منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في وداع الشهيد إسماعيل هنية

في وداع الشهيد إسماعيل هنية/ د. سعيد أصيل

0

في وداع الشهيد إسماعيل هنية

بقلم: د.سعيد أصيل

… من الصعب أن تتصور وجود إنسان يستعجل الموت ويُمَنِّي نفسه بالشهادة، ويعتبر أن عمره قد طال. ونحن نعلم أن الإنسان قد جُبِل على حب الحياة وطول الأمد والاستمتاع على الأرض. !..

فهل سيكون اغتيال إسماعيل هنية فرصة لإحياء الأمة من جديد؟!…

لعلها الفرصة السانحة التي من خلالها اجتمعت الأمة، من جديد، على رجل رباني مجاهد وهب روحه لله ولقضية فلسطين.. ومن ثم قضية القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين…

إن لنا في قصة الغلام وأصحاب الأخدود التي رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف ضحى هذا الغلام بنفسه لكي يُفهِم الناس ويحييهم ويحيي عبادة الله، عوض عبادة البشر، من جديد رغم بطش الملك الظالم…
وها هو رجل تجمع الأمة، ولأول مرة: شيعة وسنة، يصلون عليه صلاة الجنازة في طهران ثم في الدوحة ثم صلوات الغائب بكامل ربوع الأرض لتنبعث الأمة من جديد.. تلك رسالة إلى كل مسلم ومسلمة، بل رسالة لكل أحرار العالم الذين يرفضون الظلم الذي سُلِّط على أهلنا في غزة وفي كامل فلسطين، بل في كل العالم بتفاصيله وربوعه المتعددة والتي كشفت نفاق المتباكين على حقوق الإنسان، شرقاً وغرباً…

رجل يتم تكريمه في الدنيا ويستقبله أهل الآخرة فرحين به لينضم إلى زمرة الصفوة الذين “يحبهم الله ويحبونه”: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)…

إسماعيل هنية، شهيد فلسطين وشهيد هذه الأمة، من هؤلاء الرجال الصادقين الذين ما بدلوا وما غيروا حتى لقوا ربهم…

كان هنية، دائماً، ينتظر هذه الشهادة ويستعجلها.. رجل يرى أن امتداد العمر قد طال، وأنه في حاجة إلى أن يستريح وإلى أن يعود إلى ربه. فكان دائما يستعجل الشهادة، ويتأسف على تأخرها بعدما رحل كثير من أصحاب الدرب والتحقوا بالرفيق الأعلى.. رجل يوحِّد الصفوف، ويسعى إلى إيجاد وحدة وطنية أساسها مقاومة الاحتلال حتى يخرج من كل شبر يحتله، رغم غدر من وضعوا أيديهم في أيدي المغتصبين، ورغم الأذى الكبير الذي لحقه ولحق الشرفاء والمقاومين من أبناء ورجالات وطنه.. رجل لا يهادن.. رجل تربى في أحضان الشيخ أحمد ياسين؛ شيخ حركة حماس ومؤسسها.. ذاك الرجل الرباني الذي كان مُقعداً في جسده ولكن روحه كانت طيَّارة في ربوع فلسطين؛ تنشر التربية وتعلمها لأبناء هذه الأرض الصامدة المجاهدة عبر تاريخها الطويل.. رجل يحمل يقيناً لا حدود له: يقين بالله وبقضائه وقدره وبموعوده، دون أن تتسرب الريبة إلى قلبه أو روحه أو عقله أو فكره، فكان يلقن هذا اليقين ويعلمه لأبناء غزة ولأبناء فلسطين كلها، بل لأبناء وبنات الأمة جميعهم…

رباطة جأش كانت تميز إسماعيل هنية.. شهيد فلسطين وشهيد هذه الأمة، وتعطيه روية في المشورة وتخاذ القرار والرؤية الإيمانية الحصيفة للأمور ومآلاتها، فكان يشهد له الجميع بصفات “الرجولة” المفقودة في أغلب الناس وبدوام مصاحبته لكتاب الله الذي حفظه وكان يرتله بصوت رباني خاشع متدبر متذوق…

من نسل إسماعيل هنية، ومَن سبقه وسار على الدرب، ومن تربيتهم ودعوتهم سيمتد الرباط، وسيمتد الجهاد رغم كيد الكائدين وتعاون العملاء والمنبطحين الذين ارتضوا الذلة والمهانة…

رجال عاهدوا وصدقوا فيما عاهدوا الله عليه حتى لقوه مطمئنين…

إن دماء الشهداء هي البساط الذي ستعْبُرُ عبره الأجيال القادمة لتصلي في المسجد الأقصى ولتحقق موعود الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلافة الثانية على منهاج النبوة…

وإن لنا في الشهادة لحياة… ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يفقهون ولا يعتبرون!…

فألا لا نامت أعين الجبناء!…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.