مواويل فراتية… بعزف فلسطين (قصيدة)
مواويل فراتية… بعزف فلسطين (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
مواويل فراتية… بعزف فلسطين (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
عزفتُ لحنَ الهوى الصادي مواويلا
وخطَّ قلبي على وجهِ المدى مثلا
وكنتُ أكتبُ فوق الغيم أسطُرتي
فلا أرى غيرَ حزنٍ في المدى نجلا
ونقشتُ عنك بدمعِ العين أغنيةً
تساقطت حين ضاعت نبرتي ثقلا
وكم حملتُ رسالاتي على شغفٍ
فما وجدتُ سوى الأوجاعِ منديلا
يا دارُ يا قوّةً هبّتْ من الزمنِ الــ
ماضي، ويا وجعاً مستوطناً جبلا
يا من نزلتِ على قلبي فسكَنَهُ
ما زلتِ تعرفُ ما ضيّعتُ من أملا
قتيلُ بابكِ ما زالت جراحُهُ الــ
أولى تُداوي جراحاً بعدها نزلا
يا دارُ لولا هواكِ المُرّ ما عرفتْ
روحي من الشوق ما أمسى وما رحلا
يا دارُ يا وردةً في الرملِ ما ذبلتْ
ولو تعاقبَتِ الأكوانُ والأجيالا
يا آيةَ اللهِ، كم ضاقت عبارتنا
عن وصفِ حسنٍ بكم أشعلتِ أشعلا
يا كنزَ علمٍ، ويا واحاتِ فيئته
ما زلتِ تجري على أسرارِنا ظِلالا
يا قدسُ يا ثوبَ نورٍ لا يُدنّسهُ الــ
ليلُ مهما رمى الإظلامُ أو جفلا
يا يافُ… يا عطرَ بحرٍ كلُّ موجتِه
تمزّقتْ من حنينٍ ثم ما وصلا
يا غزةُ البرقُ في أهدابكِ اشتعلتْ
فما استكان لظلمٍ أو غوى ذُلا
يا خليلُ يا حجراً صلّى على ألمٍ
فأورقَ الصبرُ في جنبيه إذ صلّا
يا صفدُ يا بردَ أنسامٍ ترفُّ على
كتفِ الجبالِ فتعطي الحلمَ منفذَ لا
وفي العراقِ على الفراتِ حكايتِي
يا من سَقتْ روحَهُ الأيامُ ما ابتَذَلا
علّمني الماءُ أن الليلَ مهجتُهُ
وأن صبرَ النخيلِ الدهرَ ما خذلا
علّمني الرملُ أن الحزنَ نافذةٌ
تريك في عمقها أسرارَ من زعلا
وكنتِ يا دارُ في غربتي وطنًا
يُعيدُ قلبي إذا ما ضلَّ أو جهلا
يا دارُ إن مرّ في صدري هوىً خنقٌ
كنتِ الهواءَ الذي في نبضِهِ انسكلا
وإن تعاقبَتِ الأسقامُ في تعبٍ
كنتِ الشفاءَ الذي للروحِ ما انفصلا
أذكرتِني ضحكةً كانت على شفةٍ
تُطرّزُ الليلَ حين الطيرُ ما هجلا
أذكرتِني نخلةً كانت تظللُنا
كأنّ فيها رفيفاً من هوىً نزلا
أذكرتِني صرخةَ الماءِ التي اشتعلتْ
حين انكسرنا فلم نعرفْ لنا بدلا
يا من يعيدُ لنا ماضٍ نعانقهُ
يا من يعيدُ لنا من عمرنا فصلا
من ذا يعيدُ لنا أيامَ بهجتِنا
إن كان من سرقَ الأفراحَ قد رحلا؟
من ذا يعيدُ لنا صوتاً فقدناهُ في
ليلٍ طويلٍ على الأحلامِ ما سهِلا؟
يا دارُ ماذا بقى في القلبِ من وطنٍ
لو غبتِ؟ من يفهمُ المشتاقَ إن ذبلا؟
إنّي لأعلمُ أن الشوقَ يعرفُني
حتى وإن بدّلَتْ أيّامُنا الحللا
وأنّ في الروحِ باباً لا يُغلقُهُ الــ
بعدُ مهما اشتكى المشتاقُ أو عقلا
فالحبُّ يجري دماً في القلبِ منكِ كما
يجري الفراتُ إذا والى لنا هجلا
والشوقُ يلهثُ فوق الماء رحلتَهُ
كأنّهُ طفلُ حزنٍ ما بكى مللا
يا دارُ يا موطني الأولُ يا ولهي
يا أنّةً في دمي ما فارقتْ خللا
إن قلتُ إني نسيتُ الروحَ موطنَها
فالله يعلمُ أنّ القولَ ما قبِلا
وتكتملُ فيكِ يا دارُ قصتُنا
فلا الفراتُ نسى، لا القلبُ ما وصلا
ويعودُ صوتُكِ من صدرِ الرياحِ إذا
ناديتُهُ، فتنفّسَ الشوقُ الذي اشتعلا
يا دارُ… يا لهفةً تمشي بأوردتي
وتوقظُ الحرفَ إن نامتْ به السُّبُلا
إني إذا جئتُ أبواباً تؤرّقني
جاء الفراتُ مع الأعذارِ مُبتهلا
وإن وقفتُ بقلبٍ منهكٍ وجلٍ
عاد الحنينُ على أهدابِكِ انجذلا
وإن كتبتُ هواكِ الآنَ مختبئاً
خطَّ الغرامُ على كفّي الذي سفِلا
تبقينَ ما دام في صدري منابضُهُ
وما بقيتُ على واديكِ مُرتحلا
وتبقينَ في كل نبضٍ حين أسألهُ
عن موطنِ الروحِ، قال: الدارُ ما بدلا
ولتشهدِ الأرضُ أنّي ما خذلتُ هوىً
ولا رهنتُ لغير الوصلِ ما حملا
إذا رغبتُ أن أزيدَ الهوى في القصيدة
أكتبها على قيثارةِ الليلِ مُحكلا
أروي ذكرياتٍ، وأزفُّ شوقَها
فتعلو فوق المدى كلماتٌ تتجللا
يا فلسطينُ، يا نبضَ الأرضِ ووجدي
أنتِ القلبُ، والشمسُ، والهواءُ المُهلا
أنتِ الحلمُ في ليالي الشتاءِ الباردِ
أنتِ الوعدُ في الدمعِ ما استكان ولا
يا قدسُ، ويا غزةُ، ويا يافا، ويا صفدُ
يا خليلُ، كلُّ أرضٍ فيكِ يَتجللا
كلُّ حجرٍ ينطقُ باسمكِ عشقًا
كلُّ نسيمٍ يعزفُ على الشطِّ مطلا
أيامُنا كانت على الفراتِ مواويل
تهدهدنا الريحُ، وتغني النخلُ خلا
وما زال الطيرُ ينشدنا فوق الأمواج
ويلبسُ الزهورَ في الليلِ فَرحًا مُسلا
وإذا غفوتُ، ينامُ في القلبِ وطنٌ
يسكنني، ويسري في دمائي مُصلا
وتبقى فلسطينُ في حنايا الروحِ
شمسًا لا تغيبُ، ونورًا لا يختلا
وفي القصيدةِ يكتملُ
كما الزهرُ ينثرُ عطراً في الدجلا
فالمواويلُ فراتيةٌ بعزف فلسطين
تروي الحُبَّ، والشوقَ، والهوى، والجُملا