منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في الطّريق إلى سيدي أحمد بنعجيبة 

في الطّريق إلى سيدي أحمد بنعجيبة / عبد الهادي المهادي

0
في الطّريق إلى سيدي أحمد بنعجيبة
بقلم: عبد الهادي المهادي
الطريق بين “واد أليان” وقرية “مْلوسَة” من جُملة المُتع التي تردّ الرّوح؛ الخُضرة على اليمين كما على اليسار وعلى مدّ البصر؛ حقول وغِراس شهيّة، وأشجار تين وفيرة الأوراق وارفة الظلال تُبشّر بصيف سخيّ كريمٍ. الكثير من أهل الحضر، من مدن مختلفة، ومنهم رجالُ عِلْم ووعظ، انتبهوا لبهاء المكان، فتنادَوا لامتلاك منازل فارهة أعلا تلالٍ هناك، حيث البحر يبدو كبحيرة عظيمة، وحيث الأندلس والجبل على مرمى حجر، وحيث الشّمس لا تَسْتَلّ أشعّتها من تلك الرُّبوع إلى آخر رمق.
كُنا نطلب من كلّ سيّارة تتبعنا أن تتخطّانا، فقد كُنّا أسْرى للجمال، ولم يكن قطع الطريق مما يشغلنا. لم تكن لنا من أمنية هذا المساء غير امتلاك كوخ وسط هذه الغرائس.
ما إن تجاوزنا قرية ملوسة الهادئة، فالحياة وسطها شبه منعدمة إلا من صوت مرور بعض السّيارات المسرعة التي كانت تتخذ من شارعها الرئيسي ممرّا نحو مقاصد غيرها، ما إن تجاوزناها بقليل حتى قصدنا ممرا يوصل، كما تشير العلامة، إلى قرية الزُّميج؛ حيث ضريح أحد أحبّ الشخصيات المغربية إلى قلبي؛ العلامة سيدي أحمد بنعجيبة، صاحب المسلك العلمي المميّز، والتجربة التربوية الفذّة، المؤلّفات المختلفة والمتفرّدة.
انطلقنا في مُرتقًى صعب وسط الغابة؛ صعبٌ في أرضيته المُحفّرة، مما يفرض عليك أن تبقى منتبها إلى الأرض التي أمامك، في نفس الوقت الذي يفوتك الجمال الغابوي الذي تراه يتسلّل من أمام عينيك دون أن تستطيع فعل شيء؛ فلا يُنصح بالتّوقف هناك، لأنّ حركية المرور نادرة، والأمن غير مضمون.
توجّهنا مُباشرة إلى المقهى الذي نبت حديثا فوق “عين التّين”، ولم يتيسّر لنا الجلوس هناك لاحتساء كأس من الشاي، لأنّ المقاعد التي تُطلّ على المشهد البانورامي كانت كلّها مشغولة، فعدنا أدراجنا، وانحدرنا نحو الضّريح. وحينما اقتربنا منه سمعنا نداء من خلفنا؛ كانت فتاة بدوية تريد أن تبيعنا خُبزا بلديا كما قالت، اعتذرنا لها، فلم تعد تلك المنتوجات القروية تثير شهيّتي، لأنّ سوابق كثير علّمتني أن غشا كثيرا خالطها، ولم تعد بنفس تلك البراءة التي كنّا نعرفها.
قلتُ لمن كان معي: سيدي أحمد يحكي في فهرسته ـ الغريبة العجيبة ـ أن زوجته “كَرْكَبَتْه” ذات مرّة من الدّرج؛ كانت قاسية معه، وكانت كثيرة الإذاية له.
فهرستُه ـ رحمه الله تعالى ـ من أمتع ما يُقرأ، بغضّ النظر عن اتّفاقك مع منهجها ومضمونها أو رفضك لهما، أما كتابه “إيقاظ الهمم في شرح الحكم” فموسوعة تربوية حقيقية.
وجدنا من فتح لنا باب الضّريح، ونادرا ما نجده، سلّمنا بأدب على ساكنه، ودعونا معه ومع أنفسنا وآبائنا وأولادنا ومن ربّانا ومع كلّ من كان له فضل علينا، ثم خرجنا لنعبّ مزيدا من الجمال الذي كان لا يكفّ عن الرّقص أمامنا.
رفعتِ الشّمسُ كلتا يديها بالوداع، وتوجّهتِ السماء نحو الرّماد بهدوء، وبدأت بعض الحشرات الطائرة بالحومان حولنا، وقد مرّ بجانبنا راع يسبقه جحش محمّل ببعض الخشاش، كان يسرع بخطوات صغيرة، بينما بقرتان كانتا تمشيان الهوّينا، مثقلتان البطن والضّرع، غير مباليتين بالظلام الذي بدأ ينشر رداءه.
وهذه اللحظة كانت دائما تُعذّبني وأنا طفل أثناء زيارتي للبادية صيفا؛ لم أكن أطيق أبدا لحظة انتهاء النّهار، لأنّ ذلك كان يعني نهاية اللعب، والتّوجّه إلى النّوم؛ واللعب والنّوم من أشهر مُتقابلات الطفولة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.