زغل العلم وجواهره في زمن الفتنة “تمهيد”
زغل العلم وجواهره في زمن الفتنة "تمهيد"/ الدكتور عبد الحليم الزبير
زغل العلم وجواهره في زمن الفتنة “تمهيد”
الدكتور عبد الحليم الزبير
كتب الإمام شمس الدين الذهبي ت (748ه-1348م) رسالة لطيفة سماها زغل العلم، ميز فيها بين جواهر العلم التي توجد في كل مذهب من المذاهب والفرق العلمية، الفقهية والكلامية والسلوكية من جهة، وبين زغل العلم العالق بها، ويحجب عن الناس الانتفاع بتلك الجواهر، ورغم ما يمكن أن يلاحظه القارئ من تحامل الذهبي على خصوم أهل الحديث من المتكلمين والصوفية فإن فكرة الكتاب كانت قيمة بالقدر الذي يدفعنا اليوم إلى استيحاء الفكرة والسعي للتمييز بين الزغل والجوهر فيما يتدفق اليوم من معلومات وآراء تدندن كلها بجوهرها حول الشريعة، لكنها تحمل من الزغل ما يعيق الشريعة عن الوصول إلى جماهير الأمة صافية نقية.
وحيث إن الإعلام اليوم يركز أكثر على كل ما هو مثير للمشاهد الكسول الذي يعتبر الإعلام مجرد وسيلة فرجة، وليس وسيلة تعريف بمواقع الحق فيما يختلف حوله الناس، فإن ذلك الزغل الذي يحجب جواهر العلم هو البضاعة الأكثر رواجا، وقد التحق كثير من طلبة العلم الشرعي ومشايخ الدعوة بل ومن العلماء المتخصصين بركب الزغل على مواقع التواصل الاجتماعي حين شاهدوا نفوق أسواق الزغل، فأمعنوا في ترويج كل أنواع الزغل الفكري والتاريخي العالق بالتراث الفقهي والعقدي..، حتى أصبح ذلك التراث في نظر المتابع غير المطلع عبارة عن ثرثرات فارغة لا معنى لها سوى التقرب من الحكام وكسب الشهرة ونكاية الخصوم..
فأسفر ترويج الزغل عن نتيجتين خطيرتين:
إحداهما الإمعان في تشتيت صفوف الأمة واستعداء بعضها على بعض، والإمعان في التنقيب عن أسوأ ما تحتويه مراجع الخصوم من المخالفات التي نسيها التاريخ أو كاد، وثانيهما نسيان القضايا الكبرى البعيدة عن الخلاف والزغل المعرفي في مجال التربية الإيمانية مع موجة الانحراف السلوكي، والتبصير العقدي مع موجة الإلحاد الفكري، والتحريض على عدو الدين والأرض والوطن الذي يستفرد بأرض الإسراء يوما بعد يوم ويسوم أهلها سوء العذاب، وهو مطمئن إلى أن أغلب المنابر العلمية لها معركتها الخاصة مع خصوم الداخل ولا وقت لديها للحديث عن التخطيط الصهيوني لاستئصال كيان الأمة.
وتتجلى أهمية هذا المسلك الذي أخذناه عن الذهبي -مع التحفظ عن الزغل الذي يمكن أن يتضمنه كتابه هذا أيضا- في كونه الطريق المعبد للإنصاف العزيز الذي قل قائله، لكنه الطريق الأوحد ليستفيد طالب العلم من تراث سلف الأمة بكل توجهاتها، قبل أن يعتلي المنابر ويتصدى للأحكام، كما أن هذا المسلك يؤدي بنا لتنبني نظرة متوازنة لسائر الفرق والمذاهب والطوائف، لا مغالاة فيها ولا جحود. وقبل أن نعرج على نماذج من الجواهر الثمينة التي يتبناها كل توجه معاصر، مع التنبيه على الزغل الذي يلف هذه الجواهر ويحجبها عن الناس، لابد أن نتوقف عند أصل هذا المسلك في التربية النبوية ثم عند معيار التفرقة بين زغل العلم وصلبه، أو بين قشور العلم وجواهره.. يتبع