منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فاعلية التكبير أمام ”تصنيم“ الأسباب و”توثين“ الوسائل

فاعلية التكبير أمام ”تصنيم“ الأسباب و”توثين“ الوسائل/ ذ. فؤاد هراجة

0

فاعلية التكبير أمام ”تصنيم“ الأسباب و”توثين“ الوسائل

بقلم: ذ. فؤاد هراجة

النسيان حقيقة أنطولوجية محايثة للإنسان، فمنذ أن خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه، كان أول سبب في خطيئته، نسيانه لنهي الله سبحانه ”ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين“.

لذلك كان الانسان في أمَسِّ الحاجة إلى عنصر مضاد لهذا النسيان الذي سرعان ما يتحول إلى داء الغفلة. ولأن الله أنزل الداء وأنزل معه الدواء، فقد جعل الذكر ترياقا وملاذا ينتقل بصاحبه من زمن الغفلة إلى زمن الحضور، ومن زمن العادة إلى زمن العبادة، ومن زمن المواربة إلى زمن المراقبة… . لقد نسي آدم حقيقة أن الله أكبر من الجنة، وأن الله أكبر من شجرة الخلد، وأن الله أكبر من الملك الذي لا يبلى «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»؛ ألا إن النسيان غفلة، وأن الذكر عزم وأي عزم!

ما أحوجنا إلى استكناه حقيقة التكبير وتذوق معانيه وكشف ثناياه، ذلك أن عبارة ”الله أكبر“ وإن كانت تبدو في ظاهرها أنها مجرد ذكر وعبادة لسانية مطلقة لا تُقَيَّدُ بعدد ولا تُحَدُّ بزمان ولا بمكان، فإنها في حقيقة الأمر وصفة ربانية لتضميد الجروح التي تصيب الإيمان في كَرِّ الايام وفَرِّ الشهور، حيث تتسلل الاسباب إلى قلب الانسان لتُنْسِيَهُ فعل خالقه فيه، فتصاب شعبة التوكل في مقتلها، فيعتقد الإنسان أن ما أعده من قوة وما رمى به من أسباب، هي منه لا من غيره فيَعتَدُّ بنفسه، وينسى أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فتأتي السُنَّة النبوية منبهة إياه في قوله صلى الله عليه وسلم:« ألا إن القوة الرمي»، ثم يأتي القران الكريم مبينا مصدر واصل هذا الرمي في قوله تعالى: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى».

نسيان عبارة الله أكبر التي تصدح بها الصوامع خمس مرات في اليوم، وبرددها المصلي على طول حركات صلاته، من شأنه أن يغرس في صاحبه الاعتقاد في فاعلية الاسباب المنفصلة عن مسبب الأسباب، وانه لجرح عميق في شعب الايمان عامة وشعبة التوكل خاصة. إن التكبير يعلمنا أن الأسباب يجب أن تنتقل من العقل إلى الجوارح دون أن تمس القلب، فإذا تسللت إلى القلب أدت إلى ”تَصنِيمِ“ الأسباب و ”توثين“ الوسائل، وبذلك تتحول الاسباب والوسائل والوسائط إلى أنداد وأرباب وأصنام وأوثان من دون الله.

التكبير إذن، يعيد تصحيح الإيمان ويصل فاعلية الأسباب بمسبب الأسباب، ورب الأسباب، وخالق الأسباب، فتستعيد بذلك شعبة التوكل فاعليتها الإيمانية، بانفعال اللسان والقلب والروح والجوارح مع عبارة «الله أكبر»، فتضمحل وتصغر وتنمحي كل الكائنات والأسباب أمامها، فيصبح القصد والمقصود هو الله الأحد الصمد، من ثم خص الله أيام الحج بالتكبير، لأن الحج قصد، والمقصود هو الله، الأكبرُ من قداسة المكان ”الكعبة“، وقداسة الزمان ”وليال عشر“، وقداسة الشعائر ”الوقوف بعرفات“، فلا ينبغي للحاج أن ينشغل بهذه الوسائل والأسباب عن ربه سبحانه، الذي إنما شرع له هذه الشعائر ليشعره بحضرته وقربه «ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون».

فالتكبير إذن، طريق التوكل، وعنوان التوحيد، ومنشور الولاية، الذي يعطل فاعلية الغفلة والنسيان، ويحرك فاعلية الإيمان الذي لا يفصل بين الأسباب ومسبب الأسباب. لقد اصطبغ الحج بالتكبير، لتلهج به ألسنة الحجيج جماعات فتسري روحه وحقيقته وفاعليته في الأمة جمعاء، فتصغر أمامها الطواغيت، وتصغر في وجهها كل أسباب العنف والبطش والاستبداد، وتصغر أمامها كل عقبات التغيير، بل وتصغر أمامها الدنيا بما حَوَتْ، فتركَبُ صهوة التوكل على اللهِ، الأكبرِ من كل هذه الهباءات المنثورة في كونه العظيم.

فكبروا ليبلغ تكبيركم عنان السماء، كبروا فهناك رب يستحق الثناء، الله اكبر كبيرا, والحمدلله كثيراً, وسبحان الله بكرة وأصيلا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.