“زمن المؤنث” المبنى والمعنى
"زمن المؤنث" المبنى والمعنى/الدكتورة صوفيا علوي المدغري
“زمن المؤنث” المبنى والمعنى
الدكتورة صوفيا علوي المدغري
“زمن المؤنث” رحلة واحدة وإن تعددت المحطات، مجموعة قصصية للاديب الأريب مجيد فلوح، المبدع المفاجآة ، عرفنا عنه الكثير ولكننا لم نكن نعرف أته حاذق في الكتابة والقرطاسية إلا بعدما باغتنا بقصة تلو الأخرى على صفحة منار الإسلام، ملحا أيما إلحاح لإعلاء صوته، والبوح بما يختزنه إبداعه، وترسمه أنامله، ليقول للجميع أن الأديب هو الذي يمتلك عصارة عبقرية الإنسان، وأن حسن الإبلاغ عن إنسانية الإنسان لايثقنه إلا ذكي فطن، وهذا التمثيل يؤكده أمران اثنان:
الأول: أن الأديب المتفوق هو الذي يثقن فنون التعبير عن إنسانية الإنسان ومشاعره الحقيقية من فرح وحزن وحب وعاطفة…
الثاني: أن من يفضض ويحكي أويعبر كيفما كان القالب الفني أو الجنس الأدبي فهو الذي يفيد ويستفيد في الوقت ذاته؛ نفسيا، اجتماعيا، علميا…
وهذا الأمران ولدا قضايا متنوعة قد نعتبرها شرطا من شروط الكتابة وأخرى نتائج لها. لذلك نطرح العديد من الأسئلة الإشكالية مثل:
ـ من هو الكاتب الناجح الذي يحسن التعبير عن إنسانية الإنسان؟
ـ من هو الكاتب المبدع الذي يمتلك قوام العمل الفني شكلا ومضمونا؟
ـ ماهي ما تجليات الكتابة الكتابة المبدعة في “زمن المؤنث” ؟
هي أسئلة سنجيب عنها في اختيارات ثلاث: الأولى: اختيارات، الثانية: اختيارات شخصية، الثالثة: اختيارات فنية.
أ ـ الاختيارات الشكلية:
إذن نحن أمام عمل فني إبداعي للكاتب والقاص مجيد فلوح، وهو كتاب من الحجم المتوسط من فئة مئة وخمس وثمانين صفحة، ففي الواجهة الأمامية للكتاب قصر المناص على معطيين اثنين: أحدهما تلفظي، والآخر بصري، ففي أعلى الصفحة نرمق تصنيفا الكتاب ضمن سلسلة ” قصص وروايات” وتحته يأتي العنوان الرئيسي للمؤلف ” زمن المؤنت” وهو بوابة تكتنز موضوع الكتاب الذي تدور معظم قصصه عن نساء عشن في أزمنة تعاقبت بين الماضي والحاضر وفي استشراف لمستقبل على أمل الاستبشار بما هو أفضل.
” رحلة واحدة وإن تعددت المحطات” كل موضوعات القصص في الكتاب تصبّ في فلك قضية محورية وجوهرية؛ هي قضية المرأة، وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة والحيثيات الاجتماعية … ومن المشيرات الدالة في فهرس الكتاب نقترب من اختيار المؤلف للعنوان ” زمن المؤنث” حين أسند لقصة من قصصه نفس العنوان ” زمن المؤنث” وفيها يؤكد على أن الاختيار إنما هو لكونه تأثر بما رأى وسمع وعاش مع نساء، وفي وسطهن، وكان قريبا من ظواهرهن ودواخلهن، ليكون الناطق الرسمي بإسمهن.
أما اختيار الصورة على واجهة الكتاب كلوحة فنية للفنان “نزار قريش”، فهي تؤكد على مدى المواءمة بين تعبير الفني وآخر موضوعاتي، فهي علاوة على قيمتها الجمالية في تناسب الفن التشكيلي مع الفن التشخيصي ، و تناسق ألوانها، وإن عبرت عن اليأس والغموض، وبعض من التفاؤل والهدوء فهي تبرز هوية المؤنث المحكي عنها؛ أي عن المرأة المغربية التي تميزت منذ عصور عن غيرها بلباسها التقليدي المحافظ الذي مثّله الجلباب الأصيل الشامخ، واللثام الحاجب حتى عن رؤية العينين كما هو في الصورة، يعلوه غطاء الرأس؛ أو ما يسمى ” بالقب الفاسي الواقف” يخفي شكل المرأة وأنوثتها، وهو ما يحيل على زمن لبمجموعة القصصية الذي تأرجح بين الماضي والقليل من الحاضر ذو حمولة تقليدية قديمة لازلت المرأة تجر خيباته أو حسناته.
وبعد الصورة يبرز صاحب المجموعة القصصية ” مجيد فلوح”، الكاتب والقاص، رجل من رجال الدعوة والأدب والرصانة العلمية والفكرية، تجشم عناء حمل قضية المرأة والدفاع عنها.
وفي أقصى اليمين أسفل الصفحة نقف وقفة اعتراف وإجلال لمركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات الذي أشرف بدوره على إخراج هذا العمل حتى رأى النور كما هو الحال لأعمال عديدة رائدة ومتنوعة.
أما في أقصى اليسار فنبهج بوجود قامة علمية أخرى قدمت هذا العمل؛ وهو الدكتور” عبد العظيم الصغيري” الذي أضفى على الكتاب امسة نوعية متفردة. وكما يعرف الكثير فإن الدكتور عبد العظيم الصغيري ما وجد في عمل إلا وأكبره وعظّمه تعظيما يليق بهذا العمل اشتق من إسمه وعلمه ومكانته الجليلة. وهو الذي ينتقل بنا للواجهة الخلفية في لوحة وصفية مائزة لرحلة عبد المجيد مع مجموعته القصصية قائلا في مجموعة خفيفة كالظل … هي رشفات من رحيق معنى المعنى…تؤكد على ضرورة مراجعة تصوراتنا حول الأنوثة مهما تعددت القوالب الفنية واختلفت، و التقديم شكّل موقعا ماديا كأحد أنواع الخطابات، نظرا لاستقلاليته عن فضاء الكتاب نفسه، شأنه شأن الإهداء والتحية والشكر، لذلك فهو نص استهلالي يمثل خطابا سابقا للنص ومحفزا قويا لقراءته، حاصة وإن كان المقدّم من العيار الثقيل كالدكتور عبد العظيم الصغيري.
ب- الاختيارات الشخصية:
وهنا نقف روّية لنستشف سمات الكتابة المبدعة مع شخصية ” مجيد فلوح” والتي لن تكون إلا مبدعة بما تجمعه من صفات أهلتها لتكون كذلك. ومن هذه الصفات نذكر:
الحكيم: وهو الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ومن اجل ذلك فمجيد فلوح على اطلاع دائم على أصول الأمور وعواقبها وأينما بدت له النجاحات في عوالم الله تعالى إلا واقتنصها وان أحق للفوز بها، يجسدها شخصه ويمررّها لخلقه.
ومجموعة ” زمن المؤنث” مثلث شخصية وحكمة صاحبها مجيد فلوح الذي يمتلك ميزانا ذو جودة عالية يضع كلا فيما يليق به دون إخلالا لكفة على حساب أخرى.
ففي اختيار الموضوع حكمة.
وفي تناسب واتساق قصصها حكمة.
وفي ترتيبها وتسلسلها حكمة… وإن كان هو يعترف بمداد قلمه قائلا:” إن إقبالي على الكتابة لم يكن تقديرا وإنما قدرا”[1].
أما في ثنايا كل قصة فثراه يتكلم بلسان الأنثى، ولكن إنطاقه لها لم يكن إلا ليضعها بحكمة ما يناسب شخصها، وزمنها، وهويتها، وسنّها…مثال ذلك ما ورد في قصة ” السيارة الحمراء” : ” الطفولة التي كنا نعيش لحظاتها بمعزل عن الماضي وباستقلالية عن المستقبل، كنا نعيش الدقيقة بابلدقيقة، والثانية بأختها، نفرح لأقل سبب، ثم نحزن الساعة التي تليها لسبب مماثل”[2] فعلا إنها الطفولة وأقرب منها الأنوثة.
المبدع: لن يكون إبداع مجيد فلوح لمجموعته القصصية إلا تبعا ونتيجة لما شغف به. حقيقة أننا نقول أن المبدع هو كل ما لم ينسج على منوال سابق، وأن الإبداع خرق للعادة. لكن المبدع هنا أكثر من ذلك، لأنه يفيض بما أحبّه وتهمّم به وفكّر فيه مليّا، فنسج له قالبا فنيا، وأتتّه بمهارات تصويرية تأثيرية و أخرى جمالية. علاوة على الموهبة والعطاء الرباني الذي ولّد منه مبدعا رصينا يحبّ التميّز ويكره التقليد.
فالمجموعة القصصية “زمن المؤنث” لمجيد فلوح عمل إبداعي بامتياز، ونسيج متكامل معنى ومبنى، شكلا ومضمونا، وبطريقة جعلت المؤَلِّف يُخرج بعض الذكور من صندوقيتهم.
والمبدع كذلك هو القادر على إيجاد الكثير من الحلول والطرق التي تساعده على إنجاز إبداعه بشكل مائز ومغاير للصورة الذهنية التي قد يرسمها القارئ في أول وهلة من مضمون القصة، ومثال على ذلك ماورد في قصة ” الغريب”؛ فالغريب عند الكاتب هو ذلك الأب المغترب بأخطائه، وكثرة زيجاته،وسوء اختياراته…
المناضل: وهو من يمتلك روحا حرة مفعمة بالايجابية تميل إلى الكثير من الأحيان إلى دائرة الضوء لتسليطها على الأخرين، وإيجاد حلول لما ألمّ بهم.وتأتي قضية المرأة في ” زمن المؤنث” على رأس القضايا التي تهممّ بها كاتبنا جازما بأنها تستحق أن يختار لها مؤلفا خاصا، وإن كانت الانطلاقة تحية لها في عيدها الأممي في الثامن من مارس.
فالكاتب يدرك تمتم الإدراك أن المرأة انحطت بانحطاط المجتمعات، وأن قضيتها جزء لايتجزء عن القضايا المجتمعية الأخرى، وان الدفاع عنها رافقه طوال حياته لما عايشه وعاينه عن قرب منها.
وعبد المجيد هنا ليس مناضلا عاديا فحسب، بل هو الذي ارتقت به المعرفة والحب والخواطر والعلاقات الأسرية الرقيقة إلى مستوى الانشغال بهمّ المرأة وبقضيتها مستحضرا جسامة المسؤولية اتجاهها. ولايمكن بشكل أو بآخر غضّ الطرف عنها، أوتغافل نقائض الواقع وانحرافاته الاجتماعية أو الثقافية وحتى السياسية عارضا لواقع المقهورات من العاملات والأميات وغيرهن…
فالكاتب لم يدافع عنهن فقط بل تقمّص الأدوار النسائية التي تصدّرت البطولة في مجموعته القصصية ككما ورد على لسانه قائلا:” لم أجد غضاضة في تقمص الأدوار النسائية التي تصدرت البطولة في هذه المجموعة”[3].
ج- الاختيارات الفنية:
المثن الحكائي: في زمن المؤنث حافظ المؤلف على الوحدة الموضوعية في مجموع قصصه التي انشغلت بسبر أغوار عالم المرأة في إحاطة وجمع بين مفارقات واقعية اعتبرناها ثنائيات مست طرفين مختلفين من أصناف النساء المغربيات [امرأة بدوية#امرأة حضرية][صغيرة # كبيرة][فقيرة#غنية][مقيمة # مهاجرة][مطلقة#متزوجة][محظوظة# تعيسة][متعلمة# جاهلة]…وما كان من المؤلف إلا أن يقترب من كل واحدة في جلسة متأنية ومتابعة متمعّنة ليبوح هو عما سكتت عنه هي، ناطقا باسمها، ملمّا بقضيتها وحيثياتها، قريبا من أفراحها وأحزانها، مدركا لشعورها وطويتها. وهو في كل ذلك شكل قنطرة عبور بين السلف والخلف كما أقر بذلك:” أعيد نشره فقط لأكون قنطرة أولئك السلف إلى هؤلاء الخلف، أدونه بدلا عنهم…”[4]، فالمؤلف بذلك يجمع المعلومات ويخضعا للتجربة والتمحيص وكذا التفسير والتحليل ليصل إلى ما وصل إليه.
فالإطلاع المتواصل بنفس غير منقطع وبتأمل فاحص مرتبط ببديهة أتقنت تتبع الأنثى واستقصاء آثرها لن تكون نتيجته إلا بوح وكتابة فنية راقية. ففي كل قصة قصيرة تجده يبحر بنا في عوالم متعددة وكأن القصة غير كافية للتعبير عما رآه وسمعه وأحسّه، بل هي استفزاز لخلخلة المخيلة وطرح العديد من التساؤلات؛ فهي استفزاز للعودة بنا إلى مؤلفات مثل ” وحي القلم” للرافعي، ورواية بثينة العيسى وغيرهما…ومرة لنتغنى بأشعار شوقي والبوصيري، وفي أخرى لننزل إلى عالم الطفولة مع أليس في بلاد العجائب…ومرة للتفتيش عن الصديقة الفيسبوكية…وفي الغالب ما يضطرنا لنتوقف عن القراءة في جلسة تأمل لنجيب نحن عن أسئلة طرحها ضمنيا، ولم يكن ليجيب عنها هو، وما يكون جوابنا إلا أن نقول: ربما أن هذه فقط البداية وسيعود لنا مرة أخرى ليشفي الغليل باطلاعنا عما كثمه لحاجة في نفس يعقوب.
فالمثن الحكائي في اتصال مباشر بالمادة الحكائية في تتبع الأحداث وتعاقبها، غير أن هذا التتابع للأحداث يجري وفق الأنساق التي يراها المؤلف، فهذا النسق التتابعي ولّد أحداثا من رحم حدث أخر جامعا في الأخير لسلسلة أحداث تجمعها قضية واحدة هي قضية الأنثى وما عايشته وتعيشه في تحديق وتدقيق لتفاصيل حياتها، في آمالها وآلمها، في إشراقاتها وإخفاقاتها بغية إعادة الاعتبار لها ووضعها بما يليق من تكريم الله عز و جل لها، وجعلها تتربع عرش التقدير والاحترام.
القوى الفاعلة: توزعت بين شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية؛ ففي كل قصة تحمل البطلة لواء السرد لتحكي عن أهم ما ميّز عالمها ولتفصح عمّا حفر بذاكرتها أو غيّر من شخصها وفق وقائع متغايرة. ومن الشخصيات الرئيسية: مي خديجة، يامنة، كريمبوش، نانا…وغيرهن، لتكون الشخصيات الصانوية تابعة لبطلة القصة وخادمة للعالم السردي للمؤلف. والراوي في نقله للأحداث يرصد على وجه الإجمال سمات شخصية المرأة المغربية وبعض أنماط سلوكياتها الاجتماعية والثقافية، ويبرز هويتها وملامح طبيعتها.
المتواليات الحكائية: شكل تعاقب الأزمنة مفارقات سردية أوجبتها طريقة الحكي وعرض القصص مثلها الاسترجاع مرة والاستباق مرة أخرى، فمثال الاسترجاع قول الكاتب:” أتذكر تلك التفاصيل اليومية التي كانت تتكرر…”[5]. ومن الاستباق حديثه عن الغريب الذي ترك صبيا صغيرا قوله: ” لنا عودة إلى هذا الصبي …”[6].
أما الزمان فسبقت الإشارة إليه على أنه تأرجح بين الماضي والحاضر بغية مستقلب يحفظ للأنثى كرامتها وتفسح لها مجالا أكثر رحابة وموضوعية.
الرؤية السردية: في الؤلف مزج الراوي بين رؤيتين: “رؤية مع” و “رؤية من خلف”؛ فالأولى: شكلت ذات الكاتب باعتباره محور الفعل السردي والذي من خلاله ثم كشف العالم السردي سواء أتعلق الأمر بذاته الخاصة في قربه من أنثى المجموعة القصصية، أو من الشخصيات التي تحدث باسمها، وهو ما أكده ضمير المتكلم في كلا الحالتين.
أما الرؤية من خلف فمثلها تعدد الضمائر التي يتغيا من خلالها الراوي تمكين المتلقي من رؤية الوقائع والأحداث الرئيسية والأحداث التابعة لها وكذا الشخصيات والزمكان، وفسح له مساحة تخيلية واسعة، وهو ما اعتبرناه من الكفاية السردية للكاتب.
الجانب الأسلوبي: يندرج الوضع اللغوي في ” زمن المؤنث” ضمن المصنفات العالمية حين طبعت بأسلوب نثري فائق الجمالية على مستوى المعجم الذي وظف فيه حقولا دلالية وموضوعاتية متنوعة خدمت النص الروائي، علاوة على الانتقاءات البلاغية والأسلوبية السلسة، واللغة الطيّعة الأكثر رحابة وشديدة الصلة بالمؤلف نفسه، ومطبوعة بميزة الوصف وتوظيف الأسلوب الخبري الذي يتلاءم مع تقنية الحي.
خاتمة:
وخلاصة القول نؤكد فيها أن هذا العمل الإبداعي هو ثمرة تواصل واتصال بين ذات مدركة وموضوع مدرك استحضر القاص مجيد فلوح كل مقومات وأليات الكتابة القصصية مبنى ومعنى، مما سيغني المكتبة العربية والمغربية على الخصوص، وسيرفع لواء الرقة والرفق بالقواير كما أوصى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
يمكنكم مشاهدة الندوة الأدبية عبر الرابط التالي
[1] زمن المؤنث ص: 109.
[2] المصدر نفسه ص: 120.
[3] ـ زمن المؤنث ص: 103.
[4] ـ المصدر نفسه ص: 108.
[5] ـ المصدر نفسه ص: 38.
[6] ـ …ص: 49.