأحزاب: 58]، فقد آذيتني، فلا غفر الله لك، فقال عمر: صدق والله، ما فتق فتقا، ولا… ولا… فاغفرها لي، فلم يزل به حتى غفر له).
عباد الله، كيف يستسيغ المؤمن اجتماعه مع أخيه في المسجد، وهو لا يكلمه، لا لشيء سوى لخطأ ارتكبه في حقه، أو أنه لا يصلي خلفه لرأي يخالفه، بل كيف يستسيغ العبد ما يقدمه من شكاوى إلى المحكمة ضد أخيه المسلم على أتفه الأشياء انتصارا للنفس، ويهجره فوق ثلاثة أيام، وكلاهما يصليان في مسجد واحد، وقد يجتمعان في صف واحد ولا يتكلمان، في حين؛ أن الواحد منهما يعانق سكيرا أو ظالما للعباد، مفسدا في البلاد، تاركا للصلاة، أو مجرما أو فاسقا أو زنديقا. أين التسامح الذي أمر به الإسلام؟ وأین التراحم؟ وأین الحب في الله، والبغض في الله؟ روى الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا فِي الْإِسْلَامِ فَاهْتَجَرَا، كَانَ أَحَدُهُمَا خَارِجًا مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَرْجِعَ، يَعْنِي الظَّالِمَ). [أخرجه الحاكم (1/71 ، رقم 55)، وقال: صحيح على شرط الشيخين]، وروى الطبراني في معجمه الكبير، عَنْ أَبِي خِرَاشٍ حدْرد بن أبي حدرد الأسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ)، [ رواه الطبراني في معجمه الكبير ج22/ص308 ح781، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح].
عباد الله، بادروا بالتوبة إلى الله عز وجل، والاصطلاح مع إخوانكم، ونزع الضغائن من قلوبكم، والتنازل عن الشكاوى المرفوعة إلى المحاكم، وإلا ذهبت قوتكم، وحل عليكم غضب من ربكم، وحرمتم النعيم المقيم، روى الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عِفوا عن نساء الناس، تعِف نساؤكم، وبِروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلا ، أي معتذرا، فليقبل ذلك منه، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل، لم يرد علي الحوض) [أخرجه الحاكم (4/170 ، رقم 7258) وقال : صحيح الإسناد . قال المنذري (3/321): رواه الحاكم من رواية سويد عن قتادة عن أبى رافع عنه وقال: صحيح الإسناد] ، ويا إماء الله، من كانت لها ضرة، بينهما عداوة، فلتسرع إلى التصالح معها قبل الرحيل، فهذه أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها من بنات عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أقرب نسائه إليه، وليس في أزواجه من هي أقرب نسبا إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، توفيت سنة 44 هـ في خلافة أخيها معاوية رضي الله عنه، يروي ابن سعد في الطبقات، عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة رضي الله عنها قالت: (دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة، فقالت لها مثل ذلك)، فكان ذلك دليلًا على سموِّ نفسها، وعظمة قدرها، فرضي الله عنها وأرضاها، [ابن سعد في الطبقات، وسير أعلام النبلاء للذهبي].
عباد الله، إياكم أن ترضوا بما ترونه من عداوة ناشبة بين الناس، بل اسعوا إلى إصلاح ذات البين، لتحظوا بالأجر الوفير عند الله، وتعيدوا الألفة إلى قلوب المؤمنين لتوحد كلمتهم ويقوى صفهم، فتلك التجارة الرابحة عند الله عز وجل .روى الطيالسي والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنصاري رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ مَوْضِعُهَا؟ ” قَالَ: بَلَى. قَالَ:” تَصْلُحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَرِّبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا”)
[أخرجه الطيالسي (ص 81، رقم 598، ص 105، رقم 232)، والطبراني (4/138 ، رقم 3922)، قال الهيثمي(8/79): فيه ابن عبيدة وهو متروك. وأخرجه أيضًا: البيهقي في شعب الإيمان (7/490 ، رقم 11094)].
عباد الله، اعلموا أن الكذب ليس من شيمة المؤمن، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ). [أخرجه ابن عدي (1/240، ترجمة 71 إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي)، والبيهقي (10/197 ، رقم 20617)]. ورغم ذلك، فقد أجازه الشرع في إصلاح ذات البين، عن أم كلثوم ابنة عقبة، وكانت من المهاجرات الأول، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا) [أخرجه مسلم بإثر (2605) عن عمرو الناقد، والترمذي (2053) عن أحمد بن منيع، كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (2692) من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، به].
عباد الله، ما أحوجنا إلى مثل الموافقة التي بين الثورين حتى نرفع من شأن الأمة، ونقوي الصف، ونتصدى للأعداء المتألبين علينا، ورحم الله من قال:
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ***** فلن يدوم على الإحسان إمكان.
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ***** والحر بالعدل والإحسان يزدان.
والحمد لله الذي بنعمته ننم الصالحات.