من أكثر الكلمات طرقا للآذان بعد انتهاء معركة سيف القدس، وأكثرها شيوعا في المواقع والقنوات، وفي الصحف والجرائد والمجلات، حتى بلغ صداها مشارق الأرض ومغاربها: ” شكرا إيران “؛ فتلقفتها آذان صاغية ووضعتها في سياقها؛ ومجتها أخرى رافضة قبولها جملة وتفصيلا، فصدق فيهم قول الحق سبحانه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] ولتربية النفس على التأني جاء ما يوجب التروي والتبصر مباشرة وفي نفس الآية، قال تعالى: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]
ورفعا للغبش وإزالة للبس الذي يكتنف هذا الموضوع، نسلط الضوء على ما يلي:
أولا: من حيث السياق التاريخي للعلاقة بين أهل السنة والشيعة التي تمثلهم إيران
لا يخفى على كل من درس التاريخ والفكر الإسلاميين، الصراع القديم المتجدد بين السنة من جهة، والشيعة من جهة أخرى، كما لا يغيب عنه: جرائم الباطنيين، وفظائع الفاطميين، وبشاعة الصفويين، وغيرهم من الطوائف.. الذين تلوثت أيديهم بدماء المسلمين السنة قديما وحديثا، في حق إخواننا في سوريا، ولبنان، والعراق،..، فأنَّاتهم ما زالت – والله – ترن في سمعي..، أما عن داخل إيران فلا تكاد تسمع لهم همسا.
كما لا يغيب عنه التوجه العقدي لمن تخابر مع المغول، ليدك بذلك المسمار الأخير في نعش الخلافة العباسية المترنحة والمحتضرة أصلا، ومن سفك دماء الحجيج في بيت الله الحرام، وسرق الحجر الأسود، وانتهك مقدسات المسلمين.، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يمحوها الزمن.
كما يدرك أن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف عقدي، قائم على النقيض الذي لا يجتمع طرفاه ولا يرتفعان، وأن خطرهم على المسلمين السنة أشد وأنكى من خطر غيرهم عليهم.
لكن في المقابل لنا أن نتساءل: أليست العلاقات بين الدول في مفهوم السياسة المعاصر قائم على المصالح لا على المبادئ والمعتقدات ؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليس من الحكمة والحنكة السياسة عند تكالب الأعداء عليك أن تحالف ذلك، وتلهي ذاك، لتتفرغ لهذا ؟ وإلا فشلت في إدارة المعركة، وخسرت القضية من أصلها.
وكون إيران تشتغل سياسيا، وعسكريا، ودعاية، لمشروعها الصفوي، فهذا من باب ما جاء على أصله لا سؤال عليه، بل السؤال واقع على من يقبع في ركن البيوت مستنكرا على حماس شكر إيران ! وهو الذي لم يقدم لحماس لا نقيرا ولا قطميرا، ألا نخاف أن يحاسبنا الحق سبحانه عن تقصيرنا وتخلفنا عن نصرة إخواننا ؟ ألا نخاف حين نقف بين يدي الباري سبحانه أن يسائلنا لم سلمتم إخوانكم للصفويين ؟
ثم إن الجميع يدرك أن حماس منبع من المنابع الصافية لأهل السنة والجماعة، التي لم يثبت عنها قط أن تبنت التشيع، أو نشرته في غزة وهي التي تحكمها لسنوات، أو حتى دعت إليه، أو أقامت لهم مأثما وعويلا، أو تعرضت للصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – بسوء..، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32].
ثانيا: من حيث التأصيل العلمي لشكر العدو:
يعد الشكر مبدأ إسلاميا أصيلا، ومن مكارم الأخلاق التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيه من تقوية لأواصر العلاقة بين المسلمين، ومن رد للجميل لمن أسدى إليك خدمة أو قدم لك مساعدة من المسلمين وغيرهم. وقد وردت أحاديث كثيرة مبينة فضله، منها:
حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ»[1]، وورد في رواية الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر الله»[2]
وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال من أُعطي عطاءً فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور»[3]
وهي أحاديث مستفيضة في بابها، وقد وردت بألفاظ العموم: ” الناس – من ” ولا مخصص لها فتبقى على عمومها، فتكون بذلك شاملة للمسلم وغير المسلم وللصديق والعدو..، فكل من أسدى إليك خدمة ولو بسيطة حق لك شكره بغض النظر عن انتمائه أو عقيدته أو عرقه ولونه..، ويكون ذلك حسب حاله.
قيل لسعيد بن جبير رحمه الله: المجوسي يوليني خيراً فأشكره، قال: نعم[4].
وعليه فنقول: إذا كانت حماس بفصيلها العسكري: كتائب عز الدين القسام، ومعها المقاومة المجاهدة الباسلة بفصائلها المتنوعة، ترابط في ثغر من ثغور الإسلام نيابة عن الأمة بأكملها، دفاعا عن حرمة الأقصى أولى القبلتين، وثالث المسجدين الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، ولولا مشيئة الله وتوفيقه وتسديده لها لسقط الأقصى، ولكان للأمة شأن أفظع وأشنع مما هي عليه الآن.
وإذا كانت حماس ومعها المقاومة المجاهدة، تكالب عليها الصديق قبل العدو، وخذلها حكام المسلمين – إلا من رحم ربك وقليل ما هم – بل وبدؤوا في الاصطفاف في صف الكيان الصهيوني الغاصب الغاشم..، فلا نفعوا صديقا، ولا أضروا بعدو، ولله در الشاعر القائل:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفع.
كما تكالب عليها أعتى دول العالم – بعدِّها وعتادها – إجراما وسفكا لدم المسلمين.
إذا كان كل هذا حاصلا وواقعا لا ينكره إلا مكابر أو معاند، فإن الخيارات الاستراتيجية أمام حماس وبقية الفصائل المقاومة، باتت محدودة ومعدودة في خيارين:
- رفض مساعدات إيران العسكرية مع ما يعنيه ذلك من الاستسلام وضياع الأقصى وشرف الأمة، وفي هذا ما فيه من إلقاء بالنفس إلى التهلكة. وبالأقصى في حضن الكيان الغاصب.
- القبول بهذه المساعدات التي تمدها بأسباب البقاء والمرابطة في هذا الثغر نيابة عن الأمة، على أن لا يكون ذلك ثمنا لعقيدتهم وعقيدة من تحت وصايتهم[5].
ولهم في هذا في الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، لما استعار من صفوان بن أمية – وهو يومها مشرك – سلاحه، حيث قال له: ” يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا ” فقال صفوان: أغصبا يا محمد ؟ قال : ” بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك ” قال : ليس بهذا بأس؛ فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح.[6] ثم إن الشكر في جميع الأحوال ما هو إلا ثناء لمن أسدى إليك جميلا، وليس تبن لأفكاره ولا لمعتقداته؛ فتدبروا يا أولي الالباب.
ثالثا: المُصدِّر لهذه الشبهات، في مثل هذه الأوقات، يمثل أحد هذه الفئات
- جاهل كحاطب ليل لا يفقه من أمره شيء، وواجبه السؤال لا نشر الشبهات.
- متصهينون مغرضون مسترزقون، تغدق عليهم الأموال لبث الفتن في جسم الأمة المفتون أصلا، وواجبهم الذهاب لحماية المحتل من صواريخ المجاهدين التي تقض مضاجعهم.
- متأثرون بالصنف الثالث: مغردون ” ببغاوات” ومرددون لشبهاتهم، وذلك كبعض أنصار الحركات ذات الطابع العرقي، ومن شبهاتهم المتآكلة: الفلسطينيون باعوا أرضهم، فلسطين ليست قضيتنا، حماس إخوان، حماس تتاجر بالقضية الفلسطينية، حماس حماس..، هي غصة في حنجرتهم ما استطاعوا ابتلاعها.
وهؤلاء أسأل: كيف يشعرون – إن كانوا يملكون شعورا – عندما يرون اليهود – أنفسهم – وكل أحرار العالم يخرجون بالآلاف في شوارع قارات العالم تنديدا بالاحتلال وجرائمه ؟ في حين هم يبرؤون المعتدي، ويطبلون له، ويتهمون المعتدى عليه !
- من الطوائف التي تحتكر الإسلام لنفسها، وأنها على الحق، وما سواها فضال مضل، وأن الأقصى لا يحرر إلا بالعقيدة الصحيحة..، وواجبها الذهاب للجهاد لتحرير الأقصى من الكيان الصهيوني لأنها صاحبة الحق عقديا، لا الثرثرة وراء النوافذ، ونشر الفتن في المجتمعات الإسلامية.
ختاما: سهل أن نرسل الكلام، ونكيل التهم، دون تقدير للعواقب، ولا تبصر للأحداث، في مخالفة لنصوص الشرع، وللقواعد الشرعية التي أطبق عليها العلماء من قبيل: ” الأمور بمقاصدها ” و ” الضرورات تبيح المحظورات ” و ” الضرر يزال “.
وأُذكِّر أخيرا كل مثير للشبهات والفتن لفت عضد الأمة، بهذا الحديث النبوي الشريف الصحيح الصريح:
عَنْ أَبِى ذَرٍّ – ر ضي الله عنه – قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ « الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ ». قَالَ قُلْتُ أيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ « أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا ». قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ « تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ « تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ »[7].
فتصدقوا على أنفسكم يرحمكم الله.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- أبو محمد عبد الملك بن هشام في: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ت 183 ه؛ تحقيق ودراسة: مجدي فتاح السيد، دار الصحابة للتراث بطنطا؛ الطبعة الأولى: 1416 ه 1995م.
- أحمد بن حنبل ت 240 ه. في: المسند، تحقيق : شعيب الأرنؤوط وآخرون؛ الناشر : مؤسسة الرسالة؛ الطبعة : الثانية 1420هـ ، 1999م.
- محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي ت 256 ه، في: الأدب المفرد؛ تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي؛ الناشر : دار البشائر الإسلامية – بيروت؛ الطبعة الثالثة ، 1409 – 1989م.
- محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي ت 279 ه ؛ الجامع الصحيح سنن الترمذي؛ تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون؛ الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت.
- محمد ناصر الدين الألباني – ت : 1420هـ – في: صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري؛ الناشر : دار الصدّيق؛ الطبعة : ط1: 1421هـ.
- محمد ناصر الدين الألباني في: السلسلة الصحيحة؛ الناشر : مكتبة المعارف – الرياض.
- مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري – 261 هـ – في: الصحيح؛ تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي؛ الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
- سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي – ت 275 ه – في: السنن؛ تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد الناشر : دار الفكر.
[1] رواه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة – رضي الله عنه – 13/322. وأبو داود في سننه، كتاب الآداب: باب في شكر المعروف، 2/671. والبخاري في الأدب المفرد؛ باب من لم يشكر الناس، 1/85. وقد صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد؛ 1/99.
[2] رواه الترمذي في كتاب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلمن باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك. وقال: حديث حسن صحيح. 4/339.
[3] رواه الترمذي في كتاب البر والصلة..، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه، وقال حديث حسن غريب؛ 4/379. وصححه العلامة الألباني في الصحيحة؛ 2/181.
[4] الآداب الشرعية للإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي 1/316.
[5] وقد أشرنا سابقا إلى أن المجتمع الغزي مجتمع سني طاهر نقي.
[6] السيرة النبوية لابن هشام 4/ 74
[7] صحيح مسلم للنيسابوري كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. 1/ 89 .