مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – القرآن إرث الشهداء
بقلم الكاتب: سعيد ضياء
نواصل عرض الإبداعات التي وصلتنا من الأدباء والمبدعين، استجابةً لنداء المشاركة في مشروع وجوه الطوفان تشعل المجد؛ مشروع أدبي–مسرحي تربوي يسعى إلى إعادة تشكيل صورة البطولة الفلسطينية في قالب رمزي حيّ، يربط بين الواقع والرموز القرآنية والتاريخية، ويحوّل القصص الواقعية إلى مشاهد درامية تُضيء القيم الكبرى: الصبر، الثبات، القيادة، الجماعة، الاستشهاد. ليست الغاية مجرد توثيق أحداث، بل بناء سردية تربوية تُخلّد وجوهًا صنعت المجد، وتقدّمها للأجيال كنماذج ملهمة، تُغني الذاكرة وتُشعل الإيمان.
نبذة عن القصة الواقعية
القصة مستوحاة من صورة واقعية نشرت في غزة: سيدة فلسطينية خرجت من بيتها تحت القصف، تاركة كل شيء خلفها، ولم تحمل سوى المصحف الشريف. هذه السيدة هي إسراء، أم خمسينية فقدت زوجها شهيدًا وأبناءها واحدًا تلو الآخر، لكنها بقيت متمسكة بالقرآن، مشهدها وهي تضم المصحف إلى صدرها وسط الركام صار وصية بصرية خالدة، تُجسّد قيمة القرآن العظيم في حياة المقاومة. الرابط: حديث الصورة – تركت كل شيء وحملت المصحف.. لحظة إخراج سيدة فلسطينية من منزلها بعد قصف الاحتلال.
تقديم قصير للقصة الرمزية
“القرآن إرث الشهداء” تُبرز الوصية الكبرى التي تمسكت بها إسراء: القرآن العظيم، النور الذي يشدّ القلوب إلى السماء، ويمنح القوة وسط القصف. الرموز التي تنبثق من القصة – المصحف المرفوع، العودة إليه وسط الخطر، دموع صفد، صيحة محمد – تتحول إلى إشارات بصرية وروحية قابلة للتجسيد المسرحي، وتُقدّم نموذجًا تربويًا حيًا، يُعلّم الأجيال أن المقاومة ليست فقط بالبندقية، بل في التمسك بالقرآن العظيم الذي لا يُهزم. وهكذا يشهد العالم في غزة كيف يُحفظ القرآن وسط الطوفان، ويظل نورًا ممتدًا عبر الأزمان.
القصة الرمزية: القرآن إرث الشهداء
كانت جالسة هناك مع أولادها…في بيتها حيث ذكريات الشباب، وذكريات الفرح والهناء، وطيف زوج ارتقى شهيدا بعدما وهب نفسه وماله لله وانخرط في سلك المقاومة الباسلة.
قرأت السيدة إسراء ذات الخمسين عاما وردها اليومي من القرآن تلاوةً في المصحف، ثمّ وضعت المصحف الشريف فوق الخزانة مصونا عاليا. وخرجت من حجرتها التي آلت على نفسها أن تقرأ فيها كلّ يوم جزءا مكرّرا من القرآن؛ الأول لها، والثاني للحبيب الغالي الذي باع روحه فداء للوطن…للقدس الحبيبة…للأقصى السليب.
وجدت ولدها محمّدا وبنتها الكبرى صفد جالسين مهمومين يفكّران فيما كانوا فيه وما أصبحوا عليه.
قالت الأم: ما بكما عابسين؟
صفد –وقد اغرورقت عيناها بالدموع-: “والله يا أمّاه… تذكرت أيام الصبا…حينما كان والدي يطرق علينا الباب -والبيت يغصّ بإخوتي – فأفتح فإذا هو يحمل لنا ما لذّ وطاب من صنوف الطعام والشراب، فيتسابق الصبية إليه يكتشفون ما في الأكياس وهو يلاعبهم ويضاحكهم…حقّا لقد افتقدنا حنانه ورفقه، ولطفه وعطفه، واشتقت إلى ضجيج إخوتي ومشاكستهم”
انسكبت من عيني صفد دمعات كحبّات الندى…لم تستطع أن تكمل الكلام…
خيّم صمت رهيب على المكان… واختلجت الضلوعَ مشاعر وأحاسيس، منها ما يكسر القلب ومنها ما يبعث الأمل…
وفجأة كسرت الصمتَ صيحة محمد المدوّية: ” والله ثمّ والله… لن ينجو الصهاينة بفعلتهم”
هدّأت إسراء من روع فلذات كبدها وقالت:” يا أحبابي…أبوكم ارتقى شهيدا…عاش بطلا ومات بطلا…لم يرض بالدّنية ولم يقبل أن يعيش ذليلا…ما باع الوطن ولا خان، ولا تلكّأ في دفع الثمن ولا فضّل الهوان. وإخوتكم الذين سبقونا إلى الدار الآخرة هم على أبواب الجنّة ينتظروننا…لقد رأيتهم كلّهم البارحة في رؤياي، أحمد وإسماعيل ويحيى ووفاء وريم كانوا في أبهى الحلل وأجمل الصور. ما علينا نحن هو أن نحذو حذو أبيكم، ونسير على خطى المقاومة إلى آخر رمق. الأقصى غال…الأقصى لا يباع.”
ثمّ توجّهت إسراء بالكلام إلى ابنها محمّد:” يا محمّد…لقد اشتدّ عودك يا بني…وآن الأوان لتلتحق بركب المجاهدين. شدّ حيازيمك وشمّر عن ساعد الجدّ وخذ مكانك بين إخوتك”.
وقبل أن تكمل الأمّ كلامها، سمع دويّ انفجار هائل بعيدا على قرب، قريبا على بعد…سمع الصراخ بالخارج…الطائرات الصهيونية القاتلة تحلّق في السماء وتطوف، حاملة معها الحتوف.
الله الله…
أمّي …
أولادي…أكبادي…
ذبّ الذعر في البيت…
تزلزلت الغرف…
تساقطت الأواني…
أظلم المكان…
انجفل الجميع إلى الخارج…
لكن بعدما خرجوا عادت إسراء إلى البيت…
صاح محمّد: ” أمّي…أين أنت…علينا مغادرة المكان…سيعودون للقصف مرّة أخرى.”
صفد: ” هيّا يا أماه…علينا الخروج وإلا هلكنا تحت الردم”
إسراء تدخل حجرتها لتأتي بشيء ما…
صفد:” هيّا يا حبيبتي…لا وقت لتأخذي معك شيئا…ولا شيء ينفع الآن”
الصراخ يرتفع…الذعر يذب في الأرجاء…الموت يحوم…
تخرج إسراء بعد عناء حاملة معها المصحف الكريم.
صفد:” ألهذا عدت يا أمّاه”
الأم: ” نعم يا بنيّتي…هذه أغلى ذكرى من أبيك…تعاهدنا ألا نضيّعه…تعاهدنا إن مات أحدنا أن يقرأ له الحيّ ورده جزءا كلّ يوم… وهل نحيا يا بنيّتي إلا بالقرآن…وهل يستقيم لنا عيش بدون كلام ربّنا يكلّمنا ونكلّمه. يا بنيّتي لا حياة لنا بدون القرآن…ولا نور لنا بدون محبة واتباع سيد ولد عدنان. فلتحفظيها عنّي ولتحفّظيها أبنائك”.
وتتكأ الأم على ولديها، والمصحف بين يديها، والشاب محمّد ينظر إلى الأفق نظرة حادة منذرة بقرب انفجار البركان بعدما تنتهي مرحلة الطوفان.