طاقة المشاعر- غزة نموذجا
بقلم: مينة كلخ
البناء و الهدم كلاهما يحتاج إلى طاقة، فأي المسارين تختار في استعمال طاقة مشاعرك؟!
المشاعر هي طاقة عظيمة تُشغل المُحرك الداخلي للإنسان كي يبني و يُنجز.
هل تأملت كل ماتقوم به و نوع المشاعر التي تسبق ذلك؟
الإحساس بالحُب كيف ينعكس في أفعالك، الإحساس بالانتماء، بالإحباط، بالألم، بالغضب…؟!
كلٌ منا في هذا الوقت العصيب من الحرب المُتوحشة على غزة يُحس بالألم، هذا الألم يُولد عندنا الكثير من المشاعر الجيَّاشة،
نشعر برغبة في وقف هذا السيل من الدماء!!
نشعر بالغضب تُجاه المُجرم المُباشر الذي يقتل و يُدمر!!
نشعر بالغضب و الاستياء من الداعمين، مِن المتأمرين، من المُتخاذلين…!!
نشعر بالحُزن تُجاه الفقد العظيم في الأرواح التي تُزهق في كل لحظة!!
هذه المشاعر التي تُحس بها هي جزء من إنسانيتك، في نفس الوقت، كل شعور هو مُحرك لِفِعل او ردة فِعل، هُنا نحتاج ان نُفكر، ما هو الفِعل الذي يجب القيام به رداً على شعوري تُجاه هذا الإجرام الواقع في غزة؟
هل أجعل نفسي في موقف ردة الفِعل ثم المفعول به، أم أكون أنا الفاعل أنا سيد الموقف؟
هذا الغضب و الألم الذي تُحس به هو نِعمة عظيمة تحتاج أن تُقرنها بإيمان راسخ، أن تؤمن بأن الحق لا يُعلى عليه مهما تجبّر الظالم.
هذا الألم طاقة يُمكننا أن نستعملها في الرد على الهمجية و الثأر للأبرياء. نَعم، أنا و أنت نستطيع أن نستعمل الألم في البناء، هذا ليس كلام حالم، بل هو اختيار نقوم به، كي نُقاوم و نواجه الغطرسة، أن توجه الشعور نحو ماهية الفِعل الذي يُعين هذا الشعب العظيم الصامد في التحرر و كيف لي أن أساهم كإنسان إيجابي رسالته البناء و الصلاح في هذه الأرض، هي معركة تمسنا جميعاً، معركة بين الحق و الباطل، بين العدل و الظُلم، بين الرحمة و الهمجية، بين الإنسانية و الوحشية، بين سُموا القِيَم و دناءة السيطرة المادية، بين الحرية و القهر.
ستقول لي كيف السبيل؟ الأمر بسيط، أولاً تتعرف على هذه المشاعر التي تُحس بها و تُقرر ما هو الفِعل الذي تقوم به بعد ذلك، مثلاً، هل أفرغ غضبي بالصراخ؟!
هل أكتب تدوينات أسب فيها المُجرم ؟
هل أتضامن مع المظلوم ؟ و كيف ؟
ما نجاعة كل فِعلٍ أقوم به ؟
هل البناء يحتاج إلى العمل أم فقط التعبير على الألم و الغضب ؟
ما هو العمل الإيجابي الذي يُمكنني القيام به في دعم هذه القضية؟
ماذا ينقصني من مهارة؟
هل إيماني قوي في نُصرة الحق؟ كيف أقوي ذلك؟
هل رصيدي العِلمي كافي أم ناقص؟
هل مصادري الثقافية صائبة ؟
ماذا علمني أهل غزة بصمودهم؟
لماذا يعكف أهل غزة على حِفظ القران الكريم في عِز الدمار و مِن بين الرُكام ؟
ماذا نحتاج لِنكون أقوياء ؟
ماذا نحتاج لِنجنب أبناءنا الهوان في المُستقبل ؟
الوعي بعظمة هذه الطاقة تجعلنا نستخدمها بالشكل الصحيح، أن اختار طريق البناء رداً على الهدم و الدمار،
احدد لنفسي أهدافاً بأن اكون تلك اللبنة الصلبة في بناء الأمة التي تُواجه آلة الإفساد في الأرض. نعم، أبدأ بنفسي، فأنا أول من يحتاج الانتفاع بهذه الطاقة، أتعلم مهارة نافعة، أقرأ، أطور من نفسي بِنية النفع، أختار أن أمسك جهاز التحكم في الفِعل بيدي.
البناء لا يحتاج عملاً ضخمًا بطوليًا بل قد يكون عملاً صالحاً بسيطاً أوله صلاح في النفس و الأهل، ستقول لي هل هذا ينفع أهل غزة؟!
هناك النفع الآني الذي يُمكننا القيام به من تنديد بِاحتجاجات و مساعدات مادية و ضغط سياسي…الخ.
وهناك دعم أعظم هو طاقة هذه المشاعر التي وقودها دماء الأطفال و الرُضع و الأبرياء في ارض غزة العِزة، فعظمة هذه الأرواح تحتاج منا فعلاً أعظم و أكبر يتمثل في موقع العامل المُخطط المُتحكم و ليس ردة الفِعل التي تشتعل و تخمد بِتحكم من الفاعل.
هو عملٌ عظيم نِيته المُساهمة في نهضة الأمة المُقاوِمة للظلم، المُتطلعة لتحقيق العدل و السلام للخلق جميعاً و على رأسهم شعب غزة الأبية.
أما الطريق الثاني لاستعمال هذه الطاقة هو طريق الهدم، ثم الدوران في مكانك، تحويل مشاعر الغضب إلى الإحساس بقلّة الحيلة ثم الضعف و الهوان، طريق القنوط من الرحمة و انسداد الأفق، لا يُفيد في شيء، أو تسليط الغضب في مهاجمة الفريق الفلاني و النِظام الفلاني، فهذا لا يُعفيني من مسؤوليتي تُجاه ما يحدث، فماذا أستطيع أن أفعل أنا؟ أهم بكثير من لماذا الآخر يفعل أو لم لا يفعل؟!
كُلنا نعرف وضع البلدان العربية، هذا الصمت الرسمي المُخزي، حتى هذا الإحساس بالخزي هو طاقة أحتاجها أنا كي أواجه هذا الخنوع، لست مسؤولاً عليه و ليس من واجبي تحطيم نفسي بهذا الواقع بِقدر ما واجبي أن أكون قيمة مُضافة في تغيير هذا الواقع، قيمة باعثة للأمل، و الله لا يُضيع اجر من أحسن عملاً.