منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موسوعة الشهيد المجهول

موسوعة الشهيد المجهول/ أشرف شعبان أبو أحمد

0

موسوعة الشهيد المجهول

بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

دائما وأبدا ينسب النجاح في أي عمل مؤسسي أو حراك شعبي “ثورة مظاهرة احتجاج” أو نشاط “ثقافي تربوي اجتماعي رياضي”، للقائم على رأسه وعلى إدارته، هو وحده، قائدا كان أو زعيما أو رئيسا أو كابتن أو غيرهم من المسميات، دون غيره من المشاركين له، ممن يقفون بجانبه أو ورائه، يدا بيد، سواء بسواء. كما تحتفل بعض الدول بمثل هؤلاء، تقيم لهم الاحتفالات في ذكرى ميلادهم ووفاتهم وتاريخ نجاحاتهم أو انتصاراتهم، ولا تكترث بغيرهم من زملاء أو شركاء، سواء من كان منهم على قيد الحياة أو ممن لم يمهلهم القدر ليجنوا ثمار عملهم. كما أن التاريخ أيضا لا يذكر إلا أسماءهم وحدهم، وينسى أو يغفل عمن دونهم. على الرغم من أن حركات التغيير في المجتمعات، وإن كانت تبدأ على يد رجل واحد، أو عدة رجال، سرعان ما يلتف حولها الناس، ليعملوا جميعا على إحداث التغيير المنشود، ويقع منهم أثناء ذلك عشرات بل مئات أو ألوف من الشهداء في ساحة المواجهة مع أعداء التغيير، ومثلهم في أروقة الزنازين والمعتقلات، وجميعهم يطويهم النسيان. وأيضا في ميادين القتال لا تحسم المعارك بدون جنود مخلصين، على كفاءة عالية يقاتلون بشجاعة واستبسال، ويضحون بحياتهم وينالون الشهادة من أجل دينهم ووطنهم وأهلهم، وفي مجال الرياضة الجماعية أيضا، لا يمكن لمحرز الأهداف من تسجيلها بدون مجهود سائر أفراد الفريق، ومن قبلهم المدرب وأعضاء فريق الخدمات المعاون له. ولكن غالبا من يشاد به، ويثنى عليه، هو من نجحت الثورة على يده، ومن انتصر الجيش وهو على رأسه، كما لا ينال سائر اللاعبين، ما يناله محرز الهدف أو مسجل نقاط الفوز، من ثناء ودعاية ومكافآت، ومثل هذا ينطبق على سائر الأعمال وكافة النشاطات.

فضلا عن ذلك هناك أناس، أفرادا كانوا أو جماعات، لا هم رؤساء ولا مرؤوسين، وهم خارج أي منظومة، قاموا ببطولات رائعة، وأعمال جليلة، في شتى مجالات الحياة، ضحوا بما لديهم وبما يقدرون عليه وبما في استطاعتهم، ولم يذكرهم أو يتذكرهم أحد. وإذا كان بعض من هذه الأعمال قد يراها البعض صغيرة، ولكنها كبيرة في نظر من ضحى، ومن ضحي لأجله، وقد أمرنا ألا نحقر من المعروف شيئا، ومن الأمثلة على ذلك: ممن عملوا على نشر الإسلام، في كثير من الأمم في آسيا وأفريقيا، تجار مسلمون ودعاة صادقون، متميزون بأخلاقهم وصدقهم وأمانتهم وحسن معاملتهم، أعطوا صورة حية وصادقة عن الإسلام، فدخل الناس في دين الله أفواجا، ويسير على خطاهم إلى يومنا هذا كثير ممن وهبوا حياتهم لنشر الإسلام في ربوع المعمورة، وهذا ما نرى أثره في تزايد أعداد معتنقي الإسلام، في عدد من دول العالم خاصة الغربية منها. وفئة أخرى من المسلمين عذبوا وقتلوا، أو هجروا من بيوتهم، وصودرت أملاكهم، وشردوا وتوفوا وأهيل عليهم التراب في الغربة، فرارا بدينهم، وتمسكا به ولرفضهم الارتداد عنه، كما يحدث للأقليات المسلمة في بعض دول العالم، والمستضعفون من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وهذا ما نجد تزايد وتيرته، في فترات وهن الأمة الإسلامية، على مر التاريخ. وفئة أخرى ممن ضحوا في سبيل تحرير أوطانهم من مستعمر غاشم، وكانت لهم صولات وجولات لتحرير وطنهم، ومنهم من روى بدمائه تراب الوطن ورحل في صمت وسكون. وفئة ممن ضحوا بحياتهم لنيل حريتهم من حاكم مستبد، فالمذابح التي يرتكبها الطغاة ضد المعارضين لحكمهم، يذهب ضحاياها الآلاف قتلا أو تعذيبا أو تشريدا، وإزاء كلمة حق أمام سلطان جائر، ضحي كثير بحياتهم أو بحياة فلاذات أكبادهم، وفصلوا من وظائفهم وضيق عليه في أرزاقهم، وحولوا إلى محاكم صورية، صدرت ضدهم أحكام جائرة، وهناك أبرياء كثر أخذوا بذنب أقارب لهم، وذوي أرحامهم، وتعرضوا لكل ما سبق، للانتقام والترويع، وإعطاء العبرة للغير. وفئة ممن يقومون بعمليات استشهادية من أجل مبدأ أو هدف أو دعوة يؤمن بها ويعتنقها أو من أجل فتح الطريق أو جبهة لزملائه لملاقاة عدوهم وهزيمته، وممن استشهدوا في حروب ومنازعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وممن وقعوا في الأسر، ونالهم ما نالهم، حيث لفظ أكثرهم أنفاسهم الأخيرة في ظروف غير إنسانية، قاسوا فيها، آلام الجوع والعطش، وضربة الشمس، ونزف الجرحى منهم دماءهم الزكية فوق رمال الصحراء المحرقة، والمدنيين الذين يقتلون في الحروب، بدون ذنب ولا جريرة غير الانتقام من دولتهم وإضعاف معنويات جنودهما. وفئة ممن يقوم الأعداء بتصفيتهم لنبوغهم أو تفوقهم العلمي، ومن ماتوا في مختبراتهم أثناء اختراع أو اكتشاف حدث علمي يفيد البشرية قبل أن يصلنا في صورته النهائية. ومن ضحى من أجل الوفاء بالأمانة، والحفاظ على العهد، ومنهم من يحاول إنقاذ بعض المارة أطفال أو سيدات أو شيوخ أثناء عبورهم الطريق، فإذ بسيارة أو غيرها من وسائل المواصلات، تصطدمه، أو تدهسه وتفقده حياته، ومنهم من يحاول إنقاذ غريق من الموت وإذ به يفقد حياته غرقا بعد إنقاذه لهذا الفرد، ومن يحاول إنقاذ أناس من حريق مشتعل شمل منزلهم أو مكان عملهم فإذ به يفقد حياته، ومنهم من يفقد حياته أو جزءا من أعضاء جسمه لإنهاء شجار وقع بين أفراد سواء في الطريق أو داخل محل أو منتزه أو غيرهم من الأماكن أو داخل الأسرة، وسواء كان هذا الفرد من ضمن المتشاجرين أو طرف خارجي حاول الصلح بينهم فنابه ما نابه، ونقيس على ذلك أمور كثيرة. فالشهادة ليست مقصورة على شهيد الحرب فقط، بل متاحة لكل مسلم، حيثما كان مكانه وإمكانه، فحين يتعرض للعدوان على نفسه وأهله أو ماله أو مناصرا لأخيه المسلم، فهو مطالب بالتصدي للعدو بكل ما أوتي من قوة، يقاتله بكل قوة وبكل سلاح، ومقاومته حتى آخر رمق في حياته، فإن غلبه العدو على أمره، وسقط صريعا في المعركة، فقد ظفر بالشهادة، وقد شملت الشهادة حالات أخرى بينتها الأحاديث التالية، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الغريق شهيد الحريق شهيد المبطون شهيد من يقع عليه البيت شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد ) وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال رسول ( من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ) وعن سويد بن مقرن رضي الله عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قتل دون مظلمته فهو شهيد ) وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الطاعون والغرق والبطن والحرق والنفساء شهادة لأمتي ) وعن ابن نافع عن ربيع الأنصاري رضي الله عنهما، قال عليه الصلاة والسلام ( الطعن والطاعون والهدم وأكل السبع والغرق والحرق والبطن وذات الجنب شهادة ) ومن تغرب لقربة أو مباح فمات غريبا، متوحشا عن مؤانس، متحسرا في وحدته، مستسلما في نفسه، مسلما إلى ربه، فهو شهيد لصعوبة ما حل به، صحح الدارقطني من حديث ابن عمر ( موت الغريب شهادة ).

ولكي لا نأسى على ما أصاب هؤلاء، من تهميش، وعدم الالتفات لذكراهم، فإن القرآن الكريم يخبرنا بأن المولى عز وجل، قد أرسل رسلا من قبل بعثة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، منهم من قصص خبرهم، ومنهم لم يقصص، أي أن هناك رسلا، كان لهم دور أو مهام، لم يذكر أسماءهم ولا سيرتهم، ليس نسيانا من الله، فما كان الله ناسيا، بل لنستلهم العبرة بأن هناك على مر العصور والأزمنة من كان وسيكون له دور في حياتنا، ولم ولن يذكرهم التاريخ بشيء، قال تعالى في سورة النساء آية 164 ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ) وقال في سورة غافر آية 78 ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ). كما ذكر القرآن من الصالحين باسمه، بجانب عمله الطيب، كلقمان في سورة لقمان الآيات 12- 19وذي القرنين في سورة الكهف الآيات 83 -98، ومنهم لم يذكرهم بأسمائهم، ولكن ذكر أفعالهم،كمؤمن يسن، كما جأت آية 20 في سورة يسن ( وجاء من أقصى المدينة رجلا يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين ) وحتى آية 29 من نفس السورة، وكمؤمن فرعون، كما جاءت آية 28 في سورة غافر، قال تعالى ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) وأصحاب الأخدود لم يعرف أسماؤهم، ولكن بقيت ذكراهم، في قرآن يتلى إلى يوم الدين، قال تعالى في سورة البروج الآيات 4- 8 ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) وهناك من قام بأدوار هامة ولم يعرف هويتهم، ففي قصة سيدنا داود كما حكى القرآن الكريم عنها، كان هناك خصمان، رجلين من بني آدم، أو كانا ملكين في صورة رجلين، عرضا عليه القضية امتحانا واختبارا، ثم لم يلبثا أن اختفيا، ولم يعرف لهما أثر، أيا كان الاحتمالين فالمغزى واحد. قال تعالى في سورة ص 22 ( إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ). وفي سورة النمل آية 40 قال تعالى ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) لم تبين لنا الآية شخصية ذلك الذي حدث سيدنا سليمان، بعنده علم من الكتاب أبشر هو أم جني؟. كما بين لنا القرآن الكريم أن هناك من لهم دور في حياتنا، وليسوا ببشر مثلنا، فها هو الغراب يعلم قابيل كيف يدفن أخاه، قال تعالى في سورة المائدة آية 31 ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال يا ويليتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ) والهدهد الذي كان سببا في إسلام ملكة سبأ لسيدنا سليمان، قال تعالى ( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لا أذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ) سورة النمل الآيات 20- 28 كلها دلائل على أن هناك أشخاصا مجهولين الاسم أو الهيئة، لهم أثر كبير، وسيظل أثرهم خالدا، كما ظلوا هم مجهولين.

وهناك من المواقف التي حدثت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليعلمنا بها الإسلام، وسجلها رواة الأحاديث، كان أبطالها رجالا أو نساء، لم يذكروا أسمائهم، واكتفوا بتأصيل الحادثة والحديث، فعلى سبيل المثال لا الحصر، روى الترمذي عن عبد الله بن بسر أن رجلا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به. قال ( لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ). وعن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام، أي الإسلام خير؟ قال ( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ولم تعرف ). أتى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتينِ باطنَ أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء. أﻥ ﺭﺟﻼ ﻣﻦ اﻷﻋﺮاﺏ ﺃﺗﻰ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻣﺘﻰ اﻟﺴﺎﻋﺔ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ( ﻭﻣﺎ ﺃﻋﺪﺩﺕ ﻟﻬﺎ؟ ) ﻓﻘﺎﻝ اﻷﻋﺮاﺑﻲ: ﻣﺎ ﺃﻋﺪﺩﺕ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﺒﻴﺮ ﺃﺣﻤﺪ ﻋﻠﻴﻪ ﻧﻔﺴﻲ ﺇﻻ ﺃﻧﻲ ﺃﺣﺐ اﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ( ﻭﺇﻧﻚ ﻣﻊ ﻣﻦ ﺃﺣﺒﺒﺖ( . قصة أصحاب الغار التي تروي أحداث ثلاثة رجال أووا للمبيت في غار، فلما دخلوه، انحدرت عليهم صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة، وخرجوا من الغار. وعن الثلاثة الذي قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النسا فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ). جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن معه ثم قال أهاجر معك ثم كانت غزوة غنم الرسول منها بعض الغنيمة فقسمها على أصحابه وأعطى منها هذا الإعرابي نصيبه ودهش الإعرابي وقال ما هذا؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا نصيبك. فقال الإعرابي ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمي في خلقي بسهم فأموت فادخل الجنة، وصدق الإعرابي فيما قال، فمازال يقاتل حتى أدرك منيته بالشهادة في سبيل الله. وبالنسبة لدور المرأة يروي الحديث، أن فتاة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: أن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، أي يغطي نقصه، وإنا كارهة. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبيها، وأمره أن يجعل الأمر إليها، فقالت الفتاة: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. وهناك امرأة لم يذكر التاريخ اسمها في عهد عمر بن الخطاب جعلته يرسل إلى قادة المرابطين أإلا يحبسوا جندا عن أهله أكثر من أربعة أشهر.

وأخيرا إلا يستحق منا، أولئك الذين تركوا أثرا في حياتنا، وضحوا بأنفسهم أو أموالهم أو بما لديهم من غال وعزيز، ولم يذكرهم التاريخ بشيء، ولم يذكر أحد تضحياتهم، وذهبوا طي النسيان، أن نحي ذكرى بطولاتهم، ونعيدها للحياة بتدوينها، والتذكير بها بين الحين والآخر، حتى لا تمحى من ذاكراتنا، وأن لا نكل ولا نمل من سرد العمل الذي قاموا به، ليقتدي بهم، ويتنافس على منازلتهم المتنافسون، والاستفادة من تجاربهم، والاتعاظ والاعتبار بأفعالهم، وندعو لهم، ولنشد من أزر الأحياء منهم، ولمعرفتنا قدر أنفسنا، وكم نحن مقصرون، وتنقصنا المروءة والنخوة والإقدام والعزم على التضحية ( لتكونوا شهداء على الناس ) البقرة 143 وذلك بالبحث عن أسمائهم، والتفتيش عن سيرتهم، والتنقيب عن آثارهم، وعائلتهم وذراريهم، وبعد التأكد من صحة البيانات، يتم توثيقها، وتسجيلها في موسوعة، وبما أننا في عصر التواصل الاجتماعي السريع، والموسوعات الإلكترونية التي تملأ الفضاء الواسع، والتي يصل إليها الجميع سريعا بغض النظر عن مكان اتصالهم بالانترنت، يمكننا إنشاء موسوعة إلكترونية على غرار هذه الموسوعات، ويتم تبويبها حسب المواضيع أو ترتب هجائيا حسب الأسماء، ويتم تزويدها بالوسائل التوضيحية من صور وفيديوهات، قال تعالى في سورة التوبة آية 105 ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) وقال عز وجل ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) الذاريات 55 مع العلم بأن هناك من ضحى بالغالي والنفيس، رافضا ذكر اسمه، والإفصاح عن هويته، ورافضا أخذ أي منح أو عطايا، لكي يكون عمله خالصا لوجه الله تعالى. وختاما لا نريد أن نخلد لبطل إلا عمله، فالبطولة ليست في الفرد ذاته، وإنما في عمله، فلا نخلد لحمه ولا دمه ولا نصنع له من الحجر والجرانيت تماثيل، ولا نعلق له صور في الساحات والميادين، ولا نريد أن نبني له قبرا، ولا نريد أن نعظمه ولا نرفعه فوق منزلته، فنهلك كما هلكت الأمم السابقة، عندما عظموا صلحاء ثم عبدوهم، ولكن نريد ألا ننسب النجاح لفرد واحد، وننسى من معه ومن وراءه. والمسلم لا ينسب لنفسه أي شيء من التوفيق، إنما هو من عند الله، قال تعالى ( وما توفيقي إلا بالله ) هود88

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.