الأبواب والحكاية
د. عبد القادر الدحمني
كلُّ كلمةٍ لا تَنِزُّ دمًا لا يُعَوَّلُ عليها.
ما حكاية الأبواب التي تنتزع ويتم تغيير مكانها؟!
معذرة، فتلك قصة أخرى، تليق بتأمّلات التاريخ، وتدور معاركها في كواليس خرائط تصميم التهيئة، حيث يقف المهندسون، متنكّرين لعواطفهم، ومتحمّسين لمسح كل أثر، كأنهم يسحقون الضعف والنقص والعجز والذاكرة اللعينة..
في المكان الذي بكت فيه عيناك، حين ولّيتُ راحلا؛ أقف، أبحث عبثا عن احتمال أعدمته قسوة الحياة، حيث كان بإمكاننا القتال إلى آخر رصاصة، لكننا آثرنا عافية الجبناء، وانسحبنا إلى قعر الهوان..
ذهبت اليوم، ككل المجاذيب الذين تقودهم حواسهم في أدغال الوقت الهارب، إلى ذات المكان، وحدّقت فيه بإمعان لعلّي أعثر على بعضك، أو أتعثّر بشيء ما يقودني إلى أثرك، لكنني ركضت بسرعة هذه المرة، ربما كي أنجو من تفاصيل الطريق، لكن المكان تنكّر لي في لحظة من اللحظات، فأوشكت أن أقفل راجعا وأشرع في نسف بنايات يقيني القديم: لا زال مقهى نوميديا في مكانه، ولا زال الطريق يحمل عبق تلك البسمة، ولا زالت الأشجار التي نجت من حملة الاجتثاث تتذكر بريق عينيك، وتحفظ ذكرى نبض الوفاء، آه يا عزيزتي، وحدها الأشجار تعرف معنى الوفاء حين تتنكّر لها الأغصان أو يتحوّل بعضها إلى دعم أدوات القطع.
أعرف أنني أصل متأخرا على الدوام، وأنني أبدو كمتعقِّبٍ أبديٍّ لقافلةٍ لا تعرفُ الانتظار، وأعرف أنني منذور لهذا الحزن العميق الذي يحزّ كل ذرة في كياني، حين ألتفت فلا أجدك بقربي، وحين أحدّق في الأفق فلا أعرف دربا يؤدي إلى تلك الربوع، وأتيه، أضيع، أتطاحن وحدي كقلب إعصار.
أعود إلى حكاية الأبواب، لقد هدموها، وأقاموا شيئا يشبه بوابات المستوطنات، حيث الحواجز والأمن الخاص، والتوجّس، والاستعلاء العمراني الأجوف: كل شيء يدفعك دفعا إلى الرجوع، والانكفاء، والتخلّي التّام.. لقد غابت الأبواب المرّحبة، التي تكاد تضمك وتأخذ بيدك وتسلمك إلى مكانك المطلوب كعائد من عمرة أو خاطب عزيز، اختفت تلك الأبواب، وبنى المتوجّسون أسوارا ومسالك حديدية ترهب الداخل وتجعله ينكمش ويتضاءل ويختفي في قزميته ودونيته ولاضرورته..
الباب الذي انفتح في وجهينا كبشارة، حين قدمنا لأول مرة نستطلع المكان، وجلسنا قليلا صامتَيْن، ونحن لا نعرف كيف نتصرف في الوقت الضيق المتاح أمامنا، تخلّوا عنه، وحلّ محلّه الجمود والنكران.
تمّ قتل الحنين بنجاح. فتعالي إلى فضاء الكلمات، حيث الكوّة الوحيدة المتبقّية للتنفس في هذه المدينة التي كادت تطردني، حين أنكرت حالي، وأنا الذي ذبحت سنوات على أعتابها طالبا، ومتدرّبا، وعاشقا، ومتلمّسا درب المجاذيب في أزقة المدينة القديمة، وفي ظلال البساتين الباردة، حيث قصب الخيزران والياسمين والرصيف الذي يكاد يغني من أثر الخطوات والشجون العتيقة والحسرة على تسرب العمر والمعنى..
هنا، تتمدّد حكايتنا على سرير العناية المركزة، ويفحصها طبيب منتفش بشبابه وعضلاته وندرة تخصصه، ويزيد في منسوبه من الأندرنالين ذلك الوهن البادي والاستسلام المبدئي بين يديه، والتسليم شبه الكلي لتعليماته ونصائحه، حيث يبدو “إلها” صغيرا يعطي الحياة، أو على الأقل يساهم في “صناعتها” بطريقة ما.
الحكاية ممدّدة في خضوع تام، والطبيب المشتعل بالحياة، يقلّب النظر ويعيد الفحص، ويميل إلى ترجيح كفة استنتاج، في معركة تثبت نجاعة تقديره، وسلامة استنتاجه، لكنها تشكل نكبة مروّعة للحكاية، إذ يفتك بها الألم، ويتمزّق هيكلها بالضغط، زيادة ونقصانا وتكييفا، فتغذو أقرب إلى فرانكشتاين حين تلمّ مُزَعَها في النهاية، مصرّة على البقاء، هاربة من الصمت والسكون المخيف.
هل تسهم الكتابة في إحياء حكايتنا، وتمدّها بأسباب البقاء، لا أعرف، غير أن للكتابة دوما ذلك الادعاء العريض الذي يجعلها فعلا بمثابة الطبيب المغرور، أو على الأقل، الواثق من نفسه حدّ تخوم الغرور.
لا أعرف كيف يرتوي التراب بتلك الدموع في كلّ مرة أظن فيها أن سلطة التصحّر قد تجذّرت، وتصنّمت وتحصّنت.
غير أنه في كل مرّة كذلك، أكتشف أن إرادة ما، تجعل بذرة النص تنتفض على الأُصِّ الصناعي اللّعين، وترسل جذورها إلى العمق البعيد، ثم تتفتّق وتمتدّ، أغصانا للحب وأزهارا للأمل، فتثمر الكلمات وينتشر شذى تلك الذكرى، ويعود الباب شامخا بقوسه المنمنم وظلّه الآمن وترحيبه الأبدي.
آه يا عزيزتي! لو يتحدّث هذا الشارع لَقَالَ أكثر..