الصوم القرآن
عبد الصمد الخزروني
مقاصد الصوم
نجد مما كتبه علماؤنا وفقهاؤنا في مجال الأصول أن للشريعة أهدافا ومقاصد، منها مقاصد كلية تتمثل في الكليات الخمس وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل. ومنها مقاصد جزئية تتعلق بما تفرع عن الشريعة من عبادات ومعاملات وجنايات. فنجد في العبادات مثلا أن من مقاصد الصلاة الانتهاء عن الفحشاء والمنكر بدليل قول تعالى:[ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] (العنكبوت:45)، ومن مقاصد الحج تحقيق المنافع المادية والمعنوية بدليل قوله تعالى: [ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم] (الحج:28) ، ومن مقاصد الزكاة تطهير النفس ونماء المال بدليل قوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا](التوبة:103). بينما نجد الصيام من مقاصده العظيمة تحقيق التقوى بدليل قوله تعالى: [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ](البقرة:183).
يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” وهو يعلق على الآية الكريمة: “والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي؛ لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر (في العاقبة) كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير. وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها؛ لأنه يعدّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية”.
فالمقصد العظيم إذا من صيام شهر رمضان أن يحقق المؤمن من خلاله التقوى، وهي ذلك النور الذي يهبه الله تعالى عبده، نور هو فرقان يفرق به بين الحق والباطل، وهي مغفرة يشمل بها الله تعالى عبده، مغفرة هي طهارة يطهر بها حسه ومعناه، ظاهره وباطنه. يقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ](الانفال:29).
ولتحقيق مقصد التقوى وحصوله لابد للمؤمن من وضع برنامج رمضاني يغطي أيام هذا الشهر المبارك بليله ونهاره، برنامج لا ينبغي أن ينحصر في عبادة فردية بل يتعدى ليكون عبادة جماعية أيضا، يستوعب في بنوده التربية الإيمانية من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والقيام وغيره، والدعوة والإرشاد بالنصح والموعظة والتعليم، والخدمة الاجتماعية بإقامة إفطارات وتوزيع قُفات وإدخال السرور على المسلم.
أهمية الصوم
في كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للإمام العارف بالله عبد السلام ياسين رحمه الله، وتحت عنوان فقرة “الصوم” (300)، يتحدث الإمام رحمه الله تعالى عن فوائد العبادات أو ما تحققه العبادات أو لنقل أركان الإسلام الخمسة كما عبرها عنها والصوم من جملتها، من آثار على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. فأنتم تلاحظون دائما يحاول أن يعطي لجميع أمور الدين هذين البعدين الفردي والجماعي. وهذا من جملة ما عمل الإمام رحمه الله على تجديده في الأمة.
فعلى مستوى الفرد:
الشهادتان تحقق له تكسير صنم الهوى في قلبه.
والصلاة تحقق له العبودية الحقة لله تعالى.
والزكاة تحرره من البخل وحبّ التملك والتعلق بالمال.
والصوم يمكنه من التحكم في شهواته.
وهذه الأركان الأربعة في مجموعها تحقق للفرد المسلم بالصبر على امتثالها مؤهلات الجهاد، أن يكون مجاهدا. والركن الرابع الحج إذا أداه المسلم فقد أدى أحد وجوه هذا الجهاد. وللصوم زيادة على تلك آثار روحانية خاصة يجدها المسلم المؤمن لا توجد في غيرها. قصة الصوم في ترويض النفس.
وعلى مستوى الجماعة:
فللصوم بالخصوص إلى جانب أثره الفردي التربوي وما يمتاز به من روحانية عالية. أثر جماعي اجتماعي واقتصادي. فهو بتلك النفوس المروَّضة والقلوب المتشبِّعة بالروحانية يحقق تقاربا بين الأفراد وتحابا وتعاونا وخاصة في شهر رمضان المبارك. ولذلك الحفاظ على وظيفة هذا الشهر وما يحققه من آثار فردية وجماعية طيلة السنة قدر الاستطاعة مهمتنا جميعا. ويستعان على الاستمرار في ذلك بصيام التطوع والإفطارات الجماعية.
ويختم الفقرة بتنبيه مهم، وهو مراقبة المؤمنين أنفسهم، فمن لم تظهر نتائج الصيام في سلوكه، فليعلم أنه إنما جاع وعطش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وأصحاب السنن عن أبي هريرة: “من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه”.
رمضان شهر القرآن
عندما نجد الزمان والمكان والأشخاص يتّسمون عبر التاريخ بالبركة فلأنهم مرتبطون بشيء مقدس وعظيم، وليس هناك أقدس عند الله وأعظم من كلامه القرآن الكريم. فنجد من المُباركين ببركة القرآن زمانا شهر رمضان، ومكانا مكة المكرمة، وأشخاصا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى ملائكةً سيدنا جبريل عليه السلام.
ولا يخفى على المسلم أن موضوع البركة يكتسي في ديننا أهمية كبيرة، فأمتنا أمة البركة، والمسلمون يعيشون في حياتهم على البركة، ودعواتنا لا تخلو من الدعاء بالبركة، والبركة من الله تعالى.
فشهر رمضان إذا يحتلّ تلك المكانة العالية والرفيعة عند الله وعند المسلمين لكونه يمثل الزمان المبارك الذي أنزل فيه القرآن من جهتين، من جهة عامة: يقول الله تعالى:[ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان](البقرة:185). ومن جهة خاصة: يقول الله تعالى: [إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر](القدر:1-3). وليلة القدر هي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، يقول الله تعالى:[ إنا أنزلناه في ليلة مباركة](الدخان:3)،
أهمية القرآن
في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للإمام المجدد رحمه الله تعالى فِقرة عن تلاوة القرآن (157-158)، فيها إشارات مهمة بخصوص كيفية تعاملنا مع كتاب الله تعالى على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. فيكفي القرآن شرفا أن من الأسرار التي أودعها الله فيه لمن أخذ به في حياته أن يخرجه من الظلمات إلى النور. فيؤكد الإمام رحمه الله:
على المستوى الفردي:
أن يتلو المؤمن على الأقل حزبين من القرآن في اليوم ليختمه في الشهر. وللتلاوة آداب. ويتعلم التجويد ما أمكن. ويتدبر ما يقرأه باستحضار عقله وقلبه.
أن يكون للمؤمن ورد للحفظ، يبدأه بالسور والآيات الفاضلة القصيرة، مثل آيات الكرسي، وسور يس، والسجدة، والملك، وسور المفصل. ويستعين على تثبيت ما حفظه بقيام الليل لئلا يتفلّت منه.
على المستوى الجماعي:
أن تدور حياتنا وكل مجالسنا وأحاديثنا حول القرآن ومعانيه، حول وعده ووعيده، حول بشارته ونذارته، حول رحمة الله وحكمته، حول ذكر الله نفسه بالعزة، والعظمة، والألوهية والربوبية، وذكره أحبابه بخصال الإيمان، والمصير إلى الجنان وذكره أعداءه بخصال الكفر، والنفاق، والمصير إلى النار، حول قصص من سبقنا لنتعظ، حول أحكام الله لنتقيد بها.
وبهذه التلاوة والتدبر والحفظ والمدارسة والعكوف عليه تمتلئ القلوب بنور القرآن وبركته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده “. رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
قصة قراءة القرآن.